لبنان - صورة أرشيفية
بينما تتجه الأنظار إلى الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران ومضيق هرمز، تفتح على بعد مئات الكيلومترات جبهة أخرى قد تكون أكثر خطورة على مسار الحرب. ففي جنوب لبنان، تحولت «تلة علي الطاهر» من موقع عسكري في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى نقطة تماس محتملة بين إسرائيل وإيران نفسها، بعد تحذير إيراني من أن مهاجمة الموقع قد تقابل بضربة واسعة على إسرائيل.
التحذير، الذي نقلته طهران إلى واشنطن، يضع لبنان مجدداً في قلب الحسابات الإقليمية، ويطرح احتمال أن تأتي الجولة المقبلة من التصعيد ليس من هرمز أو من ضربة مباشرة داخل إيران، وإنما من جنوب لبنان، خصوصاً مع رفع إسرائيل جاهزيتها العسكرية وإعلان مسؤوليها صراحة أن العودة لضرب طهران يمكن أن تتم خلال وقت قصير.
إيران تحذر عبر واشنطن.. الهجوم على التلة سيقابله رد واسع
ونقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين مطلعين أن إيران حذرت الولايات المتحدة من أنها سترد بقوة إذا نفذت إسرائيل هجوماً شاملاً على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، حيث يُعتقد بوجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب مقاتلين من حزب الله.
وبحسب المسؤولين، نقلت طهران رسالتها إلى الولايات المتحدة عبر سلطنة عمان في منتصف أغسطس، وحذرت من أن الهجوم الإسرائيلي على الموقع سيقابل بهجوم إيراني واسع النطاق على إسرائيل.
وقالت مصادر أمنية لبنانية لـ«رويترز» إنه يُعتقد أن حزب الله أقام مركز قيادة تحت الأرض ومخازن أسلحة داخل التلة التي تطل على جنوب شرق لبنان، وتحولت إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المواجهة بين الحزب وإسرائيل.
وقال اثنان من المسؤولين للوكالة إن أكثر من عشرة عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضابطان كبيران على الأقل، كانوا برفقة مقاتلين من حزب الله في الموقع، أما المسؤول الثالث، وهو مصدر أجنبي قالت «رويترز» إنه على علم مباشر بالرسالة الإيرانية، فأوضح أن إسرائيل أرجأت اقتحام التلة نتيجة ضغوط أمريكية.
ورغم ذلك، تشير المعطيات إلى أن العملية لم تسقط نهائياً من الحسابات الإسرائيلية، وأن اقتحام الموقع لا يزال خياراً مطروحاً، ما يجعل أي تحرك عسكري حول التلة قادراً على تجاوز حدود المواجهة التقليدية بين إسرائيل وحزب الله.
كاتس يهدد: سنعيد إيران إلى «العصر الحجري»
الرد الإسرائيلي على التهديد الإيراني لم يتأخر، وجاء هذه المرة من وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي رفع سقف التهديد إلى استهداف البنية التحتية الإيرانية، بما فيها منشآت الطاقة، وقال كاتس، خلال حفل بمناسبة رأس السنة اليهودية، إن إسرائيل ترصد مؤشرات على أن الضغوط الاقتصادية القاسية والمخاوف الداخلية في إيران قد تدفع طهران إلى اتخاذ ما وصفه بـ«إجراءات يائسة».
وأضاف أن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيجعلها في حل من القيود المفروضة عليها، مهدداً بضرب البنية التحتية الإيرانية بالكامل، بما فيها منشآت الطاقة، و«إعادة إيران إلى العصر الحجري والظلام»، بحسب تعبيره، وأكد أن إسرائيل مستعدة دفاعياً وهجومياً لمختلف السيناريوهات، وأن الجيش جاهز لتنفيذ المهمة.
وتكتسب تصريحات كاتس أهمية إضافية لأنها جاءت بالتزامن مع الكشف عن الرسالة الإيرانية المرتبطة بجنوب لبنان، ما يربط للمرة الأولى بهذه الدرجة من الوضوح بين أي عملية إسرائيلية محتملة ضد موقع لحزب الله داخل الأراضي اللبنانية وبين احتمال اندلاع مواجهة مباشرة جديدة مع إيران.
إسرائيل تضع طائراتها على أهبة الاستعداد
التهديدات السياسية تتزامن مع استعدادات عسكرية فعلية. فقد قال مصدر أمني إسرائيلي لموقع المونيتور إن سلاح الجو الإسرائيلي لا يزال في حالة تأهب قصوى ويمكنه العودة إلى مهاجمة إيران خلال فترة قصيرة، وقال المصدر: "نعرف كيف نمهد الطريق للعودة إلى قلب طهران في وقت قصير".
