تواصل وزارة التنمية المحلية والبيئة تنفيذ خطة متكاملة لإعادة تنظيم ملف البناء والتصالح في مخالفات البناء، في إطار رؤية تستهدف تبسيط الإجراءات أمام المواطنين، والقضاء على أسباب ظهور مخالفات جديدة، بالتوازي مع استكمال معالجة الملف المتراكم منذ سنوات، من خلال حزمة من التيسيرات التشريعية والإدارية التي يجري العمل عليها خلال المرحلة الحالية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه منظومة البناء عدداً من التطورات، سواء فيما يتعلق بإجراءات استخراج تراخيص البناء، أو التعديلات المقترحة على قانون التصالح في مخالفات البناء، بما يحقق التوازن بين تطبيق القانون ومراعاة البعد الاجتماعي للمواطنين، ويعزز جهود الدولة في الحفاظ على النسق العمراني ومنع التعديات.
وتستهدف وزارة التنمية المحلية والبيئة من خلال التيسيرات الجديدة اختصار رحلة المواطن في استخراج تراخيص البناء، عبر تنظيم دورة عمل أكثر بساطة تبدأ بتقديم الطلب، ثم إجراء المراجعة المبدئية، وصولاً إلى إصدار الترخيص، مع تحديد جدول زمني واضح لإنهاء الإجراءات، بما يحد من طول الدورة المستندية التي كانت تمثل أحد أبرز التحديات أمام المواطنين.
ولا تقتصر التسهيلات على الإجراءات فقط، وإنما تمتد أيضاً إلى إعادة تنظيم عدد من الاشتراطات الفنية، حيث تتضمن المنظومة الجديدة مرونة أكبر في تنظيم الارتفاعات وفقاً لعرض الشارع وطبيعة المنطقة البنائية، إلى جانب تبسيط عدد من الاشتراطات الخاصة بمساحات الغرف والواجهات والردود، بما يحقق مرونة معمارية مع الحفاظ على الضوابط التخطيطية.
كما تستهدف وزارة التنمية المحلية والبيئة خلق مناخ أكثر جذباً للاستثمار العقاري، من خلال تسهيل إجراءات إصدار التراخيص للمشروعات، بما يسهم في تشجيع الاستثمارات، وزيادة معدلات التنمية العمرانية المنظمة، بالتوازي مع استمرار تطبيق آليات الرقابة لمنع المخالفات الجديدة، وفرض الالتزام بالقواعد المنظمة للبناء.
وتضع الوزارة الحفاظ على الطابع العمراني ضمن أولوياتها، إذ ترتكز التعديلات على حماية المناطق ذات القيمة المعمارية والتراثية، مع وضع معايير جمالية موحدة للمدن الجديدة، بما يحقق التوازن بين التوسع العمراني والحفاظ على الهوية البصرية.
تبسيط إجراءات استخراج التراخيص والحد من البناء العشوائي
وفي الوقت نفسه، تربط وزارة التنمية المحلية والبيئة بين تبسيط إجراءات استخراج التراخيص وبين الحد من البناء العشوائي، انطلاقاً من أن تعقيد الإجراءات في السابق كان أحد الأسباب التي دفعت بعض المواطنين إلى البناء دون الحصول على التراخيص اللازمة.
واختصار خطوات الترخيص، وتيسير إجراءات الحصول عليه، يمنح المواطنين فرصة للبناء بصورة قانونية منذ البداية، ويحد من ظهور مخالفات جديدة، خاصة مع الاعتماد على مستندات الملكية الرسمية، وإتاحة إجراءات أكثر مرونة مقارنة بالفترات السابقة.
كما ينعكس تنظيم منظومة البناء بصورة مباشرة على جودة البيئة العمرانية، من خلال الالتزام بالارتفاعات المقررة، والحفاظ على مساحات الشوارع، بما يضمن دخول التهوية الطبيعية وأشعة الشمس إلى المناطق السكنية، ويحد من الضغط على شبكات المرافق والخدمات، ويعزز المظهر الحضاري للمدن.
ملف التصالح في مخالفات البناء
وفي إطار استكمال هذا المسار، تعمل وزارة التنمية المحلية والبيئة على متابعة ملف التصالح في مخالفات البناء، بالتنسيق مع الجهات المعنية، حيث كانت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، استعرضت مستجدات تنفيذ القانون، إلى جانب المقترحات الخاصة بإدخال تعديلات جديدة تستهدف تذليل العقبات التي ظهرت أثناء التطبيق.
وأكدت الدكتورة منال عوض أن الوزارة تعمل وفق رؤية شاملة لإنهاء ملف مخالفات البناء، مع مراعاة البعد الاجتماعي في المقام الأول، موضحة أن التعديلات المقترحة جاءت استجابة للملاحظات التي ظهرت خلال التطبيق العملي، ولطلبات المواطنين والنواب، بما يضمن الوصول إلى تسوية نهائية لهذا الملف، مع الحفاظ على الهوية العمرانية للدولة.
وكشفت الوزيرة في بيان سابق، أن نسبة الإنجاز في طلبات التصالح بلغت نحو 87%، بإجمالي مليون و751 ألف طلب تم الانتهاء منها، من أصل مليونين و7 آلاف طلب تم تقديمها، وهو ما يعكس استمرار العمل على إنهاء أكبر قدر ممكن من الطلبات، بالتوازي مع دراسة التعديلات الجديدة التي تستهدف تسهيل الإجراءات أمام المواطنين.
وتتضمن المقترحات المطروحة مد العمل بقانون التصالح لمدة عام إضافي، لإتاحة فرصة أكبر أمام المواطنين لاستكمال الإجراءات، إلى جانب منح خصم بنسبة 50% لحاملي بطاقات "تكافل وكرامة" وفئات العمالة غير المنتظمة، في إطار مراعاة البعد الاجتماعي، مع دراسة السماح بالتصالح في بعض الحالات، مثل الجراجات في الحدود المقررة، والمناطق المتاخمة للآثار، وفق الضوابط المنظمة لذلك.
تطوير منظومة التصالح
وتستكمل وزارة التنمية المحلية والبيئة تطوير منظومة التصالح من خلال حزمة من الإجراءات التنظيمية التي تستهدف تبسيط رحلة المواطن داخل المنظومة، حيث تشمل المقترحات الاكتفاء في بعض الحالات بتقرير سلامة إنشائية مبسط لاستكمال الإجراءات، خاصة للحاصلين على نموذج (8)، إلى جانب التوسع في ميