السبت، 05 سبتمبر 2026 12:09 م

من داخل قاعة مناقشة دكتوراه.. "نائب رئيس مجلس الدولة": غسل الأموال وتمويل الإرهاب الوجه المظلم للتعاملات عبر الإنترنت.. متى تتحول المنصة من وسيط رقمى لمسئول مدنى؟.. الضرر يبدأ من شاشة حاسوب وينتهي باقتصاد دولة

من داخل قاعة مناقشة دكتوراه.. "نائب رئيس مجلس الدولة": غسل الأموال وتمويل الإرهاب الوجه المظلم للتعاملات عبر الإنترنت.. متى تتحول المنصة من وسيط رقمى لمسئول مدنى؟.. الضرر يبدأ من شاشة حاسوب وينتهي باقتصاد دولة جانب من ماقشة رسالة الدكتوراه
السبت، 05 سبتمبر 2026 11:44 ص
كتب: علاء رضوان

>>الضرر الرقمى الخطر العابر للحدود يعيد تعريف مفهوم الأمن القومي

 

>>البيئة الرقمية كشفت عن وسائل جديدة لتحريك الأموال وإخفاء مصادرها وتمويل الأنشطة غير المشروعة

 

>>حين تدخل الجريمة الرقمية إلى محراب المسؤولية المدنية.. من يدفع ثمن الخطأ ؟ 

 

 

قررت لجنة المناقشة والحكم  المكونة من الأساتذة الفقهاء: الدكتور ممدوح محمد المسلمى، أستاذ ورئيس قسم القانون المدنى بكلية الحقوق جامعة الزقازيق وعميد الكلية السابق مشرفا ورئيسا، والدكتور محمد عبد الرحمن، الأستاذ المتفرغ بقسم القانون المدنى بالكلية عضوا مناقشاً، والمستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة رئيس دائرة الفحص بالمحكمة الإدارية العليا عضوا مناقشا، منح الباحث محروس محمد ليلة درجة الدكتوراه بتقدير "ممتاز "عن رسالته فى موضوع " التعويض عن الأضرار الناجمة عن التعاملات عبر الإنترنت فى القانون المدنى دراسة مقارنة ". 

 

ومن داخل قاعة المناقشة العلمية العلنية التى اكتظت بحضور الباحثين والدراسين يذكر الفقيه الدكتور محمد خفاجى أنه: "إذا استخدم شخص منصة إلكترونية في غسل الأموال، يثور التساؤل حول المسؤولية المدنية للمنصة بمجرد وقوع الجريمة. خاصة إذا كان القانون أو العقد أو طبيعة النشاط المهني قد فرض على المنصة واجبات محددة في التحقق أو الحماية أو المراقبة، وكانت المنصة تعلم بمؤشرات جدية للخطر ثم أهملتها، وترتب على هذا الإخلال ضرر للغير، فهنا تبدأ المسألة المدنية". 

 

4ea9f4df-0b8a-48cf-8c3f-112cc8f7f33d

 

ويضيف الدكتور محمد خفاجى: "أنه كلما اتسعت قدرة المنصة على التحكم في المعاملة، اتسعت معها دائرة واجباتها المهنية؛ وكلما ثبت إخلالها بواجب قانوني أو مهني، وجب أن نبحث عن مسؤوليتها المدنية، لا باعتبارها نتيجة للجريمة، وإنما باعتبارها نتيجة لإخلال مستقل بواجب قانوني أفضى إلى ضرر، وهنا يصبح غسل الأموال وتمويل اختبارًا حقيقيًا لنظرية المسؤولية المدنية في العصر الرقمي".

 

 

ويوضح نائب رئيس مجلس الدولة:  إن الأضرار المدنية الناشئة عن التعاملات الإلكترونية قد تتجاوز نطاق المصلحة الفردية لتصيب مصالح جماعية واستراتيجية تمس الأمن الاقتصادي والمالي والمعلوماتي للدولة، فمثلًا، إذا أدى قصور منصة مالية أو مزود خدمة رقمي في واجبات التحقق والحماية إلى تسهيل غسل الأموال أو تمويل نشاط إرهابي، فإن الضرر لا يقف عند خسارة عميل أو شركة؛ وإنما قد يمتد إلى الثقة في النظام المالي، وسلامة الاقتصاد الوطني، واستقرار المعاملات، بل وقد يتصل بالأمن القومي في مفهومه الحديث. 

 

791cdca3-2322-4f00-ab5a-41f545951a2f

 

ويؤكد الدكتور محمد خفاجى: "أن الضرر الرقمي يعيد تعريف الأمن القومي، فلم يعد الضرر الناجم عن التعاملات الرقمية محصورًا في خسارة مالية أو انتهاك لخصوصية فرد، بل بات قادرًا على تجاوز حدود الفرد والمؤسسة ليصيب مصالح الدولة ذاتها؛ فاختراق البيانات، وتعطيل البنية التحتية الرقمية، والتلاعب بالمعلومات، واستغلال المنصات الإلكترونية في نشر الفوضى أو التأثير في الوعي العام، كلها صور حديثة من الضرر تفرض مفاهيم جديدة للأمن القومي، وهنا لم يعد الأمن القومي يعني حماية الحدود والمنشآت فحسب، وإنما أصبح يعني أيضًا حماية المجال الرقمي للدولة ومعلوماتها ووعي مجتمعها وقدرتها على استمرار مرافقها الحيوية.

 

ويطرح الفقيه الدكتور خفاجى عدة تساؤلات:  "إذا كان التعامل الإلكتروني قد أصبح جزءًا من النظام المالي والاقتصادي والمعلوماتي للدولة، فهل تستطيع نظرية المسؤولية المدنية أن تنظر إلى الضرر باعتباره مجرد خسارة أصابت فردًا، أم يجب أن تمتد رؤيتها إلى الآثار الجماعية والاستراتيجية التي قد تترتب على الإخلال بواجبات الحماية والرقابة الرقمية؟ وهل يمكن أن يكون الإخلال المدني بهذه الواجبات أحد العوامل التي تهدد الأمن الاقتصادي أو المعلوماتي للدولة، ولو لم يكن الفاعل قد قصد المساس بالأمن القومي؟". 

 

744dc175-2a67-411d-b9ee-8181ac2944ae

 

ويشير: "هنا تظهر قيمة الباحث المدني؛ لأنه يستطيع أن يقول إن المسؤولية المدنية قد تؤدي وظيفة وقائية تتجاوز مجرد تعويض المضرور، فإذا ألزم القانون المنصة أو المؤسسة المالية بواجبات التحقق والرقابة والأمن السيبراني، فهذه الواجبات لا تحمي العميل وحده؛ وإنما تحمي سلامة البيئة الرقمية ذاتها. وإخلال المؤسسة بها قد ينشئ ضررًا فرديًا، وقد ينشئ في الحالات الجسيمة ضررًا ذا امتداد جماعي أو اقتصادي أو وطني".

 

ويوضح الدكتور خفاجى: "لم تعد المعاملات الإلكترونية مجرد وسيلة أسرع لإبرام عقد أو تحويل أموال أو شراء سلعة، وإنما أصبحت جزءًا من البنية الاقتصادية والمالية والمعلوماتية للدولة، ومن ثم فإن الخطأ الذي يقع داخل البيئة الرقمية قد لا يتوقف أثره عند الشخص الذي أصابه الضرر، بل قد تتسع دوائره حتى تمس الثقة في النظام المالي، وسلامة المعاملات، والاستقرار الاقتصادي، وفي صور شديدة الخطورة قد تتصل بالأمن القومي. ومن هنا يبرز سؤال أراه جديرًا بأن يشغل الفقه المدني: هل تظل المسؤولية المدنية في العصر الرقمي مجرد وسيلة لتعويض فرد أصابه ضرر، أم يمكن أن تصبح إحدى أدوات الوقاية القانونية التي تحمي المجتمع والدولة ؟".

 

f3e742ec-cb5a-4b45-9cf7-7f57ac6d310e

 

ويؤكد الدكتور محمد خفاجى: "السؤال يصبح أكثر خطورة عندما نضع أمامنا ظاهرتين من أخطر الظواهر التي يمكن أن تستفيد من البيئة الرقمية هما غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنا أمام بحث في الجريمة.. وإنما أمام نقطة التقاء الجريمة بالمسؤولية المدنية، وينبغي منذ البداية أن نضع حدًا فاصلًا بين المجالات، فغسل الأموال وتمويل الإرهاب، من حيث التجريم والعقاب، شأن من شؤون القانون الجنائي ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، لكن المسألة المدنية تبدأ عند نقطة أخرى تمامًا: ماذا لو كان هناك واجب قانوني أو مهني مفروض على منصة إلكترونية أو مؤسسة مالية أو مقدم خدمة دفع أو وسيط رقمي، ثم أخلّ بهذا الواجب، وترتب على هذا الإخلال ضرر؟ فإن السؤال المدني يصبح مشروعًا: هل يسأل عن الضرر الذي ساهم إخلاله في إحداثه؟". 

