محكمة النقض - أرشيفية
خلال الفترة الماضية صدرت عدة أحكام قضائية من محكمة النقض بشأن "العقود المركبة"، أبرزها الطعن المقيد برقم الطعن رقم 15073 لسنة 92 قضائية، ما حسم الجدل بخصوص "العقود المركبة" أو "العقود المختلطة"، وتأخير تسليم الوحدات العقارية، حيث رسخت خلاله لمبدأ قضائياً قالت فيه: "تأخير الشركات العقارية في تسليم الوحدات التجارية أو الاستثمارية يوجب التعويض عن فترة الحرمان من الانتفاع، ولا تُعفى الشركة من المسؤولية العقدية بحجة أنها "لم تستغل الوحدة أو لم تقبض مقابل إيجارها من الغير".
الخلاصة:
إخلال البائع بالتزامه بتسليم العين المبيعة في الموعد المحدد بالعقد يوجب مسؤوليته العقدية عن تعويض المشتري عما حرم منه من ثمار ونماء العين، ولا يقدح في ذلك عدم قيام البائع (الذي له حق الإدارة) بتأجير العين فعلياً للغير، إذ أن مناط التعويض هو حرمان المشتري من الانتفاع بسبب التأخير المنسوب للبائع دون سبب أجنبي.
.jpg)
"العقود المركبة أو المختلطة".. كلمة السر أحيانا في التعامل مع "شركات التطوير العقاري"
من جانبه - يقول شيبة الحمد العيلى، الخبير القانونى والمحامى بالنقض، أن الحكم الصادر من محكمة النقض يرسخ لمبادئ هامة فى علاقة المتعاقدين مع شركات التطوير العقاري، خاصة فى ظل ارتباط هذه التعاقدات بأنواع من العقود المُركبة أوجدتها طبيعة بعض المشروعات العقارية محل التعاقد، وكما ذكرت المحكمة فى حيثيات حكمها أن العقد قد يكون قد يكون بسيطاً أو مركباً، والعقد المركب يكون مزيجاً من عقدين "كعقد البيع إذا تضمن عقد انتفاع أو إيجار" حين تتوالى العقود تطبق أحكام كل عقد أو يتم تغليب العنصر الأساسي بحسب الأحوال.
بعض عقود البيع العقارية تكون مرتبطة بعقد إدارة
وبحسب "العيلى" في تصريح لـ"برلماني": فهناك بعض عقود البيع العقارية تكون مرتبطة بعقد إدارة، وهناك صور مختلفة لهذه العقود غير أن الالتزام الأبرز فى هذه العقود هو قيام "البائع" بإدارة الوحدة بتأجيرها بحسب طبيعة الغرض من الوحدة سواء كانت سكنية أو وحدة إدارية، وهذه الإدارة تتم لصالح المُشترى، وقد يرد الاتفاق على أن يُسلم عائد التأجير للمشترى بالنسب المُتفق عليها فى حال كون المُشترى قام بسداد كامل ثمن الوحدة، وذلك خلال سريان مدة عقد الإدارة أو التأجير والذى هو مرتبط بالأساس بعقد البيع، وقد يكون الاتفاق على أن يكون عائد التأجير هو المقابل لسداد باقي الأقساط الخاصة بالوحدة في حال كانت الوحدة مُحملة بأقساط باقي الثمن.

ويضيف "العيلى": ولعل هذه الإرادة وهى الانتفاع بالمبيع كانت الباعث على إقدام المتعاقد "المشتري" فى الدخول فى هذه العلاقة التعاقدية حيث تعتبر الإرادة محور الارتكاز في تكوين الرضا والذي يعتبر بدوره من أهم الأسس التي يقوم عليها العقد بوجه عام، وذلك إلى جانب المحل والسبب والأهلية، وتتسم نظرية العقد بالتجريد مما يمكنها من الامتداد إلى سائر العقود، فمتى توافرت هذه الإرادة انعقد العقد، ووفقاً للمقرر قانوناً أنه يتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين.
تعريف العقد من الناحية القانونية
وأوضح الخبير القانوني: فالعقد هو اتفاق إرادتين أو أكثر على إحداث أثار قانونية متمثلة في إنشاء الالتزام أو نقله او تعديله أو انهائه، وإذا نشأ العقد صحيحا مستوفيا لكامل أركانه وشروطه رتب مختلف أثاره القانونية، وبالتالي كسب قوته الملزمة من حيث الاشخاص والموضوع تطبيقا لمبدأ سلطان الإرادة، فبعد انشاء العقد تأتي المرحلة التالية، وهي مرحلة تنفيذ العقد وترتيب أثاره، ومن مظاهر سلطان الإرادة في هذه الفترة هي التزام المتعاقدين بما أبرماه، وتنفيذ العقد بحسب ما جاء فيه، ويعتبر مبدأ القوة المُلزمة للعقد من أهم النتائج المترتبة عن مبدأ سلطان الإرادة، فالأفراد لهم مُطلق الحرية في إبرام ما شاؤوا من العقود بشرط احترامهم لمُقتضيات النظام والأخلاق والآداب العامة وإذا حصل مثل هذا الاتفاق بناءً على هذه الحرية فإن العقد يصبح بمثابة شريعة المتعاقدين.
