الجمعة، 04 سبتمبر 2026 02:30 ص

"ماتى" تعيد رسم خريطة الاستثمارات الإيطالية فى مصر.. المنطقة الاقتصادية لقناة السويس منصة للشراكة الجديدة والنفاذ إلى أفريقيا.. مشروعات متنوعة فى الطاقة واللوجيستيات.. ومصر محور رئيسى لتنفيذ الرؤية الإيطالية

"ماتى" تعيد رسم خريطة الاستثمارات الإيطالية فى مصر.. المنطقة الاقتصادية لقناة السويس منصة للشراكة الجديدة والنفاذ إلى أفريقيا.. مشروعات متنوعة فى الطاقة واللوجيستيات.. ومصر محور رئيسى لتنفيذ الرؤية الإيطالية مصطفى شيخون رئيس الهيئة الاقتصادية لقناة السويس
الخميس، 03 سبتمبر 2026 11:33 م
كتبت- هبة حسام

لم تعد خطة "ماتى" الإيطالية لأفريقيا مجرد إطار سياسى للتعأون بين روما ودول القارة، وإنما تتحول تدريجيًا إلى منظومة اقتصادية واستثمارية تستهدف فتح أسواق جديدة أمام الشركات الإيطالية، وتحفيز الاستثمارات فى قطاعات الطاقة والبنية الأساسية والمياه والتصنيع والزراعة والتكنولوجيا، مع الاعتماد على شراكات طويلة الأجل مع الدول الأفريقية.

 

وفى قلب هذه الرؤية تظهر مصر باعتبارها وأحدة من الدول المحورية فى الاستراتيجية الإيطالية، ليس فقط لكونها كانت ضمن الدول الـ9 الأولى المستهدفة بالخطة، وإنما لما تمتلكه من موقع استراتيجى يجعلها حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، فضلًا عن قناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية وشبكة الاتفاقيات التجارية التى تمنح المستثمرين قاعدة واسعة للوصول إلى الأسواق.

 

ومن هنا تكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية متزايدة فى الحسابات الإيطالية، باعتبارها منصة يمكن من خلالها تحويل أهداف "ماتي" من إطار للتعأون إلى مشروعات إنتاجية وتصديرية تستفيد من الموقع المصرى على خطوط التجارة العالمية.

56e892ff-bda0-4132-9e9f-6c962326fe2b
 

5.5 مليار يورو.. اطلاق خطة "ماتي"

أطلقت إيطاليا خطة ماتى لأفريقيا رسميًا خلال قمة إيطاليا – أفريقيا فى روما فى يناير 2024، مستهدفة إقامة شراكات تقوم على مبدأ "الندية" والتنمية المشتركة، مع التركيز على قطاعات التعليم والتدريب، والصحة، والزراعة، والمياه والطاقة، والبنية التحتية.

 

بدأت الخطة بتسع دول تجريبية، من بينها مصر، قبل توسيع نطاقها تدريجيًا ليصل إلى 18 دولة شريكة بحلول مارس 2026، ووفق أحدث تقرير رسمى عن تنفيذ الخطة، صادر عن وزارة الخارجية الإيطالية، وصل عدد المشروعات الجارية إلى 76 مشروعًا، بينما تبلغ المخصصات الأولية للخطة 5.5 مليار يورو.

 

ولا تتوقف المنظومة التمويلية عند المخصصات المباشرة للخطة، إذ أظهرت البيانات الإيطالية أن أدوات التمويل المرتبطة بدعم الاستثمارات فى أفريقيا تشمل موارد من "Cassa Depositi e Prestiti"، وصندوق المناخ الإيطإلى، والصندوق الدوار للتعأون، إلى جانب أدوات ضمان واستثمار تستهدف مشاركة القطاع الخاص.

 

ومن أبرز هذه الأدوات "Plafond Africa" بقيمة 500 مليون يورو لدعم الشركات الإيطالية العاملة فى أفريقيا بضمان حكومى يصل إلى 80%، و"Misura Africa" بتمويل ميسر يبلغ 200 مليون يورو، إلى جانب منصة استثمارية "GRAf" تستهدف تعبئة 750 مليون يورو، ومبادرة للبنية التحتية الخضراء فى أفريقيا تستهدف 500 مليون يورو.

 

كما بلغت الضمانات التى قدمتها مؤسسة "SACE" لدعم الاستثمارات فى دول الخطة نحو 4 مليارات يورو وفق التقرير الإيطإلى المشار إليه عاليًا، بما يكشف أن روما تحأول بناء منظومة متكاملة للتمويل وتقليل مخاطر دخول الشركات الإيطالية إلى الأسواق الأفريقية.

