السبت، 01 أغسطس 2026 02:19 م

ثورة تشريعية دولية لإنهاء السخرة الرقمية وحماية حقوق ملايين العمال عالميا.. اتفاقية "العمل اللائق فى اقتصاد المنصات".. اقتصاد المنصات ينمو عالميا.. الإيرادات تتجاوز 52 مليار دولار سنويا.. وهذه ضوابط ضمان الأجر

ثورة تشريعية دولية لإنهاء السخرة الرقمية وحماية حقوق ملايين العمال عالميا.. اتفاقية "العمل اللائق فى اقتصاد المنصات".. اقتصاد المنصات ينمو عالميا.. الإيرادات تتجاوز 52 مليار دولار سنويا.. وهذه ضوابط ضمان الأجر
السبت، 01 أغسطس 2026 01:10 م
كتبت آية دعبس

- 70% إلى 90% من العاملين يصنفون كمستقلين ويحرمون من الحماية الاجتماعية
- البنك الدولي: العمل عبر المنصات يمثل حتى 12% من القوة العاملة عالميا
- لأول مرة.. تدخل بشري إلزامي في القرارات المؤتمتة والاتفاقية تحظر التمييز والعنف والتحرش داخل بيئة العمل الرقمية.. ضوابط لضمان الأجر والحد الأدنى.. وحماية خاصة للمهاجرين واللاجئين العاملين عبر المنصات

 

 
خلف كل رحلة، وكل عملية توصيل، وكل مهمة تنجز عبر الإنترنت، هناك عامل، ومع استمرار نمو اقتصاد المنصات، تتزايد الأسئلة حول حقوق هؤلاء العمال وحمايتهم والعدالة في توزيع الأرباح، ودور التكنولوجيا في تشكيل حياتهم اليومية.
 
 
 
وفي هذا السياق، جاء تبني منظمة العمل الدولية، خلال الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي في يونيو 2026، ل"اتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات" (رقم 193)، ليمثل خطوة مهمة نحو ضمان أن يسير الابتكار التقني والنماذج التجارية الجديدة جنبا إلى جنب مع حقوق العمال والمنافسة العادلة والنمو الاقتصادي المستدام، وتثير الاتفاقية، التي تعد أول معيار دولي مخصص لمواجهة تحديات الرقمنة في عالم العمل، تساؤلات حول ما تعنيه عمليا لعمال المنصات، ولمنصات العمل الرقمية، وللحكومات على حد سواء.
 
 

دراسات وأرقام مهدت الطريق للاتفاقية

جاء إقرار الاتفاقية بعد سلسلة من الدراسات والإحصائيات التي رصدتها منظمة العمل الدولية على مدار سنوات، وضعت الأساس المنطقي لصياغة نصوصها، ففي تقريرها الرئيسي لعام 2021 حول دور منصات العمل الرقمية في تحويل عالم العمل، أشارت المنظمة إلى أن عدد هذه المنصات، سواء العاملة عبر الإنترنت أو في مواقع محددة، تضاعف خمس مرات خلال عقد واحد، إذ ارتفع من 142 منصة في عام 2010 إلى أكثر من 777 منصة في عام 2020، وحققت هذه المنصات في عام 2019 وحده إيرادات لا تقل عن 52 مليار دولار على مستوى العالم، تركز نحو 70% منها في دولتين فقط هما الولايات المتحدة بنسبة 46% والصين بنسبة 22%، فيما لم تتجاوز حصة أوروبا 11%.
 
 
 
وكشفت بيانات المنظمة عن فجوة كبيرة في الدخل بين الشمال والجنوب، إذ يتقاضى العمال في الدول النامية أقل بنسبة 60% في المتوسط مما يتقاضاه نظراؤهم في الدول المتقدمة مقابل أداء المهام ذاتها على المنصات الرقمية الدولية، كما أظهرت استطلاعات المنظمة أن العامل يقضي في المتوسط 12.6 ساعة أسبوعيا في البحث عن مهام أو أداء اختبارات أو بناء ملفه الشخصي على المنصة دون أن يتقاضى أجرا عن هذا الوقت، فيما يعمل نحو ثلث عمال المنصات أكثر من 48 ساعة أسبوعيا، وهو الحد الأقصى المعتاد في معايير العمل الدولية.
 
 
 
وفيما يخص تصنيف العمالة والضمان الاجتماعي، قدرت المنظمة أن ما بين 70% و90% من عمال المنصات، بحسب القطاع، يصنفون كعاملين لحسابهم الخاص، ما يحرمهم من التأمين الصحي وبدلات البطالة والمعاشات التقاعدية، إذ تقل نسبة من لديهم تغطية صحية عن 40%، ومن لديهم تأمين ضد إصابات العمل عن 20%.
 
