جانب من مناقشة الرسالة
>>الأمن القومي ليس عدوًا للاقتصاد الرقمي؛ بل هو أحد شروط بقائه واقترح 5 محاور له
>>البيئة الرقمية تحوّل مفهوم الخطر للأمن القومي من اختراق الحدود إلى تعطيل وظائف الدولة
>>الدولة في العصر الرقمي لا تحرس حدودها البر والبحر والجو فقط؛ بل نشأ إقليم جديد غير مرئي تتدفق خلاله البيانات
قررت لجنة المناقشة والحكم المكونة من السادة الأساتذة الفقهاء: الفقيه الدكتور ممدوح محمد المسلمى، أستاذ ورئيس قسم القانون المدنى بكلية الحقوق جامعة الزقازيق وعميد الكلية السابق مشرفا ورئيسا، والدكتور محمد عبد الرحمن، الأستاذ المتفرغ بقسم القانون المدنى بالكلية عضوا مناقشاً، والفقيه المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى، نائب رئيس مجلس الدولة، ورئيس دائرة الفحص بالمحكمة الإدارية العليا عضوا مناقشا، منح الباحث محروس محمد ليلة درجة الدكتوراه بتقدير "ممتاز" عن رسالته فى موضوع "التعويض عن الأضرار الناجمة عن التعاملات عبر الإنترنت فى القانون المدنى دراسة مقارنة".
ومن داخل قاعة المناقشة العلمية العلنية التى اكتظت بحضور الباحثين والدراسين يذكر الفقيه الدكتور محمد خفاجى: "لم تعد الدولة في العصر الرقمي تحرس حدودها عند البر والبحر والجو فقط؛ فقد نشأ إقليم جديد غير مرئي تتدفق خلاله البيانات، وتُدار فيه الأموال، وتُقدم الخدمات الحكومية، وتُحفظ السجلات الصحية والضريبية والمصرفية، وتعمل من خلاله قطاعات لا تستطيع الدولة أن تسمح بانهيارها".
ويضيف الدكتور محمد خفاجى " هنا تغير مفهوم الأمن القومي ذاته، فإذا كان تهديد الدولة قديمًا يبدأ من اختراق حدودها، فإن الخطر الرقمي قد يبدأ من جهاز موجود في دولة أخرى، ويصيب خادمًا في دولة ثالثة، ويمس بيانات مواطنين مصريين، ويعطل مرفقًا حيويًا داخل مصر، وهنا يظهر السؤال الذي لم يطرحه أحد من الفقهاء: هل ما زالت السيادة في القانون المعاصر مرتبطة بالمكان، أم أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على التحكم في البيانات والأنظمة والوظائف الحيوية للدولة؟".
ويوضح الدكتور محمد خفاجى: "ما أطرحه ليس ترفًا فقهيًا؛ فالدولة المصرية نفسها تتعامل الآن مع السيادة الرقمية باعتبارها قضية استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي، كما ظهر في الخطاب الرسمي خلال 2026، مع التأكيد على حماية البيانات والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، والبيانات أصبحت من عناصر القوة السيادية في الدولة التقليدية فكانت عناصر القوة الأرض ـ السكان ـ الموارد ـ القوات المسلحة ـ الاقتصاد، أما الدولة الرقمية فأضيف إليها عنصر جديد هو البيانات، فالبيانات ليست مجرد معلومات شخصية؛ فقد أصبحت أساسًا لاتخاذ القرار الاقتصادي والأمني والإداري، وأصبحت مراكز البيانات والحوسبة السحابية من شرايين الاقتصاد الرقمي، وقد وصف مسؤولون مصريون في 2026 مراكز البيانات بأنها من أهم شرايين الاقتصاد الرقمي، وربطوا حمايتها مباشرة بالسيادة الرقمية واستمرارية الخدمات الحيوية".
ويشير الفقيه الدكتور محمد خفاجى: "الرأى عندى أنه إذا كانت الدولة قد بسطت سيادتها تاريخيًا على الأرض وما عليها، فإن الدولة الرقمية مطالبة ببسط ولايتها القانونية على البيانات والأنظمة التي يتوقف عليها أمنها واستمرار وظائفها الحيوية، وليس السؤال أين توجد البيانات؟ بل من يملك السيطرة عليها؟ فقد تكون بيانات المصريين محفوظة على خادم خارج مصر، لكن السؤال ليس فقط أين الخادم؟ بل من يملك الخادم؟ من يملك مفاتيح التشفير؟ من يستطيع الوصول إلى البيانات؟ من يستطيع نقلها؟ من يستطيع حذفها؟ أي قانون يحكمها؟ أي قضاء يستطيع الأمر بالإفصاح عنها؟ هل تستطيع الدولة المصرية تنفيذ حكمها عليها؟ وإذا تعارض القانون المصري مع قانون الدولة التي يوجد فيها الخادم، فأيهما ينتصر؟".