 

3bcf185c-a93f-4dec-9ea3-4b4544b0bda6

من الجدير بالذكر، أن اختيار مصر ضمن الدول الأولى فى "ماتى" لم يكن عشوائيًا، فالقاهرة تمتلك مجموعة من المقومات التى تتوافق مباشرة مع الأهداف الاقتصادية للخطة، حيث تتيح مصر الوصول إلى أسواق أفريقيا من جهة، والأسواق الأوروبية والمتوسطية من جهة أخرى، بينما تمثل قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية فى التجارة العالمية، وكذلك توفر المنطقة الاقتصادية المحيطة بها مناطق صناعية وموانئ يمكن أن تستضيف مشروعات إنتاجية موجهة للتصدير.

 

وتتطابق هذه المقومات مع طبيعة القطاعات التى تستهدفها الخطة الإيطالية، فالتعأون لا يقتصر على الطاقة التقليدية، وإنما يمتد إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين، والمياه وتحليتها، والبنية الأساسية، واللوجستيات، والتصنيع، والتكنولوجيا، والزراعة والتدريب.

 

وبحسب ما أكدته وزارة الخارجية الإيطالية سابقًا، تعد مصر إحدى الدول المحورية فى الخطة الإيطالية، حيث وصفتها "الخارجية الإيطالية" بإنها دولة تركيز وشريك ذو أولوية ضمن "خطة ماتى".

 

5.9 مليار يورو تجارة.. العلاقات الاقتصادية تتحرك للأعلى

وتوفر حركة التجارة بين البلدين قاعدة قوية يمكن البناء عليها، فقد بلغ حجم التبادل التجارى المصرى الإيطإلى 5.9 مليار يورو خلال 2025، بزيادة 11.7% على أساس سنوى، بينما سجل التبادل نموًا إضافيًا بنسبة 7.5% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026.

 

وتحتل إيطاليا موقعًا متقدمًا فى خريطة التجارة المصرية مع أوروبا، وبنهاية 2025 أصبحت ثانى أكبر سوق لصادرات مصر عالميًا، فيما جاءت فى المركز التاسع بين مورّدى مصر، وفق بيانات السفارة الإيطالية بالقاهرة.

 

وتكشف بيانات التجارة المصرية – وفقًا لهيئة الرقابة - عن ارتفاع قيمة الصادرات المصرية غير البترولية إلى إيطاليا إلى 2.552 مليار دولار خلال يناير–نوفمبر 2025، مقابل نحو 1.982 مليار دولار فى ألفترة نفسها من 2024، بزيادة بلغت 29%.

b8621ed0-3a4e-4cea-99ac-79cc6e65a1cc

أما هيكل التجارة فيعكس وجود قاعدة صناعية يمكن تعميقها؛ فالصادرات المصرية إلى إيطاليا تشمل الوقود والمنتجات المعدنية والألومنيوم والبلاستيك والأسمدة والمنتجات الزراعية، بينما تستورد مصر من إيطاليا الآلات والمعدات والمنتجات الدوائية والكهربائية والكيمأوية وغيرها.

 

وهنا تظهر إحدى أهم فرص "ماتي" وهى، الآنتقال من تجارة السلع إلى إقامة سلاسل إنتاج مشتركة، بحيث تتحول مصر من سوق مستقبلة للمنتجات الإيطالية إلى قاعدة تصنيع وتصدير مشتركة للأسواق الإفريقية والأوروبية.

 

الاستثمارات الإيطالية.. من "إينى" إلى التصنيع

ولا تبدأ الشراكة الاستثمارية بين البلدين من الصفر، فالشركات الإيطالية لديها وجود راسخ فى الاقتصاد المصرى، خاصة فى قطاع الطاقة.

 

وتبقى شركة إينى إحدى أبرز قصص الاستثمار الإيطإلى فى مصر، من خلال مشروع حقل "ظهر"، أكبر اكتشاف للغاز الطبيعى فى البحر المتوسط، والذى دخل الإنتاج خلال فترة قياسية بعد اكتشافه، وتؤكد الشركة استمرار عمليات تحسين الإنتاج والحفر فى الحقل خلال 2025، مع تحديد فرص جديدة للتطوير فى 2026.

 

لكن الرهان الإيطإلى الجديد لا يتوقف عند الطاقة، ففى أبريل الماضى افتتحت شركة Mapei الإيطالية مصنعًا جديدًا فى مدينة العاشر من رمضان باستثمارات مبدئية بلغت 25 مليون دولار، لإنتاج مواد لاصقة ومواد عزل وإضافات خرسانية، مع استهداف تصدير ما بين 15% و20% من الإنتاج إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، على أن تتضاعف الطاقة الإنتاجية بعد المرحلة الثانية.

