لم يكن التحذير الذي أطلقه مصرفي بارز بشأن التوسع الضخم في التمويل غير المصرفي مجرد تصريح عابر، بل فجر واحدة من أكثر المعارك سخونة داخل الأوساط الاقتصادية والمالية في مصر خلال الأيام الأخيرة، بعدما وصف تنامي نشاط بعض شركات التمويل بأنه أقرب إلى "قطاع مصرفي موازٍ" يتحرك خارج القواعد الصارمة التي تحكم البنوك التقليدية، محذرًا من أن الاندفاع الكبير نحو منح التمويلات للأفراد قد يقود إلى موجة تعثر واسعة تهدد استقرار السوق والاقتصاد معًا.
التحذيرات فتحت الباب أمام انقسام حاد بين مؤيدين يرون أن السوق يشهد بالفعل توسعًا "مخيفًا" في الإقراض خاصة الاستهلاكي دون ضوابط كافية، ومعارضين يعتبرون أن التمويل غير المصرفي أصبح ضرورة اقتصادية لا غنى عنها في ظل صعوبة وصول ملايين المواطنين والشركات الصغيرة إلى التمويل البنكي التقليدي.
بداية الأزمة.. تحذير من "فقاعة ديون"
الشرارة بدأت عندما حذر المصرفي البارز من أن بعض أنشطة التمويل غير المصرفي تتحرك بسرعة أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب، مشيرًا إلى أن البنوك تخضع لقواعد صارمة يفرضها البنك المركزي تشمل نسب احتياطي إلزامية، وتقييمات دقيقة للجدارة الائتمانية، وآليات رقابية معقدة، بينما تعمل بعض الشركات في القطاع المالي غير المصرفي وفق أطر رقابية مختلفة قد تكون أقل تشددًا.
وأوضح أن الخطر لا يكمن فقط في حجم التمويلات، بل في طبيعة العملاء أنفسهم، حيث يتم منح تمويلات مرتفعة التكلفة لفئات قد لا تمتلك القدرة الكافية على السداد، ما يرفع احتمالات التعثر الجماعي، كما أشار إلى أن سرعة منح التمويل أصبحت ميزة تنافسية لدى بعض الشركات، لكن هذه السرعة قد تأتي أحيانًا على حساب جودة التقييم الائتماني الحقيقي للعملاء.
بين مؤيد ومعارض.. جدل واسع داخل السوق
التحذيرات أشعلت نقاشًا واسعًا بين خبراء الاقتصاد والمصرفيين وشركات التمويل، فريق مؤيد اعتبر أن ما يحدث حاليًا يشبه إلى حد كبير "فقاعة التقسيط"، خاصة مع الانتشار الضخم لتمويل الهواتف والأجهزة والسيارات وحتى الخدمات التعليمية والسياحية، دون ضمانات كافية، مؤكدين أن ارتفاع الفائدة والتكاليف الإضافية قد يدفع آلاف العملاء إلى دائرة التعثر.
في المقابل، دافعت شركات وخبراء عن القطاع، معتبرين أن التمويل غير المصرفي لعب دورًا مهمًا في تنشيط الاستهلاك وتحريك الأسواق ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكلفة الاقتراض البنكي، وأكدوا أن القطاع يخضع بالفعل لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، وأن الحديث عن "فوضى تمويلية" مبالغ فيه.
الهيئة ترد بالأرقام.. 417 مليار جنيه ونسب تعثر أقل من 3%
ومع تصاعد الجدل، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية، بيانًا مطولًا حمل ردًا واضحًا على المخاوف المتداولة، مستندة إلى أرقام وإحصائيات رسمية تؤكد قوة القطاع واستقراره.
وقالت الهيئة، إن حجم محافظ التمويل غير المصرفي بلغ نحو 417 مليار جنيه بنهاية 2025، بينما تجاوزت قيمة التمويلات الممنوحة 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 54% من إجمالي التمويلات المقدمة للقطاع الخاص والأفراد في السوق المصرية.
وأضافت أن القطاع يضم حاليًا 2532 شركة وجهة خاضعة للرقابة تخدم أكثر من 64 مليون عميل، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، مؤكدة أن نسب التعثر ما زالت أقل من 3%، وهي نسبة وصفتها بأنها "آمنة ومستقرة".
وشددت الهيئة على أنها ألزمت جميع الشركات بتطبيق معايير "بازل 3" الخاصة بكفاية رأس المال والسيولة والرافعة المالية، إلى جانب قواعد صارمة للجدارة الائتمانية قبل منح أي تمويل، بما يشمل الاستعلام الائتماني وتحليل المخاطر وفحص قدرة العملاء على السداد.
وأكدت أن الرقابة لا تقتصر فقط على متابعة الشركات بعد منح التمويل، بل تبدأ منذ مرحلة "ما قبل المنح"، باعتبارها خط الدفاع الأول لمنع تكوين ديون متعثرة أو التوسع العشوائي في الإقراض.
"التسييل".. الحيلة الأخطر داخل سوق التقسيط
لكن بعيدًا عن الأرقام الرسمية، تبقى ظاهرة "تسييل التمويل الاستهلاكي" واحدة من أخطر الملفات التي تواجه القطاع حاليًا، وتقوم الفكرة على شراء العميل سلعة بالتقسيط — مثل هاتف أو أجهزة كهربائية — ثم بيعها فورًا بسعر أقل للحصول على سيولة نقدية سريعة، ليتحول التمويل الاستهلاكي عمليًا إلى "قرض كاش" عالي التكلفة وبفائدة مرتفعة.
الهيئة اعتبرت هذه الممارسة نوعًا من التحايل المالي الذي يضر بالسوق ويرفع نسب المخاطر، ولذلك ألزمت اتحاد التمويل الاستهلاكي بإعداد "قائمة سوداء" تضم العملاء والتجار والسماسرة المتورطين في عمليات التسييل، مع تطبيق ربط إلكتروني فوري لوقف التعامل مع أي جهة يثبت تورطها.
كما يتم إخطار شركات الاستعلام الائتماني ببيانات المخالفين لمنع حصولهم على تمويلات جديدة، إلى جانب إطلاق "قوائم مراقبة" لرصد أنماط الاحتيال المبكر وتزوير المستندات وانتحال الشخصيات.
شكاوى "البلطجية" والتحصيل العنيف.. والرقابة ترد بالقانون
وفي موازاة أزمة التسييل، تتزايد شكاوى بعض العملاء من أساليب التحصيل التي تلجأ إليها جهات غير مرخصة أو سماسرة يعملون خارج الإطار الرسمي، حيث يتحدث متعاملون عن ضغوط وترهيب وملاحقات غير قانونية لتحصيل الأقساط المتأخرة، وصلت في بعض الحالات — بحسب الشكاوى — إلى الاستعانة بـ "بلطجية".
الهيئة العامة للرقابة المالية أكدت أن هذه الممارسات تمثل جرائم يعاقب عليها القانون، مشيرة إلى أن القانون رقم 18 لسنة 2020 يحظر ممارسة أي نشاط تمويل أو تحصيل دون ترخيص، مع عقوبات تصل إلى الحبس وغرامات قد تبلغ مليون جنيه.
كما ألزمت الشركات بتوفير وثائق تأمين على العملاء لتغطية الأرصدة المتبقية في حالات الوفاة أو العجز، بهدف منع أي ملاحقات أو ضغوط غير قانونية على الأسر، إلى جانب تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ضد أي تجاوزات أو ممارسات مشبوهة داخل السوق.