وأشار "العيلى" إلى أنه من المقرر قانوناً أن البيع يتم بمجرد تراضى البائع والمشترى دون حاجه لأن يُفرغ هذا التراضي في شكل خاص أو قالب معيـن، كما أنه من المقرر قانوناً أنه يقصد بمصدر الالتزام السبب القانوني المنشئ له، ويرجع إلى القانون نشأة جميع الالتزامات، فلا يقوم أي التزام إلا إذا أقره القانون واعترف به، وكان المقرر قانوناً أن مبدأ انتقال ملكية المبيع، يذهب إلى أن عقد البيع ينشئ التزام في ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشتري، فالمشرع قرر أن المشتري يكسب ملكية الشيء المبيع بمجرد العقد بتراضي الطرفين.
و7 التزامات في هذا النوع من العقود
وفند "العيلى" ما يتفرع عن العقد من التزامات تقع على عاتق البائع يحكمها القانون منها:
1- وفقاً لما تنص عليه المادة 147 من القانون المدنى أن: "العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون".
محكمة النقض تصدت لهذا الأمر في الطعن المقيد برقم 4100 لسنة 64 قضائية، الصادر بجلسة 10 يناير 2004، والذى جاء في حيثياته: والمستفاد من نص المادة سالفة الذكر أن العقد هو قانون العاقدين وهو تطبيق لمبدأ سلطان الارادة الذي ما زال يسود الفكر القانوني ولازم تلك القاعدة أن ما اتفق عليه المتعاقدين متى وقع صحيحاً لا يخالف النظام العام او الآداب أصبح مُلزماً للطرفين فلا يجوز نقض العقد ولا تعديله من جهة أي من الطرفين.
وتابعت "المحكمة": إذ أن العقد وليد إرادتين وما تعقده إرادتان لا تحله إرادة واحدة وكذلك لا يجوز للقاضي أن ينقض عقداً صحيحاً أو يعدله بدعوى أن النقض أو التعديل تـــُكمل إرادة المتعاقدين ولكن لا تنسخها، والقاضي لا يتولى إنشاء العقود عن عاقديها وإنما يقتصر عمله على تفسير إرادتهما بالرجوع الى نية هؤلاء المتعاقدين وأن العقد هو قانون المتعاقدين فالخطأ في تطبيق نصوصه أو مخالفتها خطأ في القانون يخضع لرقابة محكمة النقض.

2- جرى نص المادة 148 من القانون المدني أنه: "يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية ولا يقتصر العقد على الزام المتعاقد بما ورد فيه ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف وحسن النية والعدالة بحسب طبيعة الالتزام"، وقد قصد المشرع بحكم الفقرة الأولى هو وضع معيار يحتكم إليه تنفيذ العقد كما أن المقصود بحكم الفقرة الثانية تحديد مضمون العقد.
3- تسليم المبيع للمشترى: وهو أثر من آثار عقد البيع، يعتبر أكبر أثـر، فهو الغرض الأساسي من البيع، وتسليم المبيع يكون في الأصل بوضع المبيع تحت تصرف المشتري، ولو لم يتم هذا التسليم ماديا، وقد نصت المادة 435 من القانون المدني علي أنه: يكون التسليم بوضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به دون عائق ولو لم يستولى عليه استيلاء ماديا مادام البائع قد أعلم بذلك، ويحصل هذا التسليم علي النحو الي يتفق مع طبيعة الشيء المبيع، ويجوز أن يتم التسليم بمجرد تراضي المتعاقدين إذا كان المبيع في حيازة المشتري قبل البيع أو كان البائع قد استبقي المبيع في حيازته بعد البيع لسبب آخر غير ملكية.
وقد قضت محكمة النقض بأنه: "مفاد نص المادة 435 من القانون المدني أن تسليم المبيع يتم وضعه تحت تصرف المشترى بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به بغير حائل مع إعلام المــُشترى أن المبيع قد وُضع تحت تصرفه و لم يشترط المُشرع التسليم الفعلي بل افترض تمام التسليم متى توافر عنصراه و لو لم يستولِ المُــشترى على المبيع فيكفي لتمام التسليم مجرد تغيير النية سواء باتفاق أو بتصرف قانوني مُجرد كأن يظل البائع حائزاً المبيع باعتباره مُستأجراً له ويعتبر التسليم فى هذه الحالة حكمى أو معنوى، طبقا للطعن رقم 1747 لسنة 58 قضائية، الصادر بجلسة 20 يناير 1991.
ومفاد ذلك: أن تسليم المبيع يتم وضعه تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به بغير حائل مع إعلام المشتري أن المبيع قد وضع تحت تصرفه ولم يتشرط المشرع التسليم الفعلي بل افترض تمام التسليم متي توافر عنصراه ولو لم يستولِ المُشترى علي المبيع استيلاء ماديا، فيكفي لتمام التسليم مجرد تغيير النية سواء باتفاق أو بتصرف قانوني مجرد كأن يظل البائع حائزاً المبيع باعتباره مُستأجراً ويعتبر التسليم في هذه حكمياً أو معنوياً.
