مجلس الشيوخ
في تحرك برلماني يستهدف فتح الملفات الاقتصادية الأكثر ارتباطًا بحياة المواطنين ومستقبل التنمية، يستعد مجلس الشيوخ لمناقشة مجموعة من القضايا المهمة التي تتصدر أولويات الشارع المصري، بداية من ضبط الأسواق ومواجهة غلاء الأسعار، مرورًا بتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وصولًا إلى تطوير آليات تمويل البنية الأساسية والمشروعات التنموية، وتفعيل دور المؤسسات الاستثمارية الوطنية في دعم القطاع الخاص والشركات الناشئة.
وتأتي هذه الملفات على جدول أعمال الجلسة العامة الخامسة لمجلس الشيوخ، المقرر عقدها يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، برئاسة المستشار عصام الدين فريد، رئيس المجلس، حيث تتجه المناقشات إلى استيضاح سياسات الحكومة في عدد من الملفات الاقتصادية والاستراتيجية، من خلال طلبات مناقشة عامة تقدم بها أعضاء المجلس، في إطار الدور البرلماني الرامي إلى تقييم السياسات العامة وطرح التحديات التي تتطلب حلولًا عملية ومستدامة.
وتكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة لتداخل موضوعاتها؛ فاستقرار الأسعار يرتبط بكفاءة منظومة الإمداد والرقابة، والأمن الغذائي يتصل بقدرة الدولة على زيادة الإنتاج المحلي وترشيد استخدام الموارد، بينما تمثل آليات التمويل والاستثمار عنصرًا أساسيًا في توفير الموارد اللازمة للمشروعات التنموية وتعزيز النشاط الإنتاجي.
وتكشف الطلبات المطروحة عن توجه نحو مناقشة مجموعة مترابطة من التحديات، لا تقتصر على معالجة تداعيات ارتفاع الأسعار، وإنما تمتد إلى بحث كفاءة الأدوات الحكومية، ومدى الاستفادة من التحول الرقمي، وفرص تطوير المؤسسات التمويلية، وإعادة توجيه الاستثمارات إلى الأنشطة الأكثر قدرة على دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
يتصدر ملف ضبط الأسواق وحماية المواطنين من غلاء الأسعار جانبًا مهمًا من المناقشات المنتظرة، في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية والتحديات المرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف توفير عدد من السلع الأساسية.
ويتضمن جدول أعمال الجلسة طلب مناقشة عامة مقدمًا من النائب تامر عبد الحميد وأكثر من عشرين عضوًا، لاستـيضاح سياسة الحكومة بشأن رقابة الأسواق وحماية المواطن من غلاء الأسعار، إلى جانب طلب مقدم من النائب زين العابدين كامل وأكثر من عشرين عضوًا، بشأن ضبط الأسواق وحماية المستهلك.
وتطرح هذه الملفات تساؤلات حول مدى قدرة منظومة الرقابة على تحقيق الانضباط السعري، والتصدي للممارسات الاحتكارية، وضمان التزام التجار بالإعلان عن الأسعار، فضلًا عن مواجهة أي ممارسات تستهدف استغلال الظروف الاقتصادية لتحقيق أرباح على حساب المواطنين.
ولا تتوقف أهمية القضية عند مراقبة الأسعار في الأسواق، بل تمتد إلى ضرورة تحقيق التوازن بين توافر السلع واستقرار أسعارها، وضمان وصولها إلى المستهلكين بصورة منتظمة، مع تعزيز فاعلية الإجراءات المتخذة ضد المخالفات.
وتبرز هنا أهمية التنسيق بين الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة التموين والتجارة الداخلية وجهاز حماية المنافسة، بما يسهم في توحيد الجهود الرقابية، ورفع كفاءة متابعة الأسواق، وتعزيز قدرة الدولة على التدخل لمواجهة الممارسات الضارة بالمستهلكين.
يطرح ملف الرقابة على الأسواق أهمية خاصة للتحول الرقمي، باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في تطوير آليات متابعة حركة الأسعار، ورصد المخالفات، وتحسين الاستجابة لشكاوى المواطنين.
وفي هذا السياق، تناول طلب النائب تامر عبد الحميد الجهود المرتبطة بتطوير منظومة الرقابة، ومن بينها منظومات «رادار الأسعار» و«كارت المفتش» و«برنامج حقك»، إلى جانب منظومة رقمية لتلقي شكاوى المواطنين.
وتثيرهذه الأدوات أهمية تقييم النتائج الفعلية للتحول الرقمي، ومدى انعكاسه على سرعة اكتشاف المخالفات، وتحسين كفاءة الحملات التفتيشية، وتوفير بيانات تساعد الجهات المعنية على تحديد بؤر ارتفاع الأسعار والممارسات غير المنضبطة.
كما تبرز ضرورة قياس مدى التكامل بين قواعد البيانات والجهات الرقابية، ومدى قدرة المنظومات الرقمية على تحويل المعلومات المتاحة إلى إجراءات تنفيذية ملموسة، تحقق حماية حقيقية للمستهلك وتدعم استقرار الأسواق.
