الرئيس الأمريكيى دونالد ترامب
بينما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اقتراب نهاية الحرب مع إيران، ويؤكد أن طهران لا تتوقف عن الاتصال بحثاً عن اتفاق، تكشف التطورات على الأرض عن صورة أكثر تعقيداً، اجتماع إقليمي بشأن أمن مضيق هرمز تأجل في اللحظات الأخيرة، وهجمات السفن لم تتوقف، وطهران تتمسك بأنها "لن تستسلم أبداً"، فيما تعزز الولايات المتحدة مخزوناتها من الصواريخ والأسلحة المتطورة بعد أشهر من الاستنزاف العسكري.
لكن ترامب ذهب هذه المرة إلى أبعد من الحديث عن موعد انتهاء الحرب، عندما طرح احتمال استمرار الوجود الأمريكي داخل إيران حتى بعد توقف القتال، قائلاً إن الولايات المتحدة قد تقرر البقاء والاحتفاظ بالنفط، ومشبهاً السيناريو بما فعلته واشنطن في فنزويلا.
وبين الحديث عن اتفاق قريب والاستعداد لبقاء أمريكي أطول، يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات تعقيداً في طريق أي تسوية، خصوصاً مع محاولة إيران تثبيت دور أكبر في إدارة الممر الذي كان يعبر منه نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب.
ترامب: قد نبقى في إيران ونحتفظ بالنفط
وقال ترامب، خلال زيارة إلى أيرلندا الأحد، إنه لا يزال يتوقع انتهاء الحرب مع إيران خلال العام الجاري، مرجحاً أن يحدث ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر أو بعدها بقليل، وقال للصحفيين خلال حضوره بطولة أيرلندا المفتوحة للغولف إن الحرب "ستنتهي بعد الانتخابات مباشرة، وربما قبلها"، متوقعاً أن يؤدي ذلك إلى انخفاض كبير في أسعار البنزين.
لكن الرئيس الأمريكي طرح في الوقت نفسه سيناريو مختلفاً لمرحلة ما بعد الحرب، يتعلق بمستقبل الوجود الأمريكي في إيران والسيطرة على مواردها النفطية، وقال: "سنخرج في نهاية المطاف، إلا إذا قررنا البقاء والاحتفاظ بالنفط مثل فنزويلا"، مشيراً إلى أن العائدات الأمريكية من فنزويلا، وفق قوله، "سددت ثمن الحرب مرات عديدة".
وتأتي تصريحات ترامب بينما تعاني أسواق الطاقة من اضطرابات مرتبطة بالحرب، وسط مخاوف من ارتفاع جديد في أسعار النفط بعد هجوم استهدف خط أنابيب في السعودية.
ورغم استمرار العمليات العسكرية، تحدث ترامب عن رغبة إيرانية قوية في الوصول إلى اتفاق، وقال الرئيس الأمريكي إن الإيرانيين يتصلون باستمرار، مضيفاً: "إيران ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق"، لكنه اشترط أن يكون ما وصفه بـالاتفاق المناسب، مؤكداً أنه لن يقبل باتفاق لا يلبي شروط واشنطن.
وتعكس هذه التصريحات حالة متناقضة تحيط بمستقبل الحرب، فالبيت الأبيض يتحدث عن إمكانية الوصول إلى نهايتها خلال أسابيع أو أشهر، بينما لم تظهر حتى الآن تسوية قادرة على معالجة الملفات التي فجرت الصراع، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز والترتيبات الأمنية الإقليمية.
فالممر البحري الذي كان مفتوحاً أمام سفن مختلف الدول قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، تحول إلى إحدى ساحات المواجهة الرئيسية بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران ورد طهران بهجمات في المنطقة وفرضها حصاراً على المضيق.