ويؤكد الدكتور محمد خفاجى: "إنني أصوغ مفهومًا فقهيًا بالغ القوة "السيادة على الوظيفة الرقمية لا على الموقع المادي للبيانات" أي أن السيادة الحديثة لا ينبغي أن تقاس فقط بمكان وجود البيانات، وإنما بمدى قدرة الدولة على ممارسة ولايتها القانونية والفعلية على الوظائف التي تُجرى عليها، وهذه أعمق بكثير من مجرد "توطين البيانات".
ويوضح الدكتور محمد خفاجى نقطة جوهرية: " الأمن القومي لم يعد حماية الأسرار فقط وهذه نقطة يتعين الانتباه إليها، فالأمن القومي الرقمي لا يحمي فقط المعلومات السرية. بل يحمي استمرارية الدولة، وماذا لو تعطلت شبكة الكهرباء؟ نظم المياه؟ المستشفيات؟ المدفوعات الإلكترونية؟ البنوك؟ الموانئ؟ المطارات؟ الضرائب؟ التأمين الصحي؟ السجل العقاري؟ خدمات الجوازات؟ الاتصالات؟ إذن أصبح الأمن القومي يعني أيضًا "القدرة على استمرار الوظائف الحيوية للدولة في مواجهة الصدمة الرقمية"، وهذا يتفق مع التطور المصري في مفهوم الأمن السيبراني؛ فالاستراتيجية الوطنية لا تقف عند منع الاختراق، وإنما تستهدف حماية البنية التحتية الرقمية ورفع الجاهزية والاستجابة واستمرارية الخدمات".
ويطرح الدكتور محمد خفاجى سؤالا خطيرًا بقوله: "هل تستطيع الدولة أن تفقد سيادتها دون أن تفقد شبرًا من أرضها؟ قد تبقى الحدود المصرية كما هي، وتظل الدولة صاحبة إقليمها كاملًا، ولكن إذا أصبحت بياناتها الاستراتيجية، وخدماتها الحيوية، وحوسبتها السحابية، وتقنياتها الأساسية تحت سيطرة خارجية لا تستطيع الدولة التحكم فيها، فإنها قد تواجه تبعية رقمية دون احتلال إقليمها".
ويضيف: "من هنا يظهر مفهوم جديد: «الاستقلال الرقمي للدولة» وهو ليس الانغلاق عن العالم، وإنما قدرة الدولة على ألا تصبح قدرتها على إدارة وظائفها الحيوية مرهونة بإرادة فاعل خارجي. وهذا هو المعنى الذي بدأت مصر تضعه صراحة داخل مفهوم السيادة الرقمية، مع التوجه إلى مراكز البيانات والحوسبة السحابية وتعزيز استضافة البيانات الحكومية داخل الدولة".
ويستطرد الدكتور محمد خفاجى: "الأمن القومي ليس خصمًا للتجارة الإلكترونية وهذه نقطة شديدة الأهمية فلا ينبغي القول بأن الأمن القومي يقيد التعامل الإلكتروني، بل الأدق الأمن القومي هو أحد شروط البيئة التي تجعل التعامل الإلكتروني قابلاً للثقة والاستمرار، فالتاجر لن يستثمر في دولة لا تستطيع حماية بياناته، والمستهلك لن يثق في منصة لا تحمي معلوماته، والبنك لن يعمل في بيئة يمكن اختراقها، والدولة نفسها لا تستطيع رقمنة خدماتها إذا لم تضمن سلامة بنيتها الرقمية، إذن الأمن القومي ليس عدوًا للاقتصاد الرقمي؛ بل هو أحد شروط بقائه".
ويؤكد الدكتور محمد خفاجى: "مصر ليست مجرد مثال؛ مصر حالة استراتيجية خاصة، وهذه ضرورة أرى أن يتعلمها الباحثون، مصر ليست دولة رقمية عادية من الناحية الجغرافية والاستراتيجية؛ فهي تقع في نقطة شديدة الأهمية لحركة الاتصالات العالمية، وقد أشارت وزارة الخارجية المصرية في 2026 إلى مرور نسبة كبيرة من حركة الألياف الضوئية العالمية عبر موقعها الجغرافي، وهذا يجعل موضوع: الكابلات البحرية ـ مراكز البيانات ـ الحوسبة السحابية ـ الاتصالات ـ البيانات العابرة للحدود ليس مجرد موضوع اقتصادي، بل يمكن أن يدخل في صلب الأمن القومي المصري، وهنا نتساءل هل البنية التحتية الرقمية العابرة للحدود أصبحت من عناصر القوة الاستراتيجية للدولة، مثل الموانئ والمطارات وشبكات النقل؟ وقد بدأ الخطاب المصري الرسمي بالفعل في تشبيه مراكز البيانات بشرايين الاقتصاد الرقمي".