 

ويضيف الفقيه المصرى: " يجب أن نبحث عن أركان المسؤولية المدنية خطأ، وضرر، وعلاقة سببية من «أنا مجرد وسيط» إلى «ما حدود واجبي المهني؟» هنا تتغير الصورة، فالمنصة التي تقتصر وظيفتها على إتاحة مساحة تقنية للتواصل ليست بالضرورة في المركز القانوني ذاته الذي تحتله منصة تتولى الإعلان، والتحقق، والدفع، وترتيب المعاملة، وحماية المشتري، وربما تنفيذ التسليم، كلما ازدادت قدرة المنصة على التحكم في العملية الرقمية، أمكن أن تتسع معها دائرة الالتزامات القانونية والمهنية التي تفرضها طبيعة نشاطها والقانون والعقد".

 

69cec1f5-f935-431e-8220-9fb24f692c22

 

ويشير " هنا يظهر الأمن القومي من بوابة القانون المدني قد يبدو لأول وهلة أن الحديث عن الأمن القومي بعيد عن المسؤولية المدنية، لكن هذا البعد يصبح مفهومًا إذا أدركنا أن الأمن القومي في العصر الحديث لم يعد مقصورًا على الحدود والقوة العسكرية، وإنما يمتد إلى الأمن الاقتصادي والمالي والمعلوماتي وحماية البنية الرقمية والثقة في المؤسسات الحيوية، فإذا أصبحت المنصات الرقمية ومؤسسات الدفع جزءًا من حركة الاقتصاد الوطني، فإن الإخلال الجسيم بواجبات الحماية والرقابة قد لا يؤدي إلى خسارة عميل واحد فحسب، بل قد يؤدي إلى سلسلة من الأضرار: أموال تُنهب، بيانات تُستغل، حسابات تُخترق، ثقة تهتز، معاملات تتعطل، ومؤسسات تتضرر سمعتها، وأموال غير مشروعة تجد طريقها إلى النظام المالي".

 

ويستطرد: "وهذا يقودنا إلى سؤال أخطر, هل يمكن أن يكون الإخلال المدني بواجبات الحماية الرقمية أحد العوامل التي تساهم في تهديد الأمن الاقتصادي أو المعلوماتي للدولة، ولو لم يقصد المسؤول ذاته المساس بالأمن القومي؟  في تقديري: نعم، يمكن تصور ذلك، ولكن ليس بمجرد وقوع الجريمة، وإنما إذا ثبت الإخلال بواجب قانوني أو مهني، وثبت الضرر، وثبتت علاقة السببية". 

 

شش

 

ويوضح معانى جديدة بقوله: "هنا ننتقل منن حماية العميل إلى حماية الاقتصاد، وهنا تتجاوز المسؤولية المدنية معناها التقليدي، فحماية بيانات العميل ليست حماية لبياناته فقط، وحماية حسابه ليست حماية لأمواله فقط، ومراقبة سلامة المعاملة ليست حماية للمعاملة وحدها، إنما هي في بعض صورها، حماية للثقة التي يقوم عليها النظام الرقمي والمالي بأكمله، وهذه الثقة ليست قيمة تجارية فحسب؛ إنها أحد مقومات الاستقرار الاقتصادي. ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة وظيفة المسؤولية المدنية في البيئة الرقمية: إنها لا تحمي المال الفردي من الضرر فحسب، وإنما تحمي أيضًا الثقة المشروعة في النظام الذي يتحرك فيه هذا المال".

 

ويختتم الفقيه الدكتور خفاجى: "الغاية ليست أن نجعل القانون المدني قانونًا للأمن القومي، وإنما أن ندرك ولا نستهين أن الضرر الذي يبدأ من شاشة حاسوب قد ينتهي عند اقتصاد دولة، والخطأ الذي يبدو في ظاهره مدنيًا محدودًا قد تتسع آثاره حتى تمس الثقة في نظام مالي بأكمله، ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط من يعوض الفرد؟ بل أصبح: من يتحمل تبعة الخطأ عندما يتحول الضرر الإلكتروني من خسارة فرد إلى تهديد للثقة الاقتصادية والأمن القومي؟ وهنا، في تقديري، يبدأ فقه المسؤولية المدنية في العصر الرقمي، لا عند حدود التعويض، وإنما عند حدود المسؤولية عن حماية المجتمع والدولة من آثار الخطأ الرقمي".  

 


الأكثر قراءة



print