الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 09:40 ص

كارثة "التمويل المجهول".. مدرسة دولية تستولى على 321 مليون جنيه بأسماء 619 ولي أمر عبر 839 عقدًا وهميًا.. خبير يكشف آليات ارتكاب الجريمة.. ويؤكد: صورة البطاقة لا تنشئ مديونية دون "إرادة حقيقية"

كارثة "التمويل المجهول".. مدرسة دولية تستولى على 321 مليون جنيه بأسماء 619 ولي أمر عبر 839 عقدًا وهميًا.. خبير يكشف آليات ارتكاب الجريمة.. ويؤكد: صورة البطاقة لا تنشئ مديونية دون "إرادة حقيقية" المتهم - صاحب المدرسة
الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

بعد فوضى خطوط الهواتف المحمولة، طفت على السطح ظاهرة جديدة وجريمة أخرى ألا وهى فوضى القروض الاستهلاكية، ما يؤكد معه أن البيئة والبنية الرقمية في مصر تحتاج لمعالجة قانونية منضبطة، وهو ما كشفت تفاصيله بيان النيابة العامة حول  واقعة حصول رئيس مجلس إدارة إحدى المدارس الدولية بالقاهرة الجديدة على تسهيلات ائتمانية بلغت قيمتها 321 مليون جنيه، بأسماء عدد من أولياء أمور طلاب المدرسة، دون علمهم أو موافقتهم.

 

التحقيقات الأولية كشفت أن ممثل الشركة المانحة للتسهيلات قرر إبرام 839 عقدًا مع المتهم بصفته رئيسًا لمجلس إدارة المدرسة، بإجمالي 321 مليون جنيه، وذلك بأسماء عدد من أولياء الأمور، كما كشفت التحقيقات عن ترتب آثار ائتمانية على أولياء الأمور الذين استُخدمت بياناتهم، رغم عدم طلبهم تلك التسهيلات أو موافقتهم عليها، ما يؤكد معه أن البيئة والبنية الرقمية في مصر تحتاج لمعالجة قانونية منضبطة، وذلك من خلال سن تشريع خاص بهذه الجرائم أو تغليظ عقوبتها.  

 

20260811011104114

 

التمويل الاستهلاكي وكارثة القروض التعليمية باسم العملاء دون علمهم  

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على التمويل الاستهلاكي وكارثة القروض التعليمية باسم العملاء دون علمهم، خاصة وأن الكارثة الكبرى ليست فقط في مدير المدرسة الذى ارتكب هذا الجُرم لكن فى المؤسسات التى منحته 839 عقد ائتماني بإجمالي مبالغ قدرها 321 مليون جنيه بأسماء وصور بطاقات لمواطنين ليس لديهم علم عن هذه القروض، يعنى المؤسسات الائتمانية حررت تلك العقود فى غيبة المواطنين ودون حضورهم أو علمهم أو موافقتهم، أى دون التأكد من شخصيتهم أو توقيعاتهم على تلك العقود الائتمانية، فإذا كان تصرف مدير المدرسة كارثة فتصرف المؤسسات الائتمانية كارثة أكبر تحتاج لوقفه تشريعى هي الأخرى للقضاء على هذه الظاهرة – بحسب الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار.

 

في البداية - أصبح التمويل الاستهلاكي أحد الأدوات المهمة لتمكين الأفراد من الحصول على السلع والخدمات وسداد قيمتها وفق نظم تمويلية مختلفة، وقد امتد نطاقه ليشمل قطاعات متعددة، من بينها الخدمات التعليمية والطبية والسفر والسياحة وغيرها، ولم يترك المشرع المصري هذا النشاط لقواعد المعاملات المدنية العامة وحدها، وإنما أقام له تنظيمًا تشريعيًا خاصًا بموجب القانون رقم 18 لسنة 2020 بشأن تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي، وأخضع النشاط لنظام من الترخيص والحوكمة والرقابة تختص به الهيئة العامة للرقابة المالية – وفقا لـ"عمار". 

 

ححسس

 

غير أن التطورات العملية كشفت عن صورة شديدة الخطورة، تتمثل في التلاعب بتمويلات وهمية ونسبتها لأشخاص معينين بأسمائهم دون علمهم أو ثبوت صدور إرادة منهم في طلبها أو التعاقد بشأنها، بما قد يترتب عليه المساس بذممهم المالية وسجلاتهم الائتمانية وبياناتهم الشخصية، فضلًا عما قد ينشأ عن الواقعة — بحسب ما يسفر عنه الفحص والتحقيق — من مسؤوليات مدنية أو جنائية أو رقابية – الكلام لـ"عمار".  

 

4 أسئلة هامة يجب الإجابة عليها؟

 

وقد أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية، بحسب ما نُشر عن تصريحات رئيسها في أغسطس 2026، عن واقعة تخص مدرسة "جلوبال بارادايس"، بلغ إجمالي التمويلات محل الواقعة نحو 319 مليون جنيه، موزعة على 619 عميلًا من خلال 839 عقدًا تمويليًا، مع اتخاذ إجراءات لمعالجة الآثار السلبية التي لحقت بالسجلات والدرجات الائتمانية للمواطنين المتضررين، وفي تطور لاحق تم الإعلان على القبض على مالك المدرسة المتورط في هذه الفضيحة الكبرى، وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة القانونية المهمة – طبقا لـ"عمار":

 

>>هل ينعقد عقد التمويل دون صدور إرادة منسوبة إلى العميل؟

>>وهل تكفي صورة بطاقة الرقم القومي أو بيانات الشخص لإنشاء التزام مالي في ذمته؟

>>ومن يتحمل المسؤولية إذا استُخدمت بيانات العميل في إنشاء تمويل لم يطلبه؟

>>وما حدود مسؤولية شركة التمويل والجهة التي قدمت البيانات؟ 

 

619636

 

هذه الأسئلة تكشف أن المسألة لا تتعلق بمجرد "قرض تمويلي أو استهلاكي"، وإنما تتقاطع فيها أطر قانونية مختلفة مثل قواعد العقد والإثبات والتزوير والنصب وحماية البيانات والرقابة المالية والاستعلام الائتماني.

 

أولًا: الإطار التشريعي للتمويل الاستهلاكي

 

نظم القانون رقم 18 لسنة 2020 نشاط التمويل الاستهلاكي، وعرّف التمويل الاستهلاكي بأنه النشاط الذي يهدف إلى توفير التمويل المخصص لشراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية متى تمت مزاولته على وجه الاعتياد، كما حدد نطاق السلع والخدمات التي تخضع لأحكامه، وتشمل الخدمات التعليمية والخدمات الطبية وخدمات السفر والسياحة وغيرها من الأنشطة التي أجازها القانون – كما أوضح "عمار".

 

وقد أقام القانون تمييزًا مهمًا بين:

 

 1. شركات التمويل الاستهلاكي

 

وهي الشركات المرخص لها بممارسة نشاط التمويل الاستهلاكي والخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، وقد اشترط القانون بالنسبة إليها شكلًا قانونيًا وضوابط لرأس المال والحوكمة والبنية التكنولوجية وإدارة المخاطر، ولا يقل رأس المال المصدر المدفوع عن الحد الذي يقرره مجلس إدارة الهيئة، على ألا يقل في جميع الأحوال عن عشرة ملايين جنيهاً – كما يرى الخبير القانونى.  