ويذكر أيضًا: "الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة ثانية من السيادة الرقمية وهذه نقطة مستجدة، ولم يعد الأمر متعلقًا فقط بمن يملك البيانات، والسؤال الجديد من يملك القدرة على تحويل البيانات إلى قرار؟ فإذا كانت البيانات مصرية، ولكن نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعالجها وتستنتج منها وتوجه القرارات الحيوية مملوكة بالكامل لجهة خارجية، تظهر صورة جديدة من التبعية، إذن السيادة الرقمية في المستقبل ستتكون من سيادة على البيانات وسيادة على البنية التحتية وسيادة على الحوسبة وسيادة على الخوارزميات وسيادة على الأمن السيبراني وقدرة بشرية وطنية، وهذا ليس بعيدًا عن الاتجاه المصري الحالي؛ فقد ارتبط في الخطاب الرسمي الحديث الأمن الرقمي بالذكاء الاصطناعي وحماية البيانات والسيادة على المعلومات".
ويوضح الدكتور محمد خفاجى: "حتى التوقيع الإلكتروني له بعد أمني سيادي، فالتوقيع الإلكتروني ليس مجرد وسيلة لإثبات رضا المتعاقد، تخيل أن منظومة الهوية الرقمية التي تتحقق من شخصية ملايين المواطنين تخضع لتقنية أو بنية تحتية خارج السيطرة الوطنية، هنا لا نتحدث فقط عن صحة توقيع. بل عن من يملك مفاتيح الثقة الرقمية للدولة؟ وهذا يفتح بابًا فقهيًا شديد الأهمية هو هل يمكن أن تكون الثقة الإلكترونية ذاتها مرفقًا من مرافق السيادة؟".
ويطرح الفقيه القاضى عدة أسئلة: " إذا كان العقد الإلكتروني بين مصري وشركة أجنبية ومنصة أجنبية وخادم خارج مصر وبيانات مصرية ودفع عبر بنك في دولة أخرى، فأين تقع السيادة؟ هل في مكان المتعاقد؟ أم مكان الخادم؟ أم مكان الشركة؟ أم مكان معالجة البيانات؟ أم مكان الضرر؟ أم مكان تنفيذ الالتزام؟ أم تستطيع الدولة المصرية أن تتمسك باختصاصها متى تعلق الأمر بمصلحة وطنية محمية؟ هنا يبدأ الفقه الحقيقي للتعاملات الإلكترونية".
ويقترح الدكتور محمد خفاجى معالجة خمسة محاور فيقول: "تحت فكرة الأمن القومي والسيادة الرقمية للدولة من حماية الإقليم إلى حماية البيانات والبنية التحتية والقرار الوطني، أقترح معالجة خمسة محاور فقط، ولكن بعمق:
1 ـ الأمن القومي في البيئة الرقمية، تحوّل مفهوم الخطر من اختراق الحدود إلى تعطيل وظائف الدولة.
2 ـ السيادة على البيانات من توطين البيانات إلى الولاية القانونية عليها.
3 ـ حماية البنية التحتية الرقمية الحيوية مراكز البيانات، الاتصالات، الحوسبة السحابية والخدمات الحكومية.
4 ـ الاستقلال الرقمي, مخاطر التبعية التقنية والخوارزمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
5 ـ حدود سلطة الدولة، الأمن القومي بين مقتضيات الحماية ومبادئ الضرورة والتناسب والرقابة القضائية".
ويختتم الفقيه المصرى الدكتور محمد خفاجى مناقشته للباحث بقوله: هنا فقط يصبح عنوان: "القيود المتعلقة بالسيادة الوطنية والأمن القومي"، جديرًا بأن يوجد في رسالة دكتوراه في القانون المدني؛ لأنه سيبين أن العقد الإلكتروني لم يعد يعيش في فراغ خاص بين متعاقدين، بل يعيش داخل بيئة سيادية رقمية تحكمها اعتبارات النظام العام والأمن القومي والاختصاص والبيانات والبنية التحتية".