الأحد، 20 سبتمبر 2026 12:10 ص

حرب الأكاذيب على مصر.. ماكينة التضليل تستهدف عقل المواطن والأمن القومي.. وتستغل الأزمات لتزييف الحقائق وصناعة الخوف وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.. وتعمل على ضرب الجبهة الداخلية بالشائعات والمحتوى المفبرك

حرب الأكاذيب على مصر.. ماكينة التضليل تستهدف عقل المواطن والأمن القومي.. وتستغل الأزمات لتزييف الحقائق وصناعة الخوف وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.. وتعمل على ضرب الجبهة الداخلية بالشائعات والمحتوى المفبرك أرشيفية
السبت، 19 سبتمبر 2026 11:08 م
كتبت إسراء بدر
تتحول المعلومة في زمن الأزمات إلى سلاح لا يقل تأثيرا عن أي أدوات أخرى للصراع، فالكذبة التي تجد طريقها إلى ملايين الهواتف خلال دقائق يمكن أن تصنع حالة من الخوف والارتباك قبل أن تصل الحقيقة إلى الجمهور، بينما تستطيع صورة قديمة أو مقطع مجتزأ أو رواية مجهولة المصدر أن تعيد تشكيل فهم حدث كامل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الأمن القومي أو الأوضاع الداخلية للدولة.
 
وفي هذا المشهد، أصبحت الدولة المصرية أمام معركة مختلفة في أدواتها، لا تستهدف الحدود أو المؤسسات بصورة مباشرة، وإنما تحاول النفاذ إلى الوعي العام عبر الشائعة والتضليل وتزييف الحقائق، واستغلال أي أزمة أو تطور إقليمي لصناعة رواية موازية تضع المواطن أمام سيل من المعلومات المتضاربة.
 
المواجهة هنا لا تتعلق بخبر كاذب وحسب، وإنما بمعركة على الثقة فكلما نجحت ماكينة التضليل في إرباك المواطن وإغراقه بالمعلومات غير الدقيقة، أصبحت الحقيقة نفسها أكثر صعوبة في الوصول إلى الجمهور.
 

الشائعة.. طلقة تستهدف الوعي قبل الحقيقة

الخطورة في الشائعة لا تتوقف عند كونها معلومة غير صحيحة، وإنما في قدرتها على الانتشار والتأثير قبل التحقق منها. ومع اتساع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، أصبح إنتاج المحتوى وتداوله أسرع بكثير من قدرة الجمهور على التحقق من مصدره وسياقه.
 
وتزداد خطورة الأمر عندما تكون الشائعة مرتبطة بالأمن أو الاقتصاد أو العلاقات الخارجية أو الأوضاع الإقليمية، لأن تداول معلومة غير دقيقة في هذه الملفات يمكن أن يخلق انطباعات ومخاوف لا تستند إلى وقائع حقيقية.
 
ولهذا لم يعد التعامل مع الأخبار المضللة مسألة إعلامية فقط، وإنما أصبح جزءا من إدارة الوعي العام وحماية المجتمع من آثار المعلومات الكاذبة.
 

الدولة تواجه الفراغ المعلوماتي قبل أن يتحول إلى فوضى

أحد أخطر العوامل التي تمنح الشائعة فرصة للانتشار هو غياب المعلومة الموثوقة في اللحظة المناسبة، إذ يفتح الفراغ أمام مصادر مجهولة لتقديم رواياتها وتفسير الأحداث وفقا لما تريد إيصاله إلى الجمهور.
 
ومن هنا تكتسب البيانات الرسمية أهمية خاصة، لأنها تقدم مصدرا واضحا للمعلومة في الملفات التي تتطلب دقة وحساسية، كما أن سرعة إصدار التوضيح تساعد في منع الرواية غير الصحيحة من الاستقرار باعتبارها حقيقة.
 
وتعتمد الدولة المصرية ومؤسساتها المختلفة على آليات لرصد ما يثار في وسائل الإعلام ومواقع التواصل والتعامل مع المعلومات غير الدقيقة، وهي آليات تعكس انتقال مواجهة الشائعة من رد فعل متأخر إلى متابعة مستمرة لما يتداول في المجال العام.

الأمن القومي.. الملف الأكثر حساسية أمام التضليل

 

تزداد خطورة حملات التضليل عندما تنتقل من الشأن الخدمي أو الاقتصادي إلى الملفات المرتبطة بالأمن القومي.
 