وتسعى إيران إلى إضفاء طابع رسمي على سيطرتها على حركة العبور، بما يشمل إمكانية فرض رسوم على السفن، فيما تجري محادثات مع سلطنة عُمان التي تمتد مياهها الإقليمية أيضاً إلى أجزاء من المضيق، وتزداد حساسية الملف بسبب أهمية هرمز لأسواق الطاقة العالمية، ما يجعل الاتفاق على نظام الملاحة والأمن فيه جزءاً أساسياً من أي محاولة لإنهاء الحرب وليس مجرد ملف بحري منفصل.
بزشكيان: إيران لن تستسلم أبداً
وفي الوقت الذي تحدث فيه ترامب عن الاتصالات الإيرانية للوصول إلى اتفاق، اختار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توجيه رسالة مختلفة، حيث قال عبر حسابه على منصة "إكس"، :"إذا كان الأمريكيون مقاتلين فليواجهوا قواتنا المسلحة الباسلة".
وانتقد استهداف البنية التحتية المدنية والموارد الغذائية وسبل معيشة الإيرانيين، متسائلاً عن مبررات حرمان الشعوب من الوصول إلى الماء والغذاء والدواء، واختتم رسالته بالتأكيد على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لن تدفع الإيرانيين إلى التراجع، قائلاً: "إيران لن تستسلم أبداً".
وتكشف المسافة بين تصريحات ترامب وبزشكيان عن الفجوة التي لا تزال قائمة بين الطرفين؛ فواشنطن تقدم الضغط العسكري والاقتصادي باعتباره وسيلة لإجبار طهران على قبول اتفاق، بينما تحاول القيادة الإيرانية إظهار أن الذهاب إلى المفاوضات لن يكون نتيجة استسلام أمام هذا الضغط.
أمريكا تعيد ملء مخازن السلاح
وفي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن نهاية قريبة للحرب، تتحرك واشنطن أيضاً للاستعداد لاحتمال استمرارها، وقال الرئيس الأمريكي الأحد إن بلاده تزيد مخزوناتها من الأسلحة بسرعة كبيرة، رداً على التقارير التي تحدثت عن استنزاف الذخائر خلال الحرب.
وقال ترامب على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان" إن الولايات المتحدة تمتلك مخزوناً ضخماً من أنواع معينة من الأسلحة، وإن الإنتاج يجري تسريعه بصورة كبيرة، خصوصاً للأسلحة المتطورة.
وكانت شبكة «CNN» قد ذكرت في يوليو أن مخزونات الجيش الأمريكي من بعض الأسلحة، بما فيها صواريخ الدفاع الجوي، شهدت استنزافاً حاداً مع تصاعد الحرب. وفي أغسطس، أفادت الشبكة بأن الجيش استخدم نحو 80% من صواريخ الاعتراض الخاصة بإحدى منظومات الدفاع الصاروخي الرئيسية، وأن قادة عسكريين حذروا من انخفاض المخزونات إلى مستويات خطيرة.
لكن ترامب رفض هذه التقارير، مؤكداً أن إنتاج صواريخ «باتريوت» وصل إلى مستويات غير مسبوقة، وأن مصانع جديدة يجري تجهيزها لإنتاج «باتريوت» و«توماهوك» وأنواع أخرى من الذخائر.
وتبدو الصورة في النهاية محكومة بتناقض واضح. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قبل انتخابات نوفمبر أو بعدها بقليل، ويتحدث عن رغبة إيران في الاتفاق، لكنه في الوقت نفسه يطرح احتمال بقاء أمريكي داخل إيران و«الاحتفاظ بالنفط»، بينما تسرع واشنطن إنتاج الأسلحة التي استنزفتها شهور القتال.
وفي المقابل، تعلن طهران أنها لن تستسلم، لذلك، قد لا يكون السؤال الآن ما إذا كان الطرفان يريدان إنهاء الحرب، فكلاهما يملك أسباباً تدفعه إلى البحث عن مخرج، وإنما ما إذا كانا قادرين على الاتفاق على شكل النهاية نفسها.