الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 04:42 م

صفقة تاريخية على وشك التعطيل.. اتفاق أوروبا وميركوسور يتعثر مجددًا.. خلافات حصص التصدير تهدد مكاسب أكبر اتفاق تجاري.. باراجواي تتمسك بتوزيع عادل للحصص .. وتقارب برازيلي أرجنتيني ومخاوف من إبطاء تنفيذ الاتفاق

صفقة تاريخية على وشك التعطيل.. اتفاق أوروبا وميركوسور يتعثر مجددًا.. خلافات حصص التصدير تهدد مكاسب أكبر اتفاق تجاري.. باراجواي تتمسك بتوزيع عادل للحصص .. وتقارب برازيلي أرجنتيني ومخاوف من إبطاء تنفيذ الاتفاق ميركوسور
الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 04:00 م
فاطمة شوقى
يتعرض الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور لانتكاسة جديدة، ليس بسبب خلاف مباشر بين بروكسل ودول أمريكا الجنوبية، وإنما نتيجة خلاف داخل التكتل نفسه حول كيفية توزيع حصص التصدير التي أتاحها الاتفاق إلى السوق الأوروبية. وبينما كان الاتفاق يُنظر إليه باعتباره خطوة تاريخية لفتح أسواق جديدة أمام مئات الملايين من المستهلكين، برزت مسألة توزيع الحصص كعقبة تهدد بإبطاء الاستفادة الكاملة من المكاسب التجارية المنتظرة.
وعقد وزراء خارجية دول ميركوسور، التي تضم الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأوروجواي، اجتماعًا غير رسمي في مونتيفيديو لمناقشة الخلاف، لكن المشاركين لم يتمكنوا من التوصل إلى صيغة نهائية بشأن آلية توزيع حصص التصدير إلى الاتحاد الأوروبي. واتفق الوزراء على استمرار العمل الفني بهدف تقريب وجهات النظر، في ظل تقارب مواقف البرازيل و الأرجنتين وأوروجواي، مقابل تمسك باراجواي بمقترح مختلف.
وتطالب باراجواي بتوزيع حصص التصدير بصورة متساوية بين الدول الأربع، بحيث يحصل كل عضو في ميركوسور على 25% من الحصص المتاحة. وترى أسونسيون أن هذا النموذج يضمن استفادة جميع أعضاء التكتل من الاتفاق، بصرف النظر عن الفوارق الكبيرة في حجم اقتصاداتهم وقدراتهم الإنتاجية والتصديرية.
في المقابل، لا تبدو الدول الثلاث الأخرى مستعدة حتى الآن للقبول بهذه الصيغة، إذ تدور المفاوضات حول معايير مختلفة لتوزيع الحصص، بما يعكس حجم الإنتاج والقدرة التصديرية لكل دولة، وهو ما يمنح الاقتصادات الأكبر، وعلى رأسها البرازيل والأرجنتين، وزنًا أكبر في بعض التصورات المطروحة.
 
حصص التعريفة الجمركية
وتكتسب هذه الخلافات أهمية خاصة لأن حصص التعريفة الجمركية تمثل إحدى الأدوات الرئيسية التي يقوم عليها الاتفاق. فالاتفاق لا يعني إلغاء جميع الرسوم الجمركية بصورة فورية، وإنما يتضمن تخفيضات تدريجية وإعفاءات وحصصًا محددة لبعض المنتجات الحساسة، ولا سيما المنتجات الزراعية والغذائية التي تعد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات التجارية بين أوروبا وأمريكا الجنوبية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد بدأ التطبيق المؤقت للاتفاق التجاري مع ميركوسور في الأول من مايو 2026، بعد استكمال الإجراءات الداخلية اللازمة من جانب الدول الأربع. وأتاح ذلك للشركات والمصدرين بدء الاستفادة من التخفيضات الجمركية، وفتح المجال أمام زيادة التجارة في قطاعات متعددة، تشمل السيارات والآلات والأدوية والمنتجات الزراعية والغذائي.
 