فالمعلومة الكاذبة بشأن الحدود أو التطورات الإقليمية أو التحركات العسكرية أو العلاقات المصرية مع الدول الأخرى لا تؤثر فقط في فهم المواطن للحدث، وإنما يمكن أن تستهدف شعوره بالأمان وتدفعه إلى تبني روايات لا تستند إلى معلومات موثقة.

ماكينة التضليل لا تبحث عن الحقيقة.. وإنما عن التأثير

 

الهدف من بعض حملات التضليل لا يكون دائما إقناع الجمهور برواية واحدة، وإنما دفعه إلى الشك في كل الروايات.
 
وهذه النقطة تحديدا تمثل أخطر مراحل المعركة، لأن المواطن الذي يفقد قدرته على التمييز بين المصدر الموثوق والمصدر المجهول يصبح أكثر عرضة لأي محتوى مثير، حتى لو كان بلا دليل.
 
وتتحول المعركة في هذه الحالة من «هل الخبر صحيح؟» إلى «هل يمكن الوثوق بأي خبر؟»، وهي مساحة خطيرة تسمح بتوسيع دائرة الشك وإضعاف قدرة المجتمع على التحقق واتخاذ موقف مبني على معلومات حقيقية.

من الصورة المفبركة إلى الفيديو المجتزأ

 

تطور أدوات صناعة المحتوى ضاعف من صعوبة المعركة، فلم تعد الأكاذيب تعتمد فقط على نص مكتوب يمكن اكتشافه بسهولة.
 
صورة قديمة يمكن تقديمها على أنها من حدث جديد، وفيديو حقيقي يمكن اقتطاع جزء منه وإخراجه من سياقه، وتصريح صحيح يمكن وضعه في عنوان يوحي بمعنى مختلف، كما أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانات أكبر في إنتاج محتوى يصعب على المتلقي العادي اكتشاف تزييفه من النظرة الأولى.
 
 

الأزمات الإقليمية.. وقود جاهز لحرب المعلومات

 

ومع اضطراب الإقليم وتشابك الملفات السياسية والأمنية، تجد حملات التضليل مساحة واسعة لاستغلال الأحداث وإعادة تفسيرها وفقا لأهداف أصحابها.
 
كل تطور إقليمي يمكن أن يتحول إلى مادة لعشرات الروايات المتضاربة، وكل تصريح يمكن اجتزاؤه من سياقه، وكل صورة يمكن إعادة تدويرها لإثبات واقعة لم تحدث.
 
ولهذا يصبح الوعي بالمصدر والتوقيت والسياق ضرورة، خصوصا في القضايا التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري.

المواطن شريك في حماية الحقيقة

 

المواجهة الحقيقية لا يمكن أن تقع على عاتق مؤسسات الدولة وحدها، لأن المواطن أصبح جزءا من دورة إنتاج وتوزيع المعلومات.
 
ضغطة واحدة على زر المشاركة قد تنقل خبرا كاذبا إلى مئات الأشخاص، ثم يعاد نشره مرة أخرى حتى يصبح الانتشار نفسه دليلا زائفا على صحة المعلومة.
 
ومن هنا فإن بناء الوعي الإعلامي لا يعني منع المواطن من التفاعل مع الأحداث، وإنما منحه القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وبين المصدر المعروف والحساب المجهول، وبين الصورة التي توثق واقعة والصورة التي تستخدم لخدمة رواية مصطنعة.

المعركة الحقيقية على وعي المصريين

 

أخطر ما في حرب الأكاذيب أنها لا تستهدف خبرا بعينه، وإنما تستهدف قدرة المواطن على معرفة الحقيقة.
 
وحين يصبح التشكيك هدفا في حد ذاته، تتحول كل أزمة إلى فرصة لصناعة روايات متضاربة، وكل حدث إلى مساحة مفتوحة للتأويل، وكل معلومة إلى مادة قابلة للتلاعب.
 
لذلك فإن حماية الأمن القومي في عصر المعلومات لا تتوقف عند حماية الأرض والمؤسسات، وإنما تمتد إلى حماية الوعي من التزييف، ومواجهة المحتوى المفبرك بالمعلومة الدقيقة، ومحاصرة الشائعة قبل أن تتحول إلى قناعة عامة.
 
فالمعركة لم تعد فقط على ما يراه المواطن، وإنما على الطريقة التي يفهم بها ما يراه؛ وكلما كانت الحقيقة حاضرة بالمعلومة الموثقة والإعلام المهني والوعي القادر على التحقق، ضاقت المساحة أمام ماكينة الأكاذيب التي تراهن على الخوف والارتباك وزعزعة الثقة.

print