وبحسب المونيتور، تختلف التقديرات داخل المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية بشأن توقيت الجولة المقبلة؛ فهناك من يعتقد أن مواجهة جديدة قد تكون قريبة، بينما يرى آخرون أنها قد تتأجل، إلا أن الجيش يستعد للسيناريوهين.
وتشير تقديرات المسؤولين الإسرائيليين إلى أن امتناع إيران حتى الآن عن توجيه هجمات مباشرة إلى إسرائيل، رغم استهدافها قواعد ومصالح أمريكية، يمكن تفسيره بطريقتين: إما أن طهران تحتفظ بالجبهة الإسرائيلية كورقة لمرحلة لاحقة، أو أنها تخشى حجم الرد الذي قد تواجهه إذا قررت استخدامها.
وهنا تبرز خطورة جبهة لبنان، لأنها قد تضع إيران أمام اختبار مختلف؛ فإذا نفذت إسرائيل عملية ضد موقع تقول المعلومات إن عناصر من الحرس الثوري موجودون داخله، قد تجد طهران نفسها أمام خيار الرد المباشر أو التراجع عن تهديد سبق أن نقلته إلى واشنطن.
وإذا وقع هذا السيناريو، فإن أهداف إسرائيل لن تتوقف بالضرورة عند الرد على مصدر الهجوم، فقد قالت مصادر دبلوماسية إسرائيلية لـ«المونيتور» إن الأولوية في أي مواجهة جديدة ستكون تدمير ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني.
وفي واشنطن، لم يغلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام استمرار العمليات العسكرية، رغم قوله إن الحملة الجديدة ضد إيران لن تستمر طويلاً.
وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض إن الولايات المتحدة مستعدة لتنفيذ هجوم آخر على إيران «متى شئنا»، مشيراً إلى أن الضربات الأمريكية استهدفت معدات إيرانية قرب مضيق هرمز، بينها أنظمة وصف بعضها بالدفاعي وبعضها الآخر بالهجومي.
وقال ترامب إن إيران كانت تحاول بناء صاروخ قادر على إسقاط ألغام، وإن القوات الأمريكية دمرته، كما استهدفت محاولات طهران لإعادة بناء أنظمة الرادار والصواريخ.
وأضاف: "كان هجوماً ثقيلاً جداً الليلة الماضية، ونحن مستعدون لشن هجوم آخر متى شئنا"، وجاءت تصريحاته بعد جولة جديدة من التصعيد قالت خلالها إيران إنها هاجمت بالصواريخ والطائرات المسيّرة قواعد ومصالح أمريكية في الأردن والعراق والبحرين، فيما أعلنت الكويت تعرضها لهجمات إيرانية. وأعقبت الهجمات ضربات أمريكية على إيران أسفرت عن مقتل 19 شخصاً على الأقل، في واحدة من أكبر حصائل الخسائر البشرية خلال الأشهر الأخيرة.
من هرمز إلى لبنان.. أين تبدأ الجولة المقبلة؟
حتى الآن، تبدو جميع الأطراف وكأنها تحاول إبقاء التصعيد داخل حدود يمكن التحكم فيها، لكن تلة صغيرة في جنوب لبنان قد تختبر هذه المعادلة، إسرائيل لم تتخل، وفق المعلومات المنشورة، عن خيار مهاجمة تلة علي الطاهر، وإيران حولت الموقع إلى خط أحمر عبر رسالة مسبقة إلى واشنطن، بينما نجحت الضغوط الأمريكية حتى الآن في تأجيل التحرك الإسرائيلي، لا في إلغائه.
وفي الوقت نفسه، يبقى سلاح الجو الإسرائيلي على أهبة الاستعداد، ويعلن نتنياهو وكاتس أن الرد على أي ضربة إيرانية سيكون واسعاً، فيما يؤكد ترامب أن القوات الأمريكية قادرة على مهاجمة إيران مجدداً في أي وقت.
وبينما انصب الاهتمام خلال الفترة الماضية على مضيق هرمز باعتباره أخطر نقاط الاحتكاك في المنطقة، قد تكون بوابة التصعيد المقبلة أبعد إلى الغرب. فتلة علي الطاهر لم تعد في هذه الحسابات مجرد موقع في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وإنما أصبحت نقطة يمكن أن يؤدي الهجوم عليها إلى إعادة إيران وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة، وربما فتح جولة جديدة يصعب هذه المرة إبقاؤها داخل حدود جنوب لبنان.