العلاقات الأمريكية الصينية
هل يخفف "التنين" الصيني قبضة ترامب على طهران.. استراتيجية ترامب تجاه إيران تتحول إلى الضغط الاقتصادي بدلاً من الحرب.. وتضيّق الخناق على النفط الإيرانية.. بكين ترفض العقوبات وتلوّح بحماية مصالحها.. وإعلام أمريكي: الصين شريان للنفط الإيراني يصعب قطعه
بينما تكثف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطها الاقتصادية على إيران، تتجه الأنظار إلى بكين باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في قدرة واشنطن على خنق الاقتصاد الإيراني أو إبقاء منافذ النجاة مفتوحة أمام طهران. فالصين، التي تشتري الجزء الأكبر من النفط الإيراني المنقول بحراً، تمثل شرياناً اقتصادياً رئيسياً لإيران، فيما ترفض بكين العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب وتتمسك بحقها في إدارة علاقاتها التجارية مع الدول الأخرى.
دخل التصعيد الاقتصادي الأمريكي ضد إيران مرحلة جديدة مع إعلان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ما وصفه بـ"عملية المنبوذ الاقتصادي"، متوعداً بفرض عقوبات شديدة على الدول والشركات والمؤسسات التي تواصل التعامل مع طهران.
وبحسب شبكة "CNN"، فإن نجاح هذه الحملة أو فشلها يرتبط بدرجة كبيرة بموقف الصين، التي تستحوذ على الحصة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. وتشير تقديرات أوردها التقرير إلى أن النفط يمثل مصدراً رئيسياً لعائدات إيران، بينما تعتمد طهران على قنوات تجارية ومالية طورتها على مدى سنوات لتجاوز العقوبات الأمريكية.
ولم تتأخر بكين في الرد. فقد تعهدت وزارة الخارجية الصينية باتخاذ "جميع الإجراءات اللازمة" لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة في مواجهة العقوبات الأمريكية.
وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان إن "الحرب الاقتصادية والضغوط القصوى" لن تساعد في حل الأزمة، وإنما ستزيد التوترات والمخاطر التي قد تمتد آثارها إلى النظام الاقتصادي والمالي العالمي.
الموقف الصيني لا يعكس فقط دعماً لإيران، وإنما يرتبط أيضاً برفض بكين مبدأ العقوبات الثانوية، التي تمنح واشنطن القدرة على التأثير في شركات ومصارف صينية لمجرد تعاملها مع دولة ثالثة خاضعة للعقوبات الأمريكية.
وتعتمد إيران بصورة كبيرة على قدرتها على بيع النفط، فيما تمثل الصين السوق الأهم أمام صادراتها. وتتم هذه التجارة إلى حد كبير بعيداً عن النظام المالي التقليدي الذي تهيمن عليه العملة الأمريكية، وهو ما يجعل قطعها أكثر صعوبة.
وتشير "CNN" إلى أن المصافي الصينية الخاصة، المعروفة باسم "مصافي أباريق الشاي"، تلعب دوراً مهماً في استيراد الخام الإيراني. وتعمل هذه المصافي من خلال شبكات من الموانئ والناقلات والوسطاء الماليين المصممة لتقليل تعرضها للعقوبات الأمريكية.
كما أن جزءاً من هذه التجارة لا يظهر بصورة رسمية في بيانات الاستيراد الصينية، بعدما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران عقب انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي، لكن واشنطن تراهن على أن الضغط على هذه الشبكات يمكن أن يكون أكثر فاعلية من إضافة المزيد من الكيانات الإيرانية إلى قوائم العقوبات.
وتمتلك الولايات المتحدة أدوات قوية للتأثير في الشركات والبنوك التي تتعامل مع إيران، لكن استخدامها ضد الصين يحمل مخاطر مختلفة تماما، فالصين ليست مجرد دولة تستورد النفط الإيراني، وإنما قوة اقتصادية كبرى تربطها بالولايات المتحدة شبكة ضخمة من العلاقات التجارية والمالية. كما تمتلك بكين أوراق ضغط مهمة، من بينها موقعها المركزي في سلاسل توريد بعض المعادن الأرضية النادرة ذات الأهمية الاستراتيجية للصناعات الأمريكية.
وكان بيسنت قد أعلن أن واشنطن وجهت تحذيرات إلى مصرفين صينيين لم يسمهما بسبب معاملات مرتبطة بإيران، مؤكداً أن "لا أحد فوق" العقوبات الأمريكية، لكن التصعيد ضد مصارف صينية كبرى قد يدفع بكين إلى الرد.
يتزامن التصعيد الاقتصادي مع استعداد الرئيس الصيني شي جينبينغ لزيارة مرتقبة إلى الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى إدارة ملفات تجارية واقتصادية شديدة الحساسية، وبحسب "CNN"، فإن توقيت العقوبات يفرض على الجانبين إجراء حسابات دقيقة، خصوصاً أن أي تصعيد ضد شركات صينية قد يؤثر في المناخ السياسي المحيط بالقمة.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو الصين راغبة في الظهور باعتبارها طرفاً يعرقل جهود إنهاء الحرب أو إعادة الاستقرار إلى المنطقة، ولهذا، قد تلجأ بكين إلى خيارات أكثر هدوءاً، مثل خفض مشترياتها من النفط الإيراني تدريجياً أو توجيه رسائل إلى طهران بشأن ضبط النفس، بدلاً من إعلان تعاون مباشر مع حملة العقوبات الأمريكية.
ولا تقتصر المصالح الصينية والأمريكية على الخلاف بشأن العقوبات. فتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز يضر بالطرفين، خصوصاً أن المضيق يمثل ممراً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، ويأتي التصعيد الاقتصادي في إطار تحول أوسع في استراتيجية إدارة ترامب، وفق ما نقله موقع "أكسيوس" عن مسؤول أمريكي ومصدر مطلع.
وبحسب التقرير، أبلغ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عدداً من نظرائه في الدول الحليفة أن واشنطن لا تعتزم في الوقت الحالي شن هجمات جديدة على إيران، وأن التركيز سينصب على تشديد الضغوط الاقتصادية، ومواصلة الحصار البحري، وزيادة نقل النفط عبر مضيق هرمز.
وتشمل الاستراتيجية الأمريكية أربعة مسارات رئيسية: تجميد التحرك العسكري مؤقتاً، تشديد العقوبات والحصار البحري، زيادة تدفق النفط عبر هرمز، والإبقاء على الخيار العسكري مفتوحاً في المستقبل.
كما قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إن الضغط الاقتصادي يلحق حالياً أكبر قدر من الضرر بإيران، معتبراً أن استمرار هذا الضغط قد يدفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
وتقول واشنطن إن الحصار أدى بالفعل إلى تقليص قدرة إيران على تصدير النفط، فيما لم تُرصد تقريباً ناقلات نفط بالقرب من جزيرة خارك، مركز تصدير النفط الإيراني، خلال فترة حديثة من التصعيد، وفق ما نقله "أكسيوس".
المعادلة في النهاية لا تتوقف على حجم العقوبات الأمريكية، وإنما على قدرة واشنطن على إجبار الصين على الاختيار بين الاستمرار في التجارة مع إيران وتجنب العقوبات، فإذا نجحت في تضييق الخناق على المشترين والوسطاء الصينيين، ستواجه إيران ضربة قوية لأحد أهم مصادر دخلها. أما إذا تمكنت بكين من الحفاظ على قنوات تجارتها مع طهران، ولو بصورة أقل من السابق، فقد تجد واشنطن أن قبضة العقوبات ليست محكمة بالقدر الذي تراهن عليه.
وفي الحالتين، تبدو الصين أكثر من مجرد مشترٍ للنفط الإيراني؛ فهي العامل الذي قد يحدد ما إذا كانت الحملة الاقتصادية الأمريكية ستتحول إلى حصار فعلي على الاقتصاد الإيراني، أم ستبقى حلقة جديدة في صراع طويل اعتادت طهران خلاله البحث عن طرق للالتفاف على العقوبات.