شريحة هاتف - أرشيفية
تثير ظاهرة اكتشاف مواطنين وجود شرائح هاتف محمول ومحافظ إلكترونية مسجلة بأسمائهم دون علمهم إشكالية قانونية تتجاوز مجرد وجود خطأ في بيانات شركة الاتصالات؛ إذ قد تمتد آثارها إلى المسئولية المدنية والجنائية، وإلى استخدام بيانات المواطن في إنشاء خدمات أو إجراء معاملات لم يطلبها ولم يعلم بها.
والأخطر أن تتم معالجة الأمر بمجرد مطالبة المواطن بالتوقيع على ما يسمى "إقرار إنكار ملكية"، ثم إلغاء الخط، رغم أن هذا الإقرار لا يستند – بذاته – إلى نص قانوني يفرض على المواطن توقيعه، ولا يصلح لمعالجة الآثار القانونية المترتبة على تسجيل الخط أو المحفظة باسمه دون علمه، كما أن توقيع هذا الإقرار لا يكشف عن كيفية تسجيل الخط ابتداءً، ولا يحدد من استخدمه خلال الفترة السابقة على اكتشاف الواقعة، ولا ينفي ما قد يكون قد ترتب على استخدامه من معاملات أو تصرفات أو أضرار.
هل يكفي "إقرار إنكار الملكية" لمعالجة المشكلة؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية الشرائح المسجلة بأسماء المواطنين دون علمهم، وذلك من خلال الإجابة على السؤال.. هل يكفي "إقرار إنكار الملكية" لمعالجة المشكلة؟ خاصة وأن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإجبار المواطن على توقيع إقرار صيغته قد تتضمن، بحسب عباراته، إقرارًا ضمنيًا بوجود علاقة تعاقدية أو ملكية للخط، وإنما باتخاذ إجراءات قانونية تكشف حقيقة الواقعة وتحفظ حقوق المواطن وتحدد المسئول عنها – بحسب الخبير القانوني والمحامية نعمة مصطفى عبدالهادى.
البيانات المسجلة باسم المواطن بيانات شخصية يحميها القانون
في البداية - تبرز أهمية قراءة المشكلة في ضوء أحكام قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية، فضلًا عن حقوق مستخدمي خدمات الاتصالات التي قررها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فقد عرّف قانون حماية البيانات الشخصية البيانات الشخصية بأنها: "أي بيانات متعلقة بشخص طبيعي محدد، أو يمكن تحديده بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الربط بين هذه البيانات وأي بيانات أخرى كالاسم، أو الصوت، أو الصورة، أو رقم تعريفي، أو محدد للهوية عبر الإنترنت.........الخ" – وفقا لـ"عبدالهادى" .
كما عرّف المعالجة بأنها: أى عملية الكترونية أو تقنية لكتابة البيانات الشخصية أو تجميعها أو تسجيلها أو حفظها أو تخزينها أو دمجها أو عرضها أو إرسالها أو استقبالها أو تداولها أو نشرها أو محوها أو تغييرها أو تعديلها أو استرجاعها أو تحليلها باستخدام أي وسيط من الوسائط أو الأجهزة الإلكترونية أو التقنية سواء تم ذلك جزئيا أو كلى – وبالتالي - فإن تسجيل خط هاتف محمول أو محفظة إلكترونية باسم المواطن باستخدام بياناته، ومنها الرقم القومي، يدخل في نطاق جمع البيانات الشخصية وتسجيلها وحفظها ومعالجتها، بما يرتب على القائم بذلك التزامات قانونية – الكلام لـ"عبدالهادى".
قانون حماية البيانات الشخصية
وقد نصت المادة (2) من قانون حماية البيانات الشخصية على أنه: "لا يجوز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشائها بأي وسيلة من الوسائل إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني بالبيانات، أو في الأحوال المصرح بها قانونًا ويكون للشخص المعنى بالبيانات الحقوق الآتية – طبقا للخبير القانونى:
1-العلم بالبيانات الشخصية الخاصة به الموجودة لدى أى حائز أو متحكم أو معالج والاطلاع عليها والوصول إليها أو الحصول عليها .
2-العدول عن الموافقة المسبقة على الاحتفاظ ببياناته الشخصية أو معالجتها .
3-التصحيح أو التعديل أو المحو أو الأضافة أو التحديث للبيانات الشخصية .
-.....الخ .
البيانات يجب أن تكون صحيحة وسليمة ومؤمنة
وأكدت المادة (3) من القانون ضرورة أن تجمع البيانات الشخصية لأغراض مشروعة ومحددة ومعلنة للشخص المعني، وأن تكون " صحيحة وسليمة ومؤمنة" ، وأن تعالج بطريقة مشروعة وملائمة للأغراض التي جمعت من أجلها، كما ألزمت المادة (4) المتحكم بالتأكد من صحة البيانات الشخصية واتفاقها وكفايتها مع الغرض المحدد لجمعها، واتخاذ الإجراءات التقنية والتنظيمية اللازمة لحمايتها وتأمينها والحفاظ على سريتها، وعدم القيام بعمل من شأنه إتاحة البيانات إلا في الأحوال المصرح بها قانونًا – هكذا تقول "عبدالهادى".
ومن هنا فإن وجود شريحة أو محفظة باسم شخص لم يطلبها ولم يعلم بها يثير تساؤلات قانونية مشروعة حول مصدر البيانات، والأساس الذي تم بموجبه التسجيل، ومدى توافر موافقة الشخص المعني بالبيانات "مستخدم الشريحة" والإجراءات التي اتبعت للتحقق من صحة البيانات .
للمواطن حق معرفة ما هو مسجل باسمه
لا يقتصر حق المواطن على إنكار ملكية الخط بعد اكتشافه، وإنما يمتد إلى معرفة البيانات المسجلة عنه، فقد قررت المادة (2) من قانون حماية البيانات الشخصية للشخص المعني بالبيانات حق العلم بالبيانات الشخصية الخاصة به الموجودة لدى أي حائز أو متحكم أو معالج والاطلاع عليها والوصول إليها أو الحصول عليها ، إلى جانب حقه في التصحيح أو التعديل أو المحو أو الإضافة أو التحديث – كما أوضحت "عبدالهادى".
ونظمت المادة (10) إجراءات إتاحة البيانات، فنصت على أن يكون طلب الإتاحة ..." بناءً على طلب كتابي يقدم إليه من ذي صفة أو وفقًا لسند قانوني"، مع التحقق من المستندات اللازمة، والبت في الطلب خلال ستة أيام عمل، وعند الرفض الزمت المتحكم والمعالج بتسبيبه كما نصت على اعتبار مضي المدة دون رد في حكم الرفض، كما نصت المادة (32) على أنه يجوز للشخص المعني بالبيانات ولكل ذي صفة أن يتقدم إلى أي حائز أو متحكم أو معالج بطلب يتعلق بممارسة حقوقه ، وألزمت المقدم إليه الطلب بالرد خلال ستة أيام عمل – كما ترى "عبدالهادى" .
ملحوظة:
وبالتالي، فإن المواطن الذي يكتشف وجود خطوط أو محافظ مسجلة باسمه يستطيع أن يبدأ بطلب مكتوب إلى شركة المحمول للاستعلام عن الخدمات المسجلة برقمه القومي، والحصول على ما يلزم من بيانات ومستندات، والاحتفاظ بما يثبت تقديم الطلب والرد عليه .
ماذا يفعل المواطن عند اكتشاف خط أو محفظة لا يعلم عنها شيئًا؟
أولًا: عدم التوقيع على إقرار إنكار الملكية المتداول قبل عرضه على محامٍ، وبالأخص إذا تضمنت صياغته عبارات قد تفهم على نحو يخالف الحقيقة أو تفيد بوجود علاقة تعاقدية بين المواطن وشركة الاتصالات، فالمواطن ليس ملزمًا بأن يوقع على إقرار لم يفرضه عليه القانون، ولا ينبغي أن يتحول هذا الإقرار إلى وسيلة لإغلاق الواقعة دون بحث كيفية تسجيل الخط ابتداءً .
ثانيًا: تقديم طلب مكتوب إلى شركة المحمول للاستعلام عن جميع الخطوط والخدمات والمحافظ المسجلة بالرقم القومي خاصته ، ومعرفة البيانات والمستندات التي تم الاستناد إليها في التسجيل، والاحتفاظ بما يثبت تقديم الطلب .
ثالثًا: تحرير محضر بالواقعة لإثبات اكتشاف المواطن وجود خطوط أو محافظ مسجلة باسمه دون علمه ، خاصة إذا كان هناك احتمال لاستخدامها في وقائع أو معاملات سابقة غير مشروعة .
رابعًا: التوجه إلى محامٍ لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، ومن بينها توجيه إنذار رسمي إلى شركة الاتصالات يتضمن نفي صلة المواطن بهذه الخطوط أو الخدمات، وعدم مسئوليته عن أي استخدام أو تعاملات تمت عليها دون علمه، مع المطالبة بالحفاظ على المستندات والسجلات المتعلقة بالتسجيل والاستخدام .
خامسًا: إذا استندت الشركة إلى عقد أو محرر منسوب إلى المواطن، وكان ينكر صدوره منه، فيمكن بحث إقامة دعوى التزوير الأصلية وفقًا للمادة (59) من قانون الإثبات متى توافرت شروطها، بحيث تواجه الدعوى المحرر الذي تستند إليه الشركة لإثبات العلاقة التعاقدية، ويطلب تقديمه للمحكمة والطعن عليه بالتزوير، وصولًا إلى القضاء برده وبطلانه إذا ثبت التزوير .
إلى من يتقدم المواطن بالشكوى؟
لا يتعين أن يتوقف المواطن عند شركة الاتصالات؛ فقد قررت المادة (33) من قانون حماية البيانات الشخصية، "مع عدم الإخلال بالحق في اللجوء إلى القضاء" ، حق الشخص المعني بالبيانات وكل ذي صفة ومصلحة مباشرة في تقديم شكوى في حالات انتهاك حق حماية البيانات أو الامتناع عن تمكينه من حقوقه .
وتقدم الشكوى إلى مركز حماية البيانات الشخصية، الذي يملك اتخاذ إجراءات التحقيق وإصدار قراره خلال ثلاثين يوم عمل ، ويلتزم المشكو في حقه بتنفيذ القرار خلال سبعة أيام عمل من إخطاره به .
كما يستطيع المواطن تصعيد شكواه إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من خلال الرقم المختصر 155، وكذلك إلى جهاز حماية المستهلك بحسب نطاق اختصاصه، فضلًا عن تقديم شكوى من خلال منظومة شكاوى مجلس الوزراء، مع بقاء الحق في اللجوء إلى القضاء قائمًا .
حقوق المستخدمين في ضوء قانون تنظيم الاتصالات
أولى قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 أهمية لحماية مستخدمي خدمات الاتصالات؛ فنصت المادة (25) على عدد من الالتزامات التي يحددها الترخيص، ومن بينها الالتزام بإتاحة الخدمة لجمهور المستخدمين دون تمييز، ووضع نظام لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها وإصلاح الأعطال بكفاءة، فضلًا عن "ضمان سرية الاتصالات والمكالمات الخاصة بعملاء المرخص له ووضع القواعد اللازمة للتأكد من ذلك".
وتضيف "عبدالهادى": كما قررت المادة (85) غرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه لكل مشغل أو مقدم خدمة اتصالات يخالف أي شرط من شروط الترخيص أو ضوابط الجودة الفنية أو القياسات المعيارية لجودة الأداء، وتناولت المادة (86) مسئولية المسئول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري، متى ثبت علمه بالمخالفة وكان إخلاله بالواجبات التي تفرضها عليه الإدارة قد أسهم في وقوع الجريمة، مع مسئولية الشخص الاعتباري بالتضامن عن العقوبات المالية والتعويضات المحكوم بها.
وماذا عن التعويض؟
تُجيب "عبدالهادى": لا يعني اكتشاف المواطن خطًا مسجلًا باسمه دون علمه أن التعويض يصبح مستحقًا تلقائيًا؛ فالمطالبة بالتعويض تستلزم، بحسب الأحوال، إثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية، فإذا ثبت أن تسجيل الخط أو المحفظة أو استخدامها دون علم المواطن ترتب عليه ضرر مادي أو أدبي، فقد تتوافر أساسًا للمطالبة بالتعويض متى ثبتت باقي عناصر المسئولية، أما مجرد اكتشاف الخط دون ثبوت ضرر فلا يكفي وحده للحكم بالتعويض، مع بقاء المخالفة القانونية قائمة متى توافرت عناصرها .
العقوبات التي قررها قانون حماية البيانات الشخصية
لم يكتف قانون حماية البيانات الشخصية بتقرير الحقوق والالتزامات، وإنما قرر عقوبات مالية وجنائية، فنصت المادة (36) على غرامة من مائة ألف جنيه إلى مليون جنيه لكل حائز أو متحكم أو معالج جمع أو عالج أو أفشى أو أتاح أو تداول بيانات شخصية إلكترونيًا في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو دون موافقة الشخص المعني بالبيانات، وتصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة من مائتي ألف جنيه إلى مليوني جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين إذا ارتكب الفعل مقابل الحصول على منفعة مادية أو أدبية أو بقصد تعريض الشخص المعني بالبيانات للخطر أو الضرر.
كما قررت المادة (37) غرامة من مائة ألف إلى مليون جنيه لمن يمتنع دون مقتضى قانوني عن تمكين الشخص المعني بالبيانات من ممارسة حقوقه المنصوص عليها فى المادة 2، وغرامة من مائتي ألف إلى مليوني جنيه لمن يجمع بيانات شخصية دون توافر الشروط المنصوص عليها في المادة (3)، أما المادة (38) فقررت غرامة من ثلاثمائة ألف إلى ثلاثة ملايين جنيه على المتحكم أو المعالج الذي لا يلتزم بواجباته المنصوص عليها في المواد (4 و5 و7).
ولا تقف المسألة عند العقوبات الجنائية؛ فالمادة (30) أجازت، بعد توجيه الإنذار واستمرار المخالفة، اتخاذ تدابير إدارية تصل إلى إيقاف الترخيص أو سحبه أو إلغائه، ونشر بيان بالمخالفات على نفقة المخالف، وإخضاع المتحكم أو المعالج للإشراف الفني للمركز، كما نصت المادة (48) على نشر حكم الإدانة في جريدتين واسعتي الانتشار وعلى شبكات المعلومات الإلكترونية المفتوحة على نفقة المحكوم عليه، مع مضاعفة العقوبات في حالة العود.
