عبد اللطيف صبح
أصدرت مؤسسة “ملاذ” لدعم المرأة تقريرها الفصلي بشأن العنف ضد المرأة في مصر خلال الربع الأول من عام 2026 (يناير – مارس)، كاشفة عن ملامح مقلقة لتحول الظاهرة من مجرد حوادث فردية متفرقة إلى نمط ممتد يحمل طابعًا تصاعديًا واضحًا، يتدرج في كثير من الحالات من الإيذاء النفسي إلى الاعتداء الجسدي، وصولًا في بعض الوقائع إلى القتل أو محاولاته، وذلك استنادًا إلى رصد وتحليل 61 حالة موثقة.
ويؤكد التقرير أن ما تم رصده لا يقتصر على عرض بيانات رقمية، بل يعكس بنية متكاملة للعنف تتكرر بنفس الأنماط تقريبًا، حيث تبدأ غالبية الحالات بسلوكيات أقل حدة يتم التغاضي عنها أو التعامل معها باعتبارها أمورًا عابرة، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى اعتداءات جسدية متكررة، ثم تبلغ ذروتها في صور أكثر عنفًا قد تنتهي بجرائم قتل، في ظل غياب واضح وملحوظ لمنظومات حماية فعالة قادرة على التدخل المبكر واحتواء هذه المسارات قبل تفاقمها.
ووفقًا لمؤشرات التقرير، شكلت الاعتداءات بالضرب النسبة الأكبر من الحالات المرصودة، بنسبة بلغت 42.6%، بينما مثلت حالات العنف الشديد، التي تشمل القتل ومحاولات القتل، نسبة 24.6%، فيما انتهت 21.3% من الحالات بالفعل إلى جرائم قتل، وهو ما يعكس خطورة المسار التصاعدي للعنف. كما أظهر التقرير أن المجال العام، من شوارع ووسائل مواصلات، كان مسرحًا لنحو 49.2% من الوقائع، في حين ظل العنف داخل الإطار الأسري حاضرًا بقوة، خاصة في الجرائم الأكثر عنفًا، حيث برز الزوج أو بعض الأقارب كأطراف مباشرة في عدد كبير من هذه الحالات، بينما بلغت نسبة الجناة مجهولي الهوية 36.1%.
كما يلفت التقرير إلى أن الخلافات الأسرية تمثل أحد أبرز الدوافع المرتبطة بحالات العنف، بنسبة 29.5%، إلا أنه يشدد في الوقت ذاته على أن الدوافع المباشرة لا تعكس دائمًا عمق المشكلة، إذ إن العنف في جوهره يسير في مسار تراكمي، يتغذى على غياب التدخل المبكر، واستمرار التساهل مع المراحل الأولى من الإيذاء.
ويطرح التقرير مفهوم “ازدواجية الخطر”، موضحًا أن المرأة في كثير من الحالات لا تجد مساحة آمنة بشكل كامل، سواء داخل المنزل أو خارجه، بل تتحرك ضمن دائرة ممتدة من التهديد، يتغير فيها شكل العنف باختلاف المكان، لكنه يظل حاضرًا كاحتمال قائم، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتداخلها مع تفاصيل الحياة اليومية.
من ناحيته أكد رئيس مجلس الأمناء أنس عقيل أن ما يتم رصده حاليًا لا يمكن اعتباره مجرد زيادة في معدلات العنف، بل هو تحول في طبيعة الظاهرة نفسها، مشيرًا إلى أن العنف لم يعد مجموعة وقائع منفصلة يمكن التعامل معها بشكل فردي، وإنما أصبح مسارًا واضح المعالم يبدأ بممارسات بسيطة يتم تجاهلها، ثم يتصاعد تدريجيًا حتى يصل في كثير من الأحيان إلى نتائج مأساوية. وأضاف أن هذا العنف لم يعد محصورًا في أطراف المجتمع، بل بات يحدث في قلبه، داخل البيوت والعلاقات الأسرية، وكذلك في الشوارع ووسائل المواصلات، أي في كل مساحة تتحرك فيها المرأة بشكل يومي.
ويشدد التقرير على أن أخطر ما في الظاهرة ليس فقط حجمها أو أرقامها، بل طبيعتها التراكمية التي تسمح بإعادة إنتاج العنف بشكل مستمر، في ظل بيئة قد تتعامل معه أحيانًا باعتباره أمرًا عاديًا أو قابلًا للتجاوز. كما يؤكد أن كل تأخر في التدخل يمثل خطوة إضافية نحو تصعيد أكبر، وأن تجاهل المرحلة الأولى من الإيذاء يمهد بشكل مباشر للوصول إلى المراحل الأكثر خطورة.
ويخلص التقرير إلى أن التعامل مع الظاهرة لم يعد يحتمل الاكتفاء بردود الفعل، بل يتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة الفهم والتعامل، من خلال رصد مبكر لأنماط العنف، والتدخل قبل تحولها إلى جرائم، بما يحد من الخسائر الإنسانية التي لا يمكن تبريرها إذا استمر هذا المسار دون مواجهة حقيقية.