400 مليون مستهلك
وبموجب الاتفاق، يحصل المنتجون الأوروبيون على فرص أكبر للوصول إلى سوق ميركوسور التي تضم نحو 270 مليون مستهلك، بينما تحصل دول أمريكا الجنوبية على وصول أفضل إلى السوق الأوروبية، التي تضم أكثر من 400 مليون مستهلك. وتعتبر المفوضية الأوروبية الاتفاق فرصة لتعزيز الصادرات في الاتجاهين، خصوصًا في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية.
وتتوقع بروكسل أن يؤدي الاتفاق إلى زيادة كبيرة في صادرات المنتجات الزراعية والغذائية الأوروبية إلى دول ميركوسور، في وقت تسعى فيه الشركات الأوروبية إلى مواجهة المنافسة الدولية وفتح أسواق جديدة خارج القارة. كما يتضمن الاتفاق حماية 344 مؤشرًا جغرافيًا أوروبيًا في دول ميركوسور، بما يمنع تقليد المنتجات التي تحمل أسماء مرتبطة بمناطق إنتاج أوروبية محددة.
لكن المكاسب المتوقعة لا تخلو من التعقيدات، خصوصًا فيما يتعلق بالقطاع الزراعي. فالاتحاد الأوروبي حرص خلال المفاوضات على وضع حصص جمركية محددة للمنتجات الحساسة، بهدف حماية المنتجين الأوروبيين من تدفق واردات كبيرة من أمريكا الجنوبية. وفي المقابل، ترى دول ميركوسور أن الحصول على حصص واضحة وموزعة بصورة عادلة يمثل جزءًا أساسيًا من القيمة الاقتصادية للاتفاق.
وتكشف الأزمة الحالية عن مشكلة أكثر تعقيدًا تتعلق بآلية تنفيذ الاتفاق. فالنص التجاري يسمح لدول ميركوسور بتوزيع الكميات التي تخصصها أوروبا للحصص الجمركية فيما بينها، على أن تبلغ الاتحاد الأوروبي بتفاصيل هذا التوزيع ضمن المواعيد المحددة. كما يتيح الاتفاق، في ظروف معينة، إعادة توزيع الكميات التي لم يتم استخدامها بين دول التكتل.
غير أن عدم التوصل إلى اتفاق داخلي بشأن توزيع الحصص يعني أن الاستفادة من هذه الآلية تظل محدودة، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى وضع ترتيبات انتقالية خاصة بالنسبة لعام 2026. وتوضح القواعد الأوروبية أن حصص عام 2026 جرى احتسابها بصورة نسبية، نظرًا لأن التطبيق المؤقت للاتفاق بدأ في الأول من مايو، وليس مع بداية السنة.
وتتجاوز أهمية الخلاف مسألة تقنية مرتبطة بالأرقام. فبالنسبة لباراجواي، يمثل الاتفاق فرصة لتعزيز صادراتها وزيادة حضورها في السوق الأوروبية، ولذلك تخشى أن يؤدي اعتماد توزيع يعتمد بصورة أكبر على حجم الاقتصادات أو القدرة الإنتاجية إلى حصول الدول الأكبر على نصيب أكبر من المنافع. ولهذا تصر أسونسيون على مبدأ المساواة بين الدول الأربع.
وفي المقابل، قد ترى البرازيل والأرجنتين أن التوزيع يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات الإنتاجية والتجارية لكل دولة، خاصة أن حجم صادراتهما وإمكاناتهما الزراعية والصناعية يفوق بشكل كبير إمكانات باراجواي وأوروجواي في عدد من القطاعات.
ويأتي الخلاف في وقت تحاول فيه ميركوسور تعزيز تماسكها الداخلي وتوسيع علاقاتها التجارية مع شركاء دوليين. ولذلك فإن استمرار النزاع حول الحصص قد يتحول إلى اختبار سياسي لقدرة التكتل على اتخاذ قرارات مشتركة عندما تتعارض مصالح الدول الأعضاء.
ورغم ذلك، لا تشير التطورات الحالية إلى انهيار الاتفاق الأوروبي-الميركوسوري، بل إلى صعوبة في الانتقال من مرحلة التفاوض والتوقيع إلى مرحلة التطبيق العملي. فقد دخل الاتفاق المؤقت بالفعل حيز التنفيذ، وبدأت بعض التخفيضات الجمركية في التطبيق، بينما تستمر المفاوضات حول التفاصيل المتعلقة بإدارة الحصص وتوزيعها.ومن المنتظر أن تواصل الفرق الفنية لدول ميركوسور العمل على صيغة توافقية، قبل عودة الملف إلى المستوى السياسي. ويبدو أن الهدف في المرحلة المقبلة هو منع الخلاف من التحول إلى أزمة أوسع تهدد المكاسب التي تم تحقيقها بعد سنوات طويلة من المفاوضات بين الجانبين.
 
حل الخلافات داخل ميركوسور أولى الخطوات
وتكمن أهمية الاتفاق في أنه يتجاوز مجرد خفض الرسوم الجمركية، إذ يمثل أحد أكبر الأطر التجارية بين تكتل أوروبي كبير ودول رئيسية في أمريكا الجنوبية. ومن شأن نجاحه أن يعيد رسم جزء من خريطة التجارة بين القارتين، ويفتح الباب أمام استثمارات جديدة وسلاسل إمداد أوسع وتعاون اقتصادي في قطاعات متعددة.
لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب أولًا حل الخلاف داخل ميركوسور. فالاتفاق الذي منح دول التكتل فرصة مشتركة للوصول إلى السوق الأوروبية أصبح الآن أمام اختبار داخلي: هل تستطيع الدول الأربع الاتفاق على كيفية تقاسم المكاسب؟ أم أن التباين بين مصالح الاقتصادات الكبرى والدول الأصغر سيؤخر الاستفادة من واحدة من أبرز الصفقات التجارية التي ربطت أوروبا بأمريكا الجنوبية؟
وفي نهاية المطاف، تبدو أزمة حصص التصدير بمثابة إنذار مبكر أكثر منها تهديدًا مباشرًا للاتفاق. فنجاح الشراكة التجارية لن يقاس فقط بحجم التخفيضات الجمركية التي تم التوصل إليها، وإنما بقدرة الجانبين على تحويلها إلى فرص فعلية للشركات والمصدرين والمزارعين. وبينما تتمسك باراجواي بمبدأ التوزيع المتساوي، تحاول البرازيل والأرجنتين وأوروجواي الدفع نحو صيغة أكثر توافقًا مع قدراتها الاقتصادية، لتبقى الكرة الآن في ملعب ميركوسور لحسم الخلاف قبل أن يتحول التعثر الفني إلى عقبة سياسية أمام الاتفاق التاريخي مع أوروبا.

الأكثر قراءة



print