محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "أ" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، يُرسخ لـ 8 مبادئ قضائية، بشأن التزوير في قضايا المواريث والتركات، والادعاء بالتزوير ووجوب تمكين الخصم من إثباته وأثر إغفال بحث الدفاع الجوهري، أبرزها في الطعن المقيد برقم 690 لسنة 94 القضائية:
1- وجوب تمكين الخصم من إثبات ادعائه بالتزوير.
2- حرية مدعي التزوير في اختيار وسيلة إثبات ادعائه.
3- عدم إلزام مدعي التزوير بطلب الإحالة إلى التحقيق.
4- قصور الحكم إذا اكتفى بما أثبته الموظف المختص في المحرر.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 690 لسنة 94 القضائية، برئاسة المستشار رمضان السيد عثمان، وعضوية المستشارين علاء الصاوي، وأحمد سيد يوسف، وإيهاب عمر، ومعتز محمود صابر، وبحضور كل من رئيس النيابة أحمد عدلي، وأمانة سر وائل عبد الهادي.
الوقائع.. نزاع قضائى بين الورثة فى تقدير الريع الخاص بالمنزل المورث
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن الطاعنين أقاموا على المطعون ضدهما الدعوى رقم 4403 لسنة 2022 مدني محكمة شبين الكوم الابتدائية بطلب الحكم بندب خبير لتقدير الريع المستحق عن حصتهم في المنزل المبين بالصحيفة وإلزام المطعون ضدهما بسداده اعتبارًا من 1 يناير 2019 حتى تاريخ الفصل في الدعوى، على سند من القول: إنهم يمتلكون هذه الحصة بالميراث، وإذ امتنع المطعون ضدهما عن سداد الريع المستحق عنها رغم سداده عن فترات سابقة، ومن ثم أقاموا الدعوى.
وفى تلك الأثناء - قدم المطعون ضدهما عقد بيع مؤرخ 15 أغسطس 1965، وتوكيلا مؤرخاً 26 سبتمبر 1965، ومحضر تصديق رقم 920 لسنة 1965 فطعن الطاعنون بالتزوير على هذه المستندات، وقضت المحكمة برفض الدعوى بحالتها، بحكم استأنفه الطاعنون أمام محكمة استئناف طنطا " مأمورية شبين الكوم " بالاستئناف رقم 2182 لسنة 56 قضائية، والتي قضت بتاريخ 15 نوفمبر 2023 بتأييد الحكم المستأنف، ثم طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق النقض، وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة – في غرفة مشورة جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها .
الورثة المتضررين يطالبون بندب خبير لتقدير الريع المستحق عن حصتهم في المنزل
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: وحيث إن مما ينعاه الطاعنون على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه؛ وفي بيان ذلك يقولون: إنهم طعنوا بالتزوير على عقد البيع المؤرخ 15 أغسطس 1965 والتوكيل رقم 920/1965 ومحضر التصديق عليه المنسوبين لمورثتهم، وتمسكوا بأن التوكيل تم توثيقه بدون التحقق من شخصية مورثتهم وذلك بشهادة شاهدين على أن الحاضرة هي مورثتهم، إلا أن المحكمة لم تمكنهم من إثبات دفاعهم، وهو ما يعيب الحكم المطعون فيه، ويستوجب نقضه.
الورثة المدعى عليهم يقدمون للمحكمة عقد بيع للمنزل
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: وحيث إن هذا النعي في محله؛ ذلك أن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن الادعاء بالتزوير لا يعدو أن يكون دفاعًا في الدعوى يقع على من تمسك به عبء إثباته بالطريقة التي يراها أوفى بمقصوده وهو ليس ملزما بأن يطلب إثبات ادعائه عن طريق الإحالة للتحقيق، وإنما غاية ما في الأمر أن المشرع قدر أن من شأن تحقيق الادعاء بالتزوير أن يؤخر الفصل في الدعوى فأراد حث المدعي على التعجيل في إثبات صحة ادعائه، فألزمه أن يبين في مذكرة شواهد التزوير ما لديه من أدلة أو أن يطلب تمكينه من صحة ادعائه بالطريقة المناسبة، دون أن يلزمه بدليل بعينه أو يطلب اتخاذ إجراء بعينه لإثبات ادعائه، وأن إغفال الحكم بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بطلانه إذا كان هذا الدفاع جوهريا ومؤثرا في النتيجة التي انتهى إليها.