ويظل التحدي الرئيسي هو ضمان ألا يقتصر التطوير الرقمي على إنشاء المنظومات وإطلاقها، بل يمتد إلى قياس أثرها على أرض الواقع، ومتابعة نتائج الشكاوى، وتفعيل الإجراءات القانونية تجاه المخالفين.
يمثل تعزيز الأمن الغذائي أحد أبرز الملفات المطروحة للنقاش، في ظل التحديات العالمية المرتبطة بتقلبات الأسواق واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء، بالتزامن مع الزيادة السكانية والضغوط المتزايدة على الموارد الزراعية والمائية.
ويتضمن جدول أعمال مجلس الشيوخ طلب مناقشة عامة مقدمًا من النائب إسماعيل علي نصر الدين وأكثر من عشرين عضوًا، لاستـيضاح سياسة الحكومة بشأن تعزيز منظومة الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة.
ويؤكد مضمون الطلب أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية تتعلق بالإنتاج الزراعي، بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بتوافر الاحتياجات الأساسية للمواطنين، واستقرار المجتمع، وقدرة الدولة على مواجهة الأزمات الخارجية.
وتتجه أهمية المناقشة إلى بحث مدى قدرة السياسات الحالية على زيادة الإنتاج المحلي من السلع الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتطوير منظومة التخزين والنقل والتوزيع، والحد من الفاقد والهدر الغذائي.
كما يبرز الملف أهمية تبني رؤية متكاملة تربط بين الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي، وتطوير نظم الري، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، بما يدعم استدامة الإمدادات الغذائية ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
تسلط البيانات الواردة في طلب المناقشة المقدم بشأن الأمن الغذائي الضوء على الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في عدد من السلع الاستراتيجية، باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تتطلب معالجة طويلة الأجل.
ووفقًا للأرقام الواردة في الطلب، يبلغ إنتاج القمح المحلي نحو 9.5 مليون طن، مقابل استهلاك يتجاوز 20 مليون طن، وهو ما يبرز أهمية زيادة الإنتاج المحلي وتحسين الإنتاجية وتقليل الفجوة بين الاحتياجات والإنتاج.
كما يشير الطلب إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي من الزيوت النباتية لا تتجاوز 5%، مقابل نحو 75% في السكر، بما يعكس تفاوت مستويات الاكتفاء الذاتي بين السلع الأساسية، والحاجة إلى تحديد أولويات الإنتاج والاستثمار الزراعي وفقًا للاحتياجات الاستراتيجية للدولة.
وتفرض هذه المؤشرات أهمية التوسع المدروس في المحاصيل الاستراتيجية، وتحسين كفاءة استخدام الأراضي الزراعية، والاستفادة من نتائج البحث العلمي والتكنولوجيا الزراعية، إلى جانب تطوير منظومة التخزين والتصنيع للحد من الفاقد.
ولا يقتصر التعامل مع فجوة الغذاء على زيادة المساحات المزروعة، بل يتطلب أيضًا تحسين الإنتاجية، ورفع كفاءة سلاسل القيمة، وتقليل الهدر خلال مراحل الحصاد والنقل والتخزين والتوزيع، بما يضمن الاستفادة القصوى من كل وحدة إنتاج.
يرتبط ملف الأمن الغذائي ارتباطًا مباشرًا بتحديات الموارد المائية، التي تفرض ضرورة التوسع في تطبيق نظم الري الحديثة، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتحقيق أكبر عائد ممكن من الموارد المتاحة.
وأشار طلب المناقشة إلى أن حصة مصر من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل احتياجات فعلية تتجاوز 80 مليار متر مكعب، وفقًا للأرقام الواردة بالمستند.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات المرتبطة بإدارة الموارد المائية، في ظل تزايد الاحتياجات السكانية والزراعية، بما يجعل التنسيق بين السياسات المائية والزراعية والغذائية ضرورة لتحقيق الأمن الغذائي المستدام.
كما تبرز أهمية الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، وتحسين نظم الري، وتطوير أساليب إدارة المحاصيل، ودعم البحث العلمي الذي يستهدف زيادة الإنتاجية وترشيد استخدام الموارد.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات تبني سياسات متكاملة لا تركز على زيادة الإنتاج وحدها، وإنما تشمل أيضًا تقليل الفاقد، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتطوير أنماط الإنتاج بما يتناسب مع الموارد المتاحة.
بالتوازي مع ملفات الأسواق والغذاء، يفتح مجلس الشيوخ ملف دور المؤسسات التمويلية الوطنية في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.
ويتضمن جدول الأعمال طلب مناقشة عامة مقدمًا من النائب أحمد عبد الله محمود أحمد وأكثر من عشرين عضوًا، بشأن دور بنك الاستثمار القومي في تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وإعادة توجيه بعض الاستثمارات، ودعم الشركات الناشئة.
ويطرح هذا الملف أهمية تطوير آليات توظيف الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والأنشطة ذات الأولوية، وفقًا لمعايير الجدوى الاقتصادية والعائد التنموي.
وتتجاوز أهمية القضية توفير التمويل للمشروعات القائمة، إلى بحث كيفية تحفيز الاستثمارات الجديدة، وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على دعم الأنشطة التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، وتوفر فرص عمل، وتسهم في رفع معدلات النمو.
كما يبرز دور الشراكة بين القطاعين العام والخاص في توفير مصادر تمويل متنوعة، والاستفادة من الخبرات الفنية والإدارية، ورفع كفاءة تنفيذ المشروعات، مع ضرورة مراعاة معايير الشفافية والحوكمة وتقييم العائد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمارات.
يضع طلب المناقشة المتعلق ببنك الاستثمار القومي دعم الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ضمن الملفات التي تستحق الاهتمام، بالنظر إلى دور هذه المشروعات في تحفيز الابتكار وتوسيع النشاط الإنتاجي وخلق فرص العمل.
وتواجه الشركات الناشئة تحديات تمويلية تتطلب أدوات أكثر مرونة، تتناسب مع طبيعة أنشطتها واحتياجاتها في مراحل التأسيس والنمو والتوسع، بما يستدعي تطوير آليات التمويل وتوفير بيئة مؤسسية وتشريعية داعمة.
ومن هنا، تبرز أهمية بحث فرص توجيه الاستثمارات إلى المشروعات الواعدة، وتشجيع الابتكار التكنولوجي والصناعي، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تمويل الأنشطة الإنتاجية.
كما يتطلب دعم ريادة الأعمال تحقيق التكامل بين التمويل والتدريب والتطوير التكنولوجي والوصول إلى الأسواق، بما يعزز قدرة الشركات على الاستمرار والنمو، ويزيد مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
يفتح مجلس الشيوخ كذلك ملف تمويل البنية الأساسية والمشروعات التنموية، من خلال طلب مناقشة عامة مقدم من النائب عمرو إبراهيم أبو العيون، لاستـيضاح سياسة الحكومة بشأن الآليات الحديثة لتمويل هذه المشروعات.
ويؤكد الطلب أهمية إعادة النظر في آليات عمل المؤسسات التمويلية الوطنية، والانتقال إلى أدوات استثمارية أكثر فاعلية تعتمد على الابتكار المالي، وتدعم قدرة الشركات والمشروعات الاستراتيجية على الاستثمار والنمو.
كما يطرح أهمية الاستفادة من أصول الدولة غير المستغلة أو التي لا يُستفاد منها بالشكل الأمثل، وتوجيه الموارد المتاحة نحو الأنشطة الإنتاجية التي تدعم الاقتصاد الحقيقي، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتفتح المجال أمام الشركات الناشئة والمشروعات الواعدة.
ويشير الطلب إلى أن تطوير منظومة التمويل يرتبط أيضًا بتهيئة بيئة تشريعية ومؤسسية حاضنة للاستثمار، وتوفير أدوات تمويل مرنة تتناسب مع طبيعة المشروعات واحتياجاتها، بما يدعم الابتكار التكنولوجي والصناعي ويساعد على توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.
ويبرز هذا الملف أهمية وجود استراتيجية وطنية متكاملة لتمويل البنية الأساسية والتنمية، تقوم على تنويع مصادر التمويل، ورفع كفاءة إدارة الموارد، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، مع ضمان توجيه الاستثمارات إلى الأولويات التنموية.
تكشف الموضوعات المطروحة أمام مجلس الشيوخ عن ترابط واضح بين الملفات الاقتصادية؛ فاستقرار الأسواق يحتاج إلى منظومة فعالة للإمداد والرقابة، والأمن الغذائي يتطلب زيادة الإنتاج وتقليص الفاقد، بينما تعتمد استدامة المشروعات التنموية على كفاءة التمويل وتوجيه الاستثمارات إلى الأنشطة ذات الأولوية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المناقشات أهمية تتجاوز تناول كل ملف بصورة منفصلة، لتفتح المجال أمام تقييم السياسات الحكومية ومدى التنسيق بين الجهات المعنية، وتحديد التحديات التي تعوق تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية.
كما تتيح طلبات المناقشة العامة طرح التساؤلات بشأن مدى فاعلية الأدوات المستخدمة، وسبل تطويرها، والاحتياجات التشريعية والتنفيذية اللازمة لتعزيز كفاءة الأداء، دون الاكتفاء بالإجراءات القائمة أو الخطط المعلنة.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الشيوخ جلسته العامة السادسة يوم الثلاثاء الموافق 27 أكتوبر 2026، في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، لاستكمال نظر بقية الموضوعات المدرجة على جدول أعمال الجلسة السابقة.
وتأتي الجلستان ضمن دور الانعقاد العادي الثاني للفصل التشريعي الثاني، في إطار جدول أعمال يتضمن عددًا من الملفات الاقتصادية والتنموية التي تتصل بصورة مباشرة بأولويات الدولة واحتياجات المواطنين.