200 يوم من الحرب على إيران
والصين: سندافع عن حقوق طهران المشروعة
بعد 200 يوم على اندلاع الحرب مع إيران، لا تزال الولايات المتحدة تبحث عن طريق للخروج من مواجهة بدأت بضربات عسكرية واسعة استهدفت البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية، قبل أن تتحول إلى صراع طويل امتد إلى مضيق هرمز وطرق التجارة والطاقة، واستنزف عشرات المليارات من الدولارات وكميات كبيرة من مخزونات الذخيرة الأمريكية.
وبينما تتحدث إدارة الرئيس دونالد ترامب عن دخول الحرب مرحلة مختلفة خلال شهرين، وتراهن على زيادة حركة الملاحة عبر هرمز ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية، تتزايد الضغوط داخل واشنطن لإنهاء الصراع، مع تصويت مجلس النواب للمرة الثالثة لصالح قرار يحد من قدرة الرئيس على مواصلة العمليات العسكرية دون موافقة الكونجرس.
وفي الخارج، دخلت الصين على خط التحركات الدبلوماسية بصورة أكثر وضوحاً، مؤكدة دعم «الحقوق والمصالح المشروعة» لإيران، وفي الوقت نفسه مطالبة واشنطن وطهران بالعودة إلى المفاوضات ومنع انتقال التصعيد إلى اليمن والبحر الأحمر.
الكونجرس يصوت للمرة الثالثة لإنهاء الحرب
في أحدث مؤشر على تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن استمرار العمليات، صوت مجلس النواب الأمريكي مساء الثلاثاء 15 سبتمبر لصالح قرار بموجب قانون صلاحيات الحرب يهدف إلى تقييد قدرة ترامب على مواصلة العمل العسكري ضد إيران دون موافقة الكونجرس.
وجاء التصويت بواقع 220 صوتاً مقابل 204، مع انضمام سبعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في تأييد القرار، في ثالث تحرك من نوعه منذ اندلاع الحرب.
ورغم أن القرارات السابقة لم تصل إلى مكتب الرئيس، وأن ترامب من المتوقع أن يستخدم حق النقض إذا وصل إليه القرار، فإن تكرار التصويت يكشف عن استمرار الانقسام داخل المؤسسة التشريعية بشأن طول أمد الحرب وحدود الصلاحيات العسكرية للرئيس.
وقال النائب الديمقراطي سيث مولتون، الذي خدم في مشاة البحرية الأمريكية خلال حرب العراق وكان من أبرز الداعين للقرار، إن ترامب سبق أن تحدث عن حرب تستمر لأسابيع، مطالباً الكونجرس بممارسة دوره الدستوري وطرح أسئلة أكثر صعوبة بشأن استمرارها.
38 مليار دولار.. فاتورة الحرب ترتفع شهرياً
يتزامن التصويت مع صدور أرقام جديدة تعكس حجم الكلفة التي تحملتها الولايات المتحدة منذ بداية العمليات في 28 فبراير.
فقد كشف مكتب الميزانية في الكونجرس، وهو هيئة غير حزبية، أن العمليات العسكرية ضد إيران كلفت وزارة الدفاع الأمريكية نحو 38.1 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، مع توقعات بإضافة ما بين ملياري وثلاثة مليارات دولار عن كل شهر إضافي تستمر فيه المواجهة، وفق مستوى العمليات العسكرية.
وتشمل الفاتورة زيادة ساعات الطيران واستهلاك الوقود واستبدال المعدات التي فقدت خلال القتال، إضافة إلى الكلفة الضخمة لتعويض الذخائر المستخدمة.
وبحسب تقديرات مكتب الميزانية، تمثل الذخائر المستهلكة الجانب الأكبر من الكلفة، إذ تقدر تكلفة استبدالها بنحو 21.7 مليار دولار، بينها 13.1 مليار دولار لصواريخ الاعتراض وحدها، فضلاً عن 7.3 مليار دولار لصواريخ كروز المخصصة لمهاجمة أهداف برية.
كما قدرت تكلفة زيادة ساعات الطيران بنحو 10.4 مليار دولار، والوقود بنحو 2.7 مليار دولار، والمعدات المفقودة في المعارك بنحو 1.9 مليار دولار.
استنزاف الصواريخ يفتح جبهة القلق من الصين
لكن الكلفة المالية ليست مصدر القلق الوحيد بالنسبة إلى واشنطن، فقد حذر تقرير مكتب الميزانية من أن استنزاف صواريخ الدفاع الجوي يمثل واحدة من أخطر النتائج الاستراتيجية للحرب، لأن إعادة بناء بعض المخزونات قد تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل، حتى مع الجهود الأمريكية الحالية لتسريع الإنتاج.
وبحسب التقرير، استخدمت الولايات المتحدة ما بين نصف وثلثي مخزون بعض أنواع صواريخ الاعتراض منذ يونيو 2025، نتيجة العمليات العسكرية المتعاقبة.
ويثير ذلك مخاوف تتجاوز إيران نفسها، إذ حذر التقرير من أن انخفاض مخزون الصواريخ لعدة سنوات يمكن أن يمثل مشكلة خطيرة إذا اندلعت مواجهة مع دولة تمتلك أعداداً كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وعلى رأسها الصين.
وهكذا، بعد 200 يوم، أصبحت حسابات الحرب لا ترتبط فقط بما يحدث في إيران والخليج، وإنما أيضاً بمدى قدرة الجيش الأمريكي على الاحتفاظ بما يكفي من الذخائر للتعامل مع أزمات محتملة في مناطق أخرى.
فانس: الحرب ستدخل «مرحلة مختلفة تماماً» خلال شهرين
في المقابل، تحاول إدارة ترامب رسم صورة مختلفة للمرحلة المقبلة، وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الحرب مع إيران ستدخل مرحلة مختلفة تماماً خلال شهرين»، متفقاً مع تقدير ترامب بأن الصراع يمكن أن ينتهي مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
وفي مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» على متن طائرة نائب الرئيس «إير فورس تو»، أقر فانس بوجود حالة من نفاد الصبر بين الأمريكيين، لكنه قال إن الولايات المتحدة لا تنفذ حالياً عمليات هجومية واسعة.
وأضاف أن ما يحدث في المرحلة الراهنة يتمثل في إطلاق القوات الإيرانية النار بصورة متقطعة على السفن التجارية، مع استمرار الجهود الأمريكية لتقليص قدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز.
وقسم فانس الحرب إلى مرحلتين، معتبراً أن «المرحلة الأولى انتهت»، وأنها استهدفت البرنامج النووي الإيراني والقوات التقليدية وقدرة طهران على استعراض القوة إقليمياً، أما المرحلة الثانية، بحسب نائب الرئيس، فتركز على منع إيران من إعادة بناء قدراتها والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقرار العالمي في أعقاب العمليات العسكرية.
هرمز بعد 200 يوم.. الطريق لم يعد إلى طبيعته
يبقى مضيق هرمز أحد أهم المؤشرات على مدى نجاح الاستراتيجية الأمريكية، وقال فانس إن حركة الملاحة عادت إلى أكثر من 50% من مستواها الطبيعي، وإن إيران تفقد تدريجياً قدرتها على السيطرة على الممر، بعدما عملت قوات أمريكية خلال الأشهر الأربعة الماضية على إزالة الألغام من أجزاء واسعة منه.
لكن بيانات حركة السفن التي أوردتها نيويورك بوست ترسم صورة أكثر تعقيداً؛ إذ عبرت 11 سفينة تجارية فقط المضيق خلال فترة 24 ساعة رصدها التقرير، مقارنة بمتوسط يقارب 130 سفينة يومياً قبل الحرب، كما ذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة نفذت على مدى أشهر عمليات مرافقة سرية لناقلات نفط تجارية، مع إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال لتقليل احتمالات تعرضها للهجمات الإيرانية.
الصين تدخل على الخط: ندعم حقوق إيران ولا نريد توسيع الحرب
وبعد 200 يوم من القتال، تتحرك الصين بصورة متزايدة دبلوماسياً في محاولة لمنع اتساع الصراع، وأكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين، أن الصين وإيران ترتبطان بـ«شراكة استراتيجية شاملة»، وأن بكين مستعدة لتعزيز الحوار والتعاون مع طهران والدفاع عن «حقوق ومصالح إيران المشروعة».
لكن الدعم الصيني تزامن مع دعوة واضحة إلى منع التصعيد، وقال وانغ إن بكين لا تريد رؤية مزيد من التوتر الإقليمي أو امتداد المواجهة إلى اليمن والبحر الأحمر، مطالباً واشنطن وطهران بالدخول في مشاورات جادة بشأن الملفات المتبقية وإعادة بناء إطار المفاوضات على أساس التفاهمات السابقة.
وبذلك تحاول بكين الجمع بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران وبين منع حرب ممتدة تهدد الملاحة والطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
وهكذا تدخل الحرب يومها الـ200 من دون نهاية محسومة، واشنطن تقول إن مرحلة من الصراع انتهت وإن أخرى بدأت، والكونجرس يحاول للمرة الثالثة كبح العمليات العسكرية، والكلفة تجاوزت 38 مليار دولار، ومخزونات حيوية من الذخيرة تحتاج سنوات لإعادة بنائها، فيما لا يزال أحد أهم الممرات النفطية في العالم يعمل بأقل من قدرته الطبيعية.
وبين وعود ترامب بأن النهاية تقترب، وتحذيرات الكونجرس من كلفة حرب مفتوحة، ومساعي الصين لإعادة الطرفين إلى التفاوض، قد تكون الأسابيع الفاصلة عن انتخابات نوفمبر هي الأكثر حسماً منذ انطلاق الحرب في 28 فبراير.