4- من آثار عقد البيع نقل منفعة المبيع إلى المشتري من تاريخ إبرام البيع: حيث إنه من المقرر قانوناً بنص الفقرة الثانية من المـادة 458 من القانـون المدني أن من أثار عقد البيع نقل منفعة المبيع إلى المشتري من تاريخ إبرام البيع فيمتلك المشتري الثمرات من وقت تمام العقد، وذلك ما لم يوجد اتفاق أو عرف مخالف ويستوي في بيع العقار أن يكون مسجلا أو غير مسجل - نقض رقم 1196 لسنة 53 قضائية، الصادر بجلسة 1 فبراير 1990.
5- من المقرر قانوناً بنص المادة 428 مدني: "يلتزم البائع أن يقوم بما هو ضروري لنقل الحق المبيع إلى المشتري وأن يكف عن أي عمل من شأنه أن يجعل نقل الحق مستحيلاً او عسيراً".
6- من المقرر قانوناً بنص المادة 439 من القانون المدني هو: "التزام البائع بأن يمكن المشتري من الانتفاع بالمبيع وحيازته حيازة هادئة سواء كان عقد البيع مسجلاً ام غير مسجل لأن التزام البائع به هو من الالتزامات الشخصية التي تنشأ عن العقد بمجرد انعقاده ويتعين على البائع تنفيذ التزامه عيناً بأن يدفع ادعاء الغير بجميع الوسائل القانونية التي يملكها حتى يكـُـف عن تعرضه للمُشتري فإذا لم ينجح البائع في ذلك وجب عليه تنفيذ التزامه بالضمان عن طريق التعويض"، طعن بالنقض رقم 2407 لسنة 79 قضائية.
7- من المقرر قانوناً أن عقد البيع هو من عقود المعاوضة وملزم للجانبين، لأنه ينشئ بمجرد انعقاده التزامات في ذمة البائع ومنها تمكين المشتري من الحصول على المبيع للتمتع به تمتعاً كاملاً فلا يكفي لذلك ان ينقل البائع إلى المشتري الحق المبيع وأن يقوم بالتسليم بل يلزم فضلاً عن ذلك أن يضمن البائع للمشتري الحق في المبيع والانتفاع به انتفاعا هادئاً أي يضمن عدم منازعته ويشمل هذا الضمان شقين هما:
(أ) ضمان عدم التعرض.
(ب) ضمان الاستحقاق.
وطبقاً لما قضت به محكمة النقض أن "التزام البائع بعدم التعرض الشخصي للمشتري التزام أبدي كما ينتقل هذا الالتزام ايضاً إلى الورثة"، وقضت محكمة النقض فى هذا الشأن بأنه: "التزام البائع بضمان عدم التعرض للمشتري- التزام أبدي يتولد عن عقد البيع ولم لم يشهر مؤداه عدم جواز تعرض البائع".
6 مبادئ قضائية رسختها النقض
وفى الأخير – يقول "العيلى": وعلى ضوء القواعد القانونية التي تحكم العقد ويرتبها باعتباره مُلزم لطرفيه أرست محكمتنا العليا محكمة النقض المصرية فى حكمها مبادئ عدة منها:
1- أن الإخلال بالالتزامات الناشئة عن العلاقة التعاقدية التى ربطت طرفي العلاقة بعضهم البعض تـُلزم الطرف المُخل بتعويض الطرف المضرور نتيجة ما لحق به من ضرر مادى، وإن تأسيس الضرر المادي فى المسئولية العقدية يتعلق فيما يصيب المضرور وما لحقه من خسارة وما فاته من كسب فهذه هى القاعدة الاساسية التي يتم على اساسها تقدير الضرر المادي فى المسئولية العقدية
2- حرمان المُشترى من الانتفاع قد يوجب التعويض كما أن تأخر الشركات العقارية في تسليم الوحدات التجارية أو الاستثمارية يوجب التعويض عن فترة الحرمان من الانتفاع .
3 - العقد المُركب: العقود التي تجمع بين البيع والإدارة أو الإيجار هي عقود مركبة، تُطبق على كل عنصر فيها أحكامه القانونية بما يحقق إرادة المتعاقدين.
4 - الالتزام بالتسليم: عدم تسليم العين في الموعد المكتوب يحرم المشتري من ثمار المبيع ونمائه، وهو إخلال يوجب التعويض المباشر عن المسؤولية العقدية.
5-سقوط حُجة الشركات: عدم استغلال الشركة للعين فعلياً أو عدم تقاضيها أجرة من الغير لا يعفيها من التعويض، لأن الضرر الواقع على المُشترى ينشأ بمجرد حرمانه من حيازة العين والانتفاع بها في الموعد الاتفاقي ، ولا يدرأ المسؤولية عن الشركة إلا إثبات "السبب الأجنبي".
6-حق المشترى "المُتعاقد" في التعويض عن التأخير في تسليم وحدته العقارية مكفول بقوة القانون والعقد، ولا عبرة لما تثيره الشركات حول عدم التشغيل الفعلي أو عدم جني الأرباح.