 

وتكشف هذه النوعية من المشروعات عن اتجاه أكثر أهمية من مجرد زيادة الاستثمارات إلى إقامة قاعدة إنتاج إيطالية داخل مصر لخدمة أسواق تتجأوز السوق المحلية.

 

وتتواصل التحركات فى هذا الاتجاه، إذ بحثت هيئة الاستثمار فى مايو 2026 مع شركة Oniverse الإيطالية خطط إنشاء مصنعين للملابس الجاهزة فى مصر، مع استهداف إقامة سلسلة إنتاج متكاملة وتصدير كامل الإنتاج إلى 59 دولة.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. حلقة تربط "ماتي" بالأسواق

فى هذه المعادلة، تبدو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى أكثر المنصات المصرية ملاءمة للهدف الإيطإلى، فالمنطقة لا تقدم للمستثمر مجرد أرض صناعية، وإنما تجمع بين المناطق الصناعية والموانئ والخدمات اللوجستية وموقعها على قناة السويس، بما يسمح بربط الإنتاج بحركة التجارة العالمية.

 

وخلال منتدى الأعمال المصرى الإيطإلى، المنعقد حاليًا، استعرض مصطفى شيخون، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، هذه المقومات، داعيًا الشركات الإيطالية إلى زيادة استثماراتها فى المنطقة والاستفادة من الحوافز والبنية الأساسية والاتفاقيات التجارية التى تتمتع بها مصر.

 

وتدعم الأرقام هذا الطرح، إذ تعاقدت الهيئة خلال العام المإلى 2025/2026 على 117 مشروعًا باستثمارات تقارب 7.3 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم التدفقات الاستثمارية التى أصبحت المنطقة قادرة على استيعابها، والأهم أن طبيعة الاستثمارات المستهدفة تتقاطع مع القطاعات ذات الأولوية فى "ماتي"، خاصة الطاقة والطاقة المتجددة والتصنيع والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتصدير.

 

وتشير خريطة التحركات المصرية الإيطالية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا من العلاقات القائمة على التجارة ومشروعات الطاقة الكبرى إلى نموذج أوسع يقوم على الاستثمار والإنتاج والتصدير المشترك.

 

وفى هذا السياق، تصبح أدوات التمويل والضمان الإيطالية عنصرًا حاسمًا، خصوصًا أن المشروعات الصناعية والبنية الأساسية والطاقة المتجددة تحتاج إلى تمويل طويل الأجل، فيما يمكن للضمانات الحكومية وآليات التمويل الميسر أن تخفض مخاطر الاستثمار فى الأسواق الإفريقية.

 

وشهد منتدى الأعمال المصرى الإيطإلى مناقشة هذه الأدوات بمشاركة مؤسسات مالية ومصرفية من الجانبين، من بينها "Cassa Depositi e Prestiti" والبنك الأهلى المصرى ومجموعة "Intesa Sanpaolo"، بما يعكس محأولة ربط ألفرص الاستثمارية بقدرات تمويلية فعلية.

 

وفى يونيو 2026، أقرت اللجنة المشتركة الإيطالية للتعأون الإنمائى حزمة تدخلات تتجأوز 620 مليون يورو، منها نحو 500 مليون يورو موجهة لإفريقيا، وأكثر من 120 مليون يورو ضمن "خطة ماتي"، وفقًا لوزارة الخارجية الإيطالية.

 

 

من قناة السويس إلى أفريقيا

المعادلة الجديدة التى تتشكل بين القاهرة وروما تبدو أوسع من مجرد زيادة الاستثمارات الإيطالية داخل مصر، حيث تبحث إيطاليا عن بوابة اقتصادية أكثر عمقًا إلى أفريقيا، ومصر تمتلك موقعًا وبنية أساسية وشبكة موانئ واتفاقيات تجارية تسمح لها بلعب هذا الدور.

 

وفى المقابل، تحتاج مصر إلى تعظيم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وزيادة التصنيع والتصدير، وتعميق سلاسل القيمة المحلية، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الأوروبية.

 

وهنا تلتقى أهداف الطرفين، وهى، إيطاليا التى تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصناعية، ومصر التى تمتلك الموقع والسوق والعمالة والبنية اللوجستية والنفإذ إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية.

 

لذلك، فإن نجاح الشراكة المصرية الإيطالية فى إطار خطة ماتى لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم التجارة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه العلاقات إلى مصانع ومشروعات تصديرية وسلاسل إنتاج مشتركة.

 

ومن هذه الزأوية، تصبح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أكثر من مجرد منطقة استثمارية، إذ يمكن أن تتحول إلى حلقة الوصل بين الاستراتيجية الإيطالية فى إفريقيا والطموح المصرى للتحول إلى مركز إقليمى للتصنيع والتجارة واللوجستيات.

2ea9f6df-c62d-42c4-9486-d64a07e5a611

print