 

e1ef578

 

2. مقدمو التمويل الاستهلاكي

 

وهم الفئة التي حدد القانون نطاقها وضوابطها على نحو مستقل، وربط الترخيص في شأنها بممارسة نشاط بيع أو توزيع السلع محل التمويل، وبالحدود التي حددها القانون وقرارات الهيئة، ومن ثم لا يجوز افتراض أن كل جهة تقدم خدمة استهلاكية تُعد تلقائيًا "مقدم تمويل استهلاكي" بالمعنى القانوني، وإنما يتعين الرجوع إلى تعريف القانون ونطاق تطبيقه وطبيعة النشاط الذي تمارسه الجهة، وكذا الترخيص الصادر عن الجهة المختصة، وهذه التفرقة تكتسب أهمية خاصة عند تحليل التمويلات المرتبطة بالخدمات التعليمية – بحسب "عمار".

 

ثانيًا: عقد التمويل لا يقوم على البيانات وحدها وإنما على الإرادة

 

ألزم القانون شركات التمويل الاستهلاكي بإبرام عقد مع العميل وفق النموذج الذي تضعه الهيئة، وأن يتضمن العقد — على وجه الخصوص — تحديد السلعة أو الخدمة محل التمويل، وسعرها، ومبلغ التمويل، ومدة السداد، وعدد الأقساط وقيمة كل منها، وسعر العائد والضمانات وغيرها من البيانات الجوهرية، ومن هنا تظهر قاعدة قانونية شديدة الأهمية: وجود بيانات الشخص لدى جهة ما لا يعني -بطبيعة الحال- ثبوت إرادته في إبرام عقد التمويل. 

 

فصورة بطاقة الرقم القومي، أو رقم الهاتف، أو البيانات الشخصية، أو حتى وجود محرر يحمل توقيعًا منسوبًا إلى العميل، لا يغني — عند المنازعة — عن بحث مدى صحة المستند ونسبته إلى صاحبه وحقيقة الإرادة التي صدر عنها، فالعقد لا يستمد قوته من مجرد وجود اسم الشخص على الورق، وإنما من تلاقي واتفاق إرادة أطرافه وفقًا للقواعد القانونية للإبرام العقود.  

 

164578-164578-18ec9423-a63a-47e4-a110-75554ca40b58

 

ثالثًا: ما التكييف القانوني للعقد الذي لم يطلبه العميل؟

 

يُجيب "عمار": نلفت الانتباه هنا إلى ضرورة عدم التسرع وتحاشى استعمال المصطلحات القانونية المختلفة (البطلان — الانعدام — عدم النفاذ — عدم الحجية — عدم ثبوت النسبة - ...) قبل التثبت، فهذه أوصاف قانونية مختلفة، ولا يجوز استعمال أحدها مكان الآخر دون فحص حقيقة الواقعة للوقوف على الوصف القانوني السليم، فإذا ثبت مثلًا أن توقيع العميل قد اصطنع ونُسب إليه زورًا، فإن النزاع يتصل أولًا بمدى نسبة المحرر إليه وحجيته، فضلًا عن الآثار المدنية والجنائية المترتبة على التزوير.

 

أما إذا كان هناك شخص قد تعاقد باسم العميل دون وكالة أو تفويض صحيح، فإن التكييف قد يختلف، ومن ثم فالأدق أن يقال: "لا يجوز تحميل الشخص التزامًا ناشئًا عن عقد لم يثبت صدوره عنه أو تمثيله فيه على نحو صحيح، وتحدد المحكمة التكييف القانوني الدقيق بحسب حقيقة الواقعة والأدلة المطروحة"، وهذه الصياغة أكثر انضباطًا من الجزم بأن كل عقد من هذا النوع "منعدم" بالضرورة. 

 

images (1)

 

رابعًا: صورة بطاقة الرقم القومي لا تنشئ مديونية

 

من أخطر الأخطاء العملية الاعتقاد بأن حيازة صورة بطاقة الرقم القومي تسمح بإنشاء التزام مالي على صاحبها، فالبطاقة تثبت هوية صاحبها، لكنها لا تثبت بذاتها أنه التعاقد بطلب التمويل أو الموافقة على شروطه أو تسلم قيمته، ولهذا فإن النزاع الجاد ينبغي أن ينتقل من السؤال: هل البيانات صحيحة؟ إلى السؤال الأهم:

 

>>هل ثبت أن صاحب البيانات هو الذي طلب التمويل ووافق عليه واستفاد منه؟

 

خامسًا: المسؤولية الجنائية المحتملة

 

إذا أسفر الفحص والتحقيق عن استخدام مستندات أو بيانات أو توقيعات منسوبة إلى العملاء دون حقيقتها، فقد تنشأ — بحسب الوقائع والأدلة — عدة أوصاف جنائية.

 

1. التزوير واستعمال المحرر المزور

 

إذا ثبت اصطناع محررات أو طلبات تمويل أو توقيعات منسوبة إلى العملاء على خلاف الحقيقة، فقد تنطبق النصوص العقابية الخاصة بالتزوير، ومنها المادة 215 من قانون العقوبات بالنسبة للمحررات العرفية، متى توافرت أركان الجريمة وعناصرها القانونية، ولا يكفي مجرد المنازعة في التوقيع لإثبات الجريمة، وإنما يتعين ثبوت تغيير الحقيقة في محرر على نحو تتوافر به أركان التزوير والقصد الجنائي والضرر أو احتمال وقوعه بحسب الأحوال. 

 

images (2)

 

2. النصب

 

قد يثور كذلك وصف النصب إذا اقترنت الواقعة بوسائل احتيالية من شأنها إيهام الغير وحمله على تسليم المال، وفقًا للمادة 336 من قانون العقوبات، لكن مجرد وجود تمويل غير صحيح لا يعني تلقائيًا قيام جريمة النصب؛ إذ يجب بحث الوسائل الاحتيالية ودور كل شخص والقصد الجنائي وعلاقة السببية بين السلوك وتسليم المال.

 

3. جرائم تقنية المعلومات

 

إذا استُخدمت أنظمة معلومات أو وسائل إلكترونية في ارتكاب أفعال مجرّمة، فقد تنطبق نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، بحسب طبيعة الفعل وتوافر عناصر النص العقابي المنطبق، وهنا يجب التنبيه إلى أمر مهم؛ ليس كل تزوير يُرتكب باستخدام الحاسب أو الوسائل الإلكترونية يتحول تلقائيًا إلى جريمة مستقلة بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بل يتعين تحديد الفعل الإلكتروني ذاته، والنص الذي ينطبق عليه، ومدى توافر أركانه. 

 

ننسس

 

4. أحكام قانون حماية البيانات الشخصية

 

سنتناوله مستقلاً فيما يلي:

 

سادسًا: حماية البيانات الشخصية — مسار قانوني مستقل

 

يقرر القانون رقم 151 لسنة 2020 بشأن حماية البيانات الشخصية أصلًا عامًا مؤداه عدم جواز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشائها إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني أو في الأحوال المصرح بها قانونًا، وقد صدرت اللائحة التنفيذية للقانون بموجب قرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 816 لسنة 2025، لتضع الإطار التنفيذي لعمليات جمع البيانات ومعالجتها وحفظها وتأمينها والالتزامات الواقعة على المتحكمين والمعالجين.

 

ومن هنا يجب التمييز بين أمرين:

 

جمع البيانات لغرض مشروع ومحدد،

 

وبين:

 

إعادة استخدام البيانات لإنشاء التزام مالي جديد لم يوافق عليه صاحبها.

 

فمجرد أن مدرسة أو شركة أو جهة ما حصلت بصورة مشروعة على بيانات ولي الأمر لا يعني أن لها مطلق الحرية في إعادة استخدامها لأي غرض آخر، والسؤال القانوني الصحيح هو: 

 

>>من جمع البيانات؟ ولأي غرض؟ وعلى أي أساس قانوني؟ ومن قام بمعالجتها؟ وهل تم الإفصاح عنها للغير؟ وما الغرض من هذا الإفصاح؟ وهل كان له سند قانوني؟

 

وهذه الأسئلة قد تفتح — بحسب الوقائع — باب المسؤولية المدنية أو الإدارية أو الجنائية وفقًا للقانون.  

 

ممسس

 

سابعًا: السرية في قانون التمويل الاستهلاكي

 

لم يقتصر المشرع على حماية البيانات من خلال القانون العام لحماية البيانات، وإنما قرر في قانون التمويل الاستهلاكي ذاته التزامًا خاصًا بالسرية، فقد ألزمت المادة الخامسة شركات التمويل ومديريها ومستشاريها ومقدمي التمويل والعاملين لديهم بالمحافظة على السرية التامة للعملاء وعدم إفشاء معلوماتهم أو معاملاتهم إلى الغير دون موافقة كتابية مسبقة، إلا في الحالات التي تفرض فيها القوانين تقديم معلومات محددة.  

 

ومن ثم، فإن حماية بيانات العميل في هذا المجال تقوم على مستويين متكاملين:

 

>>حماية خاصة مقررة في قانون التمويل الاستهلاكي،

و

>>حماية عامة مقررة في قانون حماية البيانات الشخصية.

 

ثامنًا: مسؤولية شركة التمويل — التحقق من العميل ليس إجراءً شكليًا

 

أوجب القانون على شركات التمويل وضع ضوابط وإجراءات لمنح التمويل، وإدارة المخاطر، والاستعلام عن العملاء لدى إحدى شركات الاستعلام الائتماني، والتعامل مع شكاوى العملاء. كما اشترط توافر البنية التكنولوجية وأنظمة المعلومات اللازمة لمباشرة النشاط، ومن ثم فإن التحقق من:

* هوية العميل؛

* صحة بياناته؛

* سلامة المستندات؛

* مصدر طلب التمويل؛

* نسبة التوقيع إلى صاحبه؛

* مسار صرف مبلغ التمويل؛ 

 

ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما يمثل جزءًا من إدارة مخاطر الائتمان وسلامة منح التمويل، لكن في المقابل، يجب ألا نصل إلى نتيجة معاكسة فنقول إن شركة التمويل مسؤولة جنائيًا بمجرد وقوع تزوير، فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا تثبت إلا بتوافر أركان الجريمة في حق من نسبت إليه غير أن الشركة بطبيعة الحال قد تسأل مدنياً عن الأضرار طبقاً لأحكام المسئولية التقصيرية، ومسئولية المتبوع عن أعمال تابعيه. 

 

ككط

 

تاسعًا: واقعة التمويلات التعليمية — ما الذي أعلنته الهيئة؟

 

بحسب ما أُعلن عن رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، فقد بلغت التمويلات محل الواقعة نحو "319 مليون جنيه لـ619 عميلًا من خلال 839 عقدًا تمويليًا"، مع اتخاذ إجراءات عاجلة للفحص والتفتيش ومتابعة إزالة الآثار السلبية التي لحقت بالسجلات الائتمانية للمواطنين المتضررين، واللافت هنا أن عدد العقود تجاوز عدد العملاء، وهو ما فُسر بإمكانية وجود أكثر من عقد تمويلي للعميل الواحد.  

 

لكن يجب أن يظل التوصيف القانوني للواقعة مرتبطًا بما تسفر عنه أعمال الفحص والتحقيق، فلا يجوز للمقال المهني أن يحول واقعة ما زالت محل فحص إلى حكم نهائي بالمسؤولية الجنائية، وإن كانت السلطات قد أعلنت القبض على مدير المدرسة المتورط في الواقعة.

 

وهذه قاعدة مهمة في الكتابة القانونية:

 

> بيان الواقعة شيء، والأطر القانونية المرتبطة بها شئ، والحكم فيها شيء آخر. 

 

عاشرًا: التقرير الائتماني — الضرر قد يتجاوز قيمة التمويل

 

لا تتوقف آثار التمويل غير المستحق عند مطالبة المواطن بأقساط لم يطلبها، فإدراج مديونية غير صحيحة في البيانات الائتمانية قد يؤثر في تقييم الجدارة الائتمانية للعميل وقدرته المستقبلية على الحصول على تمويل أو تسهيلات، ولهذا فإن إزالة التمويل غير المستحق من السجل الائتماني ليست مجرد معالجة شكلية، وإنما تستهدف إعادة المركز الائتماني للمواطن إلى وضعه الصحيح.

 

ومن الناحية العملية، ينبغي لأي شخص يكتشف تمويلًا لا يعلم عنه شيئًا أن يبادر إلى: الاعتراض، والحصول على المستندات، وتوثيق موقفه، ومراجعة السجل الائتماني، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

 

الحادي عشر: المسارات القانونية تتداخل وتتكامل ولا تختلط

 

من الخطأ النظر إلى الواقعة باعتبارها مسارًا قانونيًا واحدًا، فهي قد تتضمن ثلاثة مسارات متوازية:

 

المسار الأول — الرقابي

 

تتولى الهيئة العامة للرقابة المالية فحص مدى الالتزام بالقانون والضوابط الرقابية واتخاذ ما يدخل في اختصاصها من إجراءات.  

 

المسار الثاني — المدني 

 

يتعلق ببحث:

* مدى انعقاد العقد؛

* نسبته إلى العميل؛

* صحة الالتزام؛

* رد المبالغ؛

* وقف المطالبة؛

* والتعويض عند توافر شروطه.

 

المسار الثالث — الجنائي

 

يتعلق بتحديد ما إذا كانت هناك جريمة قد وقعت، ومن ارتكبها، ومدى توافر أركانها وقصده الجنائي.

 

الثاني عشر: توزيع المسؤولية — لا يجوز اختزال الواقعة في متهم واحد

 

قد تتوزع المسؤولية — بحسب ما يثبت من التحقيق — بين عدة أطراف:

* من أنشأ طلب التمويل؛

* من قدم البيانات؛

* من استخدم بيانات الغير؛

* من اصطنع المستندات؛

* من تسلم مبلغ التمويل؛

* من أخل بواجبات التحقق؛

* من أفشى البيانات أو أتاحها دون سند؛

* أو من أهمل في اتخاذ الإجراءات التي أوجبها القانون والضوابط.

لكن مجرد وجود علاقة وظيفية أو تعاقدية بالواقعة لا يكفي وحده لإسناد جريمة.

 

فالقاعدة: *المسؤولية الجنائية شخصية، ولا تقوم إلا بثبوت الفعل ونسبته إلى مرتكبه وتوافر أركان الجريمة في حقه.

 

وفي المقابل، إذا ثبت أن جهة التمويل التزمت بالإجراءات والضوابط المقررة، واتخذت وسائل التحقق المناسبة، ولم يثبت علمها بالتزوير أو اشتراكها فيه، فإن مسؤوليتها لا تُفترض، وإنما تُبحث في ضوء الأدلة والوقائع الخاصة بكل حالة.

 

الثالث عشر: دليل عملي للمحامي — كيف يتعامل مع العميل المتضرر؟

 

إذا حضر إليك عميل يؤكد أنه فوجئ بتمويل باسمه لم يطلبه، فلا تبدأ بالمطالبة القضائية قبل بناء ملف الواقعة.

ابدأ بالآتي: 

 

1. الحصول على أصل المستندات 

 

اطلب صورة كاملة من:

* عقد التمويل؛

* طلب التمويل؛

* المستندات المرفقة؛

* التوقيعات؛

* بيانات الهاتف؛

* بيانات الاستعلام الائتماني؛

* مستندات صرف مبلغ التمويل؛

* وأي وسيلة إلكترونية استُخدمت في التعاقد. 

 

 2. تحديد مسار الأموال 

 

السؤال الأهم:

 *أين ذهب مبلغ التمويل؟

هل دخل حساب العميل؟

أم حساب المدرسة؟

أم حساب شخص آخر؟

أم تم سداده مباشرة إلى مقدم الخدمة؟

فمسار المال قد يكون عنصرًا حاسمًا في تحديد الأدوار والمسؤوليات. 

 

3. فحص وسيلة التعاقد 

 

هل كان التعاقد:

* ورقيًا؟

* إلكترونيًا؟

* بتوقيع إلكتروني؟

* بواسطة رمز تحقق؟

* من خلال تطبيق؟

* بواسطة هاتف مسجل باسم العميل؟

كل إجابة تغير البناء الإثباتي للواقعة. 

 

4. الاعتراض الرسمي 

 

يقدم العميل اعتراضًا موثقًا إلى شركة التمويل، مع إثبات عدم طلبه للتمويل وعدم موافقته عليه، وطلب وقف المطالبة بالمديونية محل النزاع وتصحيح البيانات ذات الصلة. 

 

5. الشكوى الرقابية 

 

يُبحث تقديم شكوى إلى الهيئة العامة للرقابة المالية بالمستندات المؤيدة، باعتبارها الجهة المختصة بالرقابة على نشاط التمويل الاستهلاكي. 

 

6. المسار الجنائي 

 

إذا ظهرت شبهة تزوير أو استعمال محررات مزورة أو استيلاء بطريق احتيالي أو إساءة استخدام للبيانات، تُبحث الإجراءات الجنائية المناسبة بحسب حقيقة الواقعة والأدلة. 

 

7. المسار المدني (التعويض) 

 

إذا ترتب على الواقعة ضرر مالي أو أدبي أو ائتماني، يُبحث مدى توافر شروط المسؤولية المدنية والتعويض وفق القواعد القانونية واجبة التطبيق. 

 

الرابع عشر: التدابير التقنية — التكنولوجيا وسيلة إثبات وليست بديلًا عن الإرادة 

 

تكشف هذه الوقائع عن حقيقة قانونية مهمة: 

 

> *كلما ازدادت المعاملات المالية اعتمادًا على التكنولوجيا، ازدادت الحاجة إلى وسائل موثوقة لإثبات الهوية ونسبة الإرادة إلى صاحبها.

ومن هنا تأتي أهمية:

* التحقق متعدد العوامل؛

* مطابقة الهوية؛

* توثيق رقم الهاتف؛

* التحقق من مصدر الطلب؛

* التوقيع الإلكتروني حيث يكون مستوفيًا لشروطه القانونية؛

* حفظ سجلات العمليات الإلكترونية؛

* وتتبع مسار الأموال.

لكن يجب التمييز بين الوسيلة التقنية وبين القيمة القانونية للدليل.

فوجود رسالة OTP أو سجل إلكتروني لا يحسم النزاع وحده، وإنما يبحث القاضي في مدى سلامة النظام ونسبة العملية إلى صاحبها وسلامة السجل الإلكتروني وإمكان الاعتماد عليه في الإثبات. 

 

الخامس عشر: ما الذي ينبغي أن يستخلصه المحامي؟ 

 

يمكن اختصار المنظومة في سبع قواعد عملية:

*أولًا:

التمويل الاستهلاكي نشاط منظم تشريعيًا وخاضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية.

*ثانيًا:

الخدمات التعليمية تدخل في نطاق التمويل الاستهلاكي الذي تنظمه أحكام القانون بالنسبة إلى الجهات المخاطبة به وفق نطاقه.

*ثالثًا:

وجود بيانات الشخص أو صورة بطاقته لا يساوي ثبوت إرادته في التعاقد.

*رابعًا:

لا يجوز تحميل شخص التزامًا ماليًا لم يثبت صدوره عنه أو تمثيله فيه على نحو صحيح.

*خامسًا:

استخدام بيانات العميل في غير الغرض المشروع أو الإفصاح عنها دون سند قد يرتب مسؤوليات مستقلة وفق قانون حماية البيانات الشخصية وقانون التمويل الاستهلاكي، بحسب الأحوال.

*سادسًا:

التزوير أو النصب أو جرائم تقنية المعلومات لا تُفترض، وإنما تتحدد وفق الفعل والأدلة وأركان كل جريمة.

*سابعًا:

معالجة السجل الائتماني للعميل المتضرر جزء أساسي من إعادة مركزه القانوني والائتماني إلى وضعه الصحيح. 

 

كككك
 

الخلاصة:

 

وفى الأخير يقول "عمار": تكشف وقائع التمويلات المنشأة بأسماء عملاء دون علمهم عن أن الخطر في منظومة التمويل لا يبدأ عند عدم السداد، وإنما قد يبدأ قبل ذلك بكثير، عند السؤال عن كيفية نشوء الالتزام ذاته، فالعقد لا يستمد قوته من وجود اسم العميل على مستند، ولا من مجرد حيازة صورة بطاقته، وإنما من ثبوت نسبة الإرادة إليه وفقًا للقواعد القانونية، والبيانات الشخصية ليست ملكًا مباحًا لمن يحوزها، وإنما تخضع لجملة من الضوابط المتعلقة بجمعها ومعالجتها والإفصاح عنها وحمايتها، وقد تعزز هذا الإطار بصدور اللائحة التنفيذية لقانون حماية البيانات الشخصية في عام 2025.  

 

كما أن شركة التمويل لا تستطيع اختزال واجبها في مجرد استلام مجموعة من الأوراق؛ فسلامة منح التمويل ترتبط بمنظومة من التحقق وإدارة المخاطر والاستعلام الائتماني والحوكمة والسرية - وفي المقابل - لا يجوز تحميل شركة التمويل أو أي شخص آخر مسؤولية جنائية لمجرد وجود صلة بالواقعة؛ إذ تظل المسؤولية الجنائية شخصية، ويجب أن يثبت لكل متهم الفعل المنسوب إليه وتوافر أركان الجريمة في حقه.

 

وفي النهاية، فإن التكنولوجيا ينبغي أن تكون وسيلةً لتعزيز الثقة في المعاملات لا وسيلةً لإسناد التزامات إلى أشخاص لم تصدر عنهم إرادة حقيقية، فالقضية ليست: من يحمل بطاقة الرقم القومي، بل السؤال القانوني الأهم:

 

>>من طلب التمويل؟ ومن وافق عليه؟ ومن تسلّم المال؟ ومن استفاد منه؟ ومن استخدم البيانات؟ ومن أخل بواجب التحقق؟ وعند الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ القراءة القانونية الصحيحة للواقعة.  

 
images
 
 
d605236d-3304-4f3f-aba7-231c96745c10
 
الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار

موضوعات متعلقة :

"الستر" في القانون الجنائي.. لا يعني إنكار الجريمة ولا تعطيل الملاحقة ولا حماية الجاني.. يعنى أن المشرع لا يترك الحقيقة تسير لساحة القضاء بلا ضابط.. ولا يسمح لسلطة الاتهام أن تمتد لكل ما يمكن علمه أو إثباته

غسل الأموال.. الجريمة الأبرز فى قائمة اتهامات صبرى نخنوخ.. المشرع اعتبرها جريمة عابرة للقارات.. 3 مراحل متداخلة لتكوينها تبدأ بالإيداع.. وتُحدث تشوهات فى السوق والاقتصاد الوطنى.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة

بعد وقائع النخانيخ.. التحقيقات المالية الموازية وأثرها في مكافحة الجرائم المالية.. المشرع استحدث بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال للقضاء على الظاهرة.. والنائب العام نظم القانون بالكتاب الدوري رقم 3 لسنة 2022

للمتقاضين.. هل يجوز التماس إعادة النظر في حكم صادر من النقض؟.. المشرع حدد 8 حالات استثنائية للالتماس أمام النقض.. والالتماس ليس درجة ثالثة من درجات التقاضي.. والنقض تتصدى.. وخبراء يُجيبون عن الأسئلة الشائكة


print