الورثة المدعيين يطعنون على عقد البيع بالتزوير
وبحسب "المحكمة": لما كان ذلك، وكان الطاعنون قد تمسكوا أمام محكمة الموضوع بالدفاع الوارد بوجه النعي، إلا أن الحكم المطعون فيه أعرض عن تحقيق دفاعهم مع أنه دفاع جوهري من شأنه - لو صح - أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، وقضى بصحة المستندات المطعون عليها بالتزوير المجرد القول بأن الموظف المختص أثبت حضور مورثة الطاعنين وتوقيعها وهو ما لا يواجه دفاع الطاعنين ولا يصلح ردا عليه، فإنه يكون معيبًا بالقصور بما يوجب نقضه على أن يكون مع النقض الإحالة.
لذلك:
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف طنطا " مأمورية شبين الكوم "، وألزمت المطعون ضدهما المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
وفى هذا الشأن – يقول الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي: رسخت محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 690 لسنة 94 قضائية، الصادر بجلسة 9 فبراير 2026 في موضوع الادعاء بالتزوير ووجوب تمكين الخصم من إثباته وأثر إغفال بحث الدفاع الجوهري، وقد استخلصت لكم من الحكم جملة من المبادئ التي رسختها المحكمة على التفصيل التالي:
المبدأ الأول: حقيقة الادعاء بالتزوير وطبيعته في الخصومة القضائية
ويوضح "الديب" في تصريح لـ"برلماني": قررت المحكمة أن الادعاء بالتزوير في حقيقته ليس دعوى مستقلة تنبت في فراغ الخصومة، بل هو دفاع أصيل يتولد في رحم النزاع ويقوم في بنيانه مقام السور الحامي للحق، فالمحرر إذا احتج به خصم على خصمه، كان له أن يدفعه بادعاء التزوير، ليكشف ما قد يعتريه من عيب أو يلابسه من شبهة، وليس التزوير في هذا المقام مجرد لفظ يلقى في ساحة الخصومة، بل هو كالمفتاح الذي يفتح باب التحقيق ويستنهض المحكمة لاستجلاء الحقيقة، ومن ثم فإن عبء إثباته يقع على من تمسك به، إذ من ادعى خلاف الظاهر لزمه البرهان، غير أن هذا العبء لا يعني التضييق عليه في طرق الإثبات، بل يفسح له القانون سبل البيان ليقيم الدليل كما يقيم البناؤون أعمدة البناء، حجرا فوق حجر، حتى يستقيم الصرح ويثبت الأساس. وهكذا يغدو الادعاء بالتزوير أداة من أدوات الدفاع المشروع، يوازن بين قوة المحرر وحق الخصم في نقض حجيته إذا شابها الغش أو اعترتها شبهة التدليس.
المبدأ الثاني: حرية مدعي التزوير في اختيار وسيلة إثبات ادعائه
أوضحت المحكمة أن من يتمسك بالادعاء بالتزوير لا يقيد بسلسلة من الإجراءات الجامدة، ولا يلزم بسلوك طريق واحد من طرق الإثبات، بل يملك أن يختار الوسيلة التي يراها أبلغ في كشف الحقيقة وأوفى بإظهار الحق، فالقانون لا يجعل طرق الإثبات قيودا تكبل الباحث عن الحقيقة، بل يجعلها مفاتيح متعددة لباب واحد، وقد أحسن المشرع حين لم يلزم مدعي التزوير بطريق محدد، لأن التزوير بطبيعته يتخفى في الظلال ويتدثر بستر الخفاء، فلا ينكشف دائما بدليل واحد ولا يثبت بوسيلة بعينها، ومن ثم كان إطلاق وسائل الإثبات في هذا المقام أشبه بفتح النوافذ في دار مظلمة حتى يتسلل إليها ضوء الحقيقة من كل جانب، فإذا استبان للقاضي من الأدلة ما يطمئن إليه وجدانه، استقام الحكم واستنار طريق العدالة، لأن القاضي في نهاية المطاف لا يحكم بنص جامد بل بعقيدة تتكون من تمحيص الأدلة وتدبر القرائن – الكلام لـ"الديب".
المبدأ الثالث: عدم إلزام مدعي التزوير بطلب الإحالة إلى التحقيق
قررت المحكمة أن مدعي التزوير ليس ملزما قانونا بأن يطلب إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات ادعائه، لأن هذا الطريق وإن كان من وسائل الإثبات المقررة، إلا أنه ليس الطريق الوحيد ولا السبيل الحتمي لإقامة الدليل، فالمشرع حين نظم الادعاء بالتزوير إنما قصد إلى تعجيل الفصل في الخصومات لا إلى تقييد الخصوم بقيود شكلية تعوقهم عن إظهار الحق، ومن ثم فإن بيان شواهد التزوير في مذكرة مستقلة يكفي لفتح باب البحث أمام المحكمة، سواء طلب المدعي التحقيق أم لم يطلبه، فالقانون في هذا المقام كالقاضي العادل الذي يفتح أبوابه لكل حجة صادقة، ولا يرد دليلا لمجرد أنه لم يسلك طريقا بعينه، وهكذا يتجلى مقصد المشرع في تحقيق التوازن بين سرعة الفصل في النزاع وصيانة حق الدفاع، حتى لا تتحول الإجراءات إلى أغلال تكبل العدالة أو حواجز تحجب الحقيقة – هكذا يقول "الديب".
المبدأ الرابع: وجوب تمكين الخصم من إثبات ادعائه بالتزوير
أكدت المحكمة أن تمكين الخصم من إثبات ادعائه بالتزوير ليس تفضلا من المحكمة ولا منحة تمنحها متى شاءت وتحجبها متى شاءت، بل هو حق أصيل من حقوق الدفاع، تقوم عليه شرعية القضاء كما يقوم القوس على وتده. فإذا أبدى الخصم شواهد التزوير وكان من شأنها أن تؤثر في مصير النزاع، تعين على المحكمة أن تفتح له باب الإثبات وأن تمكنه من إقامة الدليل بالوسيلة التي يراها مناسبة. لأن العدالة لا تتحقق بإغلاق أبواب التحقيق، بل بانفتاحها على مصاريعها أمام الحجة الصادقة والدليل السليم. فحرمان الخصم من هذا الحق يشبه حجب الضوء عن ميزان العدالة، فلا تستقيم كفتاه ولا يتبين موضع الحق من موضع الباطل. ومن ثم فإن القاضي البصير لا يصادر هذا الحق، بل يهيئ له الطريق حتى تنكشف الحقيقة كاملة غير منقوصة – طبقا للخبير القانوني".
المبدأ الخامس: وجوب بحث الدفاع الجوهري والرد عليه ردا سائغا
استقر قضاء المحكمة على أن الدفاع الجوهري هو ذلك الذي لو صح لتغير به وجه الرأي في الدعوى، ومن ثم فإن إغفال بحثه أو السكوت عنه يعيب الحكم بالقصور ويهدم بنيانه من أساسه، فالحكم القضائي ليس مجرد نتيجة تعلن في ختام الخصومة، بل هو بناء منطقي تتساند فيه الأسباب كما تتساند الأحجار في عقد محكم. فإذا أغفلت المحكمة الرد على دفاع جوهري، كان حكمها كالبناء الذي ارتفعت جدرانه دون أساس راسخ، والعدالة لا تقوم على أساس واهن، ولا يطمئن إليها ضمير القضاء إذا أهمل دفاع قد يقلب موازين النزاع رأسا على عقب، ومن ثم وجب على المحكمة أن تواجه هذا الدفاع مواجهة صريحة، إما بقبوله بعد التحقيق أو برده بأسباب سائغة تقنع العقل وتطمئن إليها النفس.
المبدأ السادس: قصور الحكم إذا اكتفى بما أثبته الموظف المختص في المحرر
قررت المحكمة أن مجرد استناد الحكم إلى ما أثبته الموظف المختص من حضور صاحب الشأن وتوقيعه لا يكفي للرد على دفاع يتناول صحة إجراءات التوثيق ذاتها، فإذا كان الطعن منصبا على أن التوثيق تم دون التحقق من شخصية الموقع، فإن الاكتفاء بعبارة عامة عن إثبات الموظف للحضور لا يعد مواجهة حقيقية لهذا الدفاع، لأن التوثيق في جوهره ليس شكلا فارغا، بل هو إجراء يهدف إلى صيانة الثقة في المحررات الرسمية، فإذا ثار الشك حول سلامة هذا الإجراء وجب على المحكمة أن تمحصه تمحيصا دقيقا، وإلا كان حكمها كمن يكتفي بظاهر المرآة دون أن ينظر إلى ما وراءها، فالعدالة لا تقف عند ظاهر النصوص بل تنفذ إلى روحها، ولا تكتفي بالقشرة بل تبحث عن اللباب.
المبدأ السابع: القصور في التسبيب إذا أعرضت المحكمة عن تحقيق دفاع التزوير
أوضحت المحكمة أن الحكم يكون معيبا بالقصور في التسبيب إذا أعرض عن تحقيق دفاع جوهري متعلق بادعاء التزوير وقضى بصحة المستند المطعون عليه دون تمحيص هذا الادعاء، فالتسبيب هو روح الحكم وعماده، وهو النور الذي يكشف طريق العدالة ويبين وجه الحقيقة، فإذا خلا الحكم من هذا النور أو شابه قصور في بيان أسبابه، كان كالسفينة التي تسير في بحر مظلم بلا بوصلة، ومن ثم فإن إغفال تحقيق الدفاع الجوهري أو الرد عليه برد قاصر يفضي إلى بطلان الحكم، لأن القضاء العادل لا يبنى على الظن العابر بل على التحقيق الراسخ واليقين المطمئن.
المبدأ الثامن: نقض الحكم مع الإحالة ضمانا لتحقيق العدالة
انتهت المحكمة إلى أن القصور الذي شاب الحكم المطعون فيه يوجب نقضه، لأن العدالة لا ترضى بحكم قام على أساس غير مكتمل أو استند إلى أسباب غير كافية، ومن ثم قضت بنقض الحكم المطعون فيه مع إحالة الدعوى إلى محكمة الاستئناف المختصة لنظرها من جديد، فالإحالة في هذا المقام ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي فرصة لإعادة بناء الدعوى على أسس صحيحة وتمكين الخصوم من عرض دفاعهم كاملا غير منقوص، وهكذا تتجلى حكمة القضاء الأعلى في إعادة الميزان إلى اعتداله كلما مال، وتصحيح المسار كلما انحرف، حتى تبقى العدالة قائمة كالجبل الراسخ لا تزعزعها الأخطاء ولا تنال منها العوارض.
الخاتمة
وفى الأخير يقول "الديب": تتكامل هذه المبادئ الثمانية في نسق قضائي بديع يرسم معالم الطريق أمام محاكم الموضوع في كيفية التعامل مع الادعاء بالتزوير، فهي تبدأ بتحديد طبيعته كدفاع في الدعوى، ثم تقرر حرية الخصم في اختيار وسيلة إثباته، وتؤكد عدم إلزامه بطلب التحقيق، ثم تقرر وجوب تمكينه من إقامة الدليل، وبعد ذلك تشدد على ضرورة بحث الدفاع الجوهري والرد عليه ردا سائغا، وتبين قصور الحكم إذا اكتفى بظاهر ما أثبته الموظف المختص دون تمحيص الدفاع، ثم تقرر أن إغفال تحقيق هذا الدفاع يعيب الحكم بالقصور في التسبيب، وتنتهي إلى تقرير النقض مع الإحالة ضمانا لإقامة العدالة على أساس سليم، وهكذا تتساند هذه القواعد كما تتساند حلقات السلسلة المحكمة، كل حلقة تعزز الأخرى، حتى يكتمل البناء القضائي ويستقيم ميزان الشرعية، ويظل القضاء حصنا للحقوق ومنارة للعدل وسيفا على الغش والتدليس.