 
 
جاءت دراسة البنك الدولي "العمل بلا حدود" في عام 2023 لتكشف أرقاما أكبر من التقديرات السابقة، إذ قدرت أن العمل عبر المنصات الرقمية يمثل ما يصل إلى 12% من القوة العاملة العالمية، مقارنة بتقديرات سابقة تراوحت بين 1% و3%، وأظهرت الدراسة أن الطلب على هذا النوع من العمل ينمو في الدول النامية بوتيرة أسرع من الدول المتقدمة، وأن الشباب دون سن الثلاثين والنساء هم الفئات الأكثر إقبالا عليه في هذه الدول بسبب مرونة الوقت، رغم ما يرتبط به من فجوات في الأمان الوظيفي.
 
 
 
وركز التقرير التحضيري الذي أعدته منظمة العمل الدولية قبل صياغة الاتفاقية على ظاهرة الإدارة الخوارزمية، ورصد أن الخوارزمية باتت تمثل "المدير الفعلي" الذي يعاقب العامل بحجب المهام عنه ويكافئه دون وجود عنصر بشري يمكن الرجوع إليه، كما رصد التقرير ظاهرة تعهيد المهام الصغيرة، حيث تقسم شركات كبرى في الدول الغربية مشاريع الذكاء الاصطناعي إلى آلاف المهام الدقيقة، مثل تصنيف الصور، يؤديها عمال في أفريقيا وآسيا مقابل مبالغ زهيدة.
 
 
 
من جانبها، أظهرت دراسات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بتوجيه عمل المنصات لعام 2024 أن ما لا يقل عن 5.5 مليون عامل في أوروبا مصنفون خطأ كعاملين لحسابهم الخاص، رغم توافر شروط التبعية للمنصة في طبيعة عملهم، فضلا عن غياب فهم واضح لدى العمال لكيفية احتساب أجورهم أو أسباب استبعادهم من بعض المهام، ما دفع إلى فرض قوانين للشفافية في استخدام الخوارزميات تبنتها لاحقا اتفاقية منظمة العمل الدولية.
 
 
 
وامتد اقتصاد المنصات، بحسب أحدث الدراسات في عامي 2025 و2026، إلى ما يتجاوز قطاعي النقل والتوصيل، ليشمل توظيف أطباء ومحامين ومهندسين بنظام المهمة الواحدة، فيما رصدت دراسات حديثة بدء الذكاء الاصطناعي التوليدي في الحلول محل عمال المنصات في مهام الكتابة والترجمة والتصميم البسيط.
 
 
 
وتضم الاتفاقية 33 مادة، والتي أوضحت أن اقتصاد المنصات الرقمية يحدث تحولا كبيرا في عالم العمل، ورغم ما يوفره من فرص عمل ودخل، إلا أنه يعاني من عجز واضح في تحقيق العمل اللائق، وحددت المادة الأولى التعاريف الأساسية، إذ عرفت منصة العمل الرقمية بأنها كل شخص اعتباري أو طبيعي يستخدم تقنيات رقمية وأنظمة اتخاذ قرار مؤتمتة لتنظيم العمل مقابل أجر، وعرفت عامل المنصة الرقمية بأنه أي شخص يعمل أو يرتبط بالعمل لدى المنصة، بغض النظر عن تصنيفه التعاقدي، فيما ميزت بين الوسيط بوصفه طرفا ثالثا يربط بين العامل والمنصة، والأجر أو الدفع الذي يشمل المبالغ المستحقة للعامل دون تعويضات المصاريف التي يتكبدها.
 
 

حقوق أساسية وحماية من العنف والتحرش

وبموجب المادة الثانية، تسري الاتفاقية على جميع منصات العمل الرقمية وعمالها في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي على حد سواء، مع إتاحة المجال أمام الدول لاستثناء فئات محدودة جدا، شريطة التشاور مع منظمات أصحاب العمل والعمال وتقديم تقارير تبرر ذلك، وألزمت المادة الثالثة الدول الأعضاء باحترام وتعزيز خمسة حقوق رئيسية في اقتصاد المنصات، هي الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، والقضاء على العمل الجبري، والقضاء على عمل الأطفال، والقضاء على التمييز في التوظيف والمهنة، وضمان بيئة عمل آمنة وصحية.
 
 
 
ونصت المادتان الرابعة والخامسة على اتخاذ إجراءات لمنع حوادث وإصابات العمل وتحديد مسؤوليات المنصات والجهات العامة، إلى جانب منح العامل حق الانسحاب من العمل إذا اعتقد بوجود خطر داهم على حياته أو صحته دون التعرض لأي تبعات سلبية. كما تضمنت المادة السادسة حماية العمال من العنف والتحرش في بيئة العمل، بما يشمل التحرش عبر الإنترنت أو الصادر عن أطراف ثالثة مثل العملاء.
 
 

تصنيف العمالة والأجور دون المساس بمرونة النماذج القائمة

أوضحت منظمة العمل الدولية أن الاتفاقية لا تفرض تصنيفا وظيفيا محددا على عمال المنصات، ولا تحظر العمل الحر أو أي نموذج عمل بعينه، بل تلزم الدول الأعضاء باتخاذ تدابير تضمن تحديد حالة التوظيف بشكل صحيح استنادا إلى وقائع أداء العمل والأجر، وهو ما يتسق مع المادة التاسعة التي شددت على التصنيف الصحيح للعمال بناء على الوقائع الفعلية لأداء العمل، وليس فقط نص العقد وفي ما يخص الأجور، نصت المادتان العاشرة والحادية عشرة على ضمان دفع الأجور في موعدها وبالكامل، وعلى ألا يقل أجر العمال ممن تربطهم علاقة عمل عن الحد الأدنى القانوني، مع تعويضهم عن نفقات العمل والشفافية الكاملة في كشوف الأجور وتوضيح أي استقطاعات.
 
 

حماية بيانات العمال

خصصت الاتفاقية المواد من الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة لتنظيم استخدام أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة القائمة على الخوارزميات، إذ ألزمت المنصات بإبلاغ العمال قبل التوظيف باستخدام هذه الأنظمة في مراقبة أو تقييم عملهم، وبضمان وجود تدخل بشري في القرارات المهمة، فضلا عن منح العامل الحق في الحصول على تفسير مكتوب لأي قرار مؤتمت يؤثر سلبا على عمله، كإغلاق حسابه أو عدم صرف مستحقاته، وبحسب المنظمة، لا تشير الاتفاقية صراحة إلى الذكاء الاصطناعي، غير أن أحكامها تنطبق على الأنظمة المؤتمتة المستخدمة في مراقبة العمل أو تقييمه أو اتخاذ قرارات بشأنه، بما في ذلك الأنظمة التي قد تتضمن تقنيات الذكاء الاصطناعي.
 
 
 
وفي ما يتعلق بحماية البيانات، أوجبت المادة السادسة عشرة وضع ضمانات لحماية البيانات الشخصية للعمال وحق العامل في الوصول إلى بياناته وتصحيحها أو مسحها، فيما حظرت المادة السابعة عشرة إلغاء أو تعليق حساب العامل أو إنهاء عمله لأسباب تمييزية أو غير قانونية.
 
 
 
نصت المواد الثانية عشرة والعشرون والحادية والعشرون على ضمان وصول عمال المنصات إلى الحماية الاجتماعية، وحماية المهاجرين واللاجئين العاملين في هذا القطاع من الانتهاكات، إلى جانب توفير آليات فعالة وميسرة لتسوية النزاعات والوصول إلى القضاء، وأكدت المنظمة أن الاتفاقية لا تنتقص بأي شكل من الحقوق المكتسبة لعمال المنصات في الدول التي تصنفهم بالفعل كموظفين، بل تضع حدا أدنى من الحماية وضمانات إضافية في مجالات الإدارة الخوارزمية وحماية البيانات، بما يكفل ألا تقل حماية عمال المنصات عن حماية نظرائهم من العمال في الوضع الوظيفي ذاته، دون أن تنتقص من مرونة الدول الأعضاء في الإشراف على هذا النوع من العمل.
 
 
 
وبحسب الأحكام الختامية الواردة في المواد من السادسة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين، تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بعد مرور 12 شهرا على تسجيل تصديق دولتين عضوين عليها، على أن تعتمد اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية كنصوص رسمية معتمدة لها، وأوضحت المنظمة أن الاتفاقية، شأنها شأن سائر اتفاقياتها، لا تصبح ملزمة قانونيا إلا للدول الأعضاء التي تصادق عليها، وأنها بعد التصديق يجب أن تطبق عبر التشريعات الوطنية أو اللوائح أو السياسات أو الاتفاقيات الجماعية، وفقا للنظام القانوني والممارسة الوطنية لكل دولة، وبموجب المادة 19 من دستور منظمة العمل الدولية، تلزم جميع الدول الأعضاء بعرض الاتفاقيات والتوصيات المعتمدة حديثا على السلطة المختصة لديها لسن التشريعات أو اتخاذ إجراءات أخرى بشأنها.

الأكثر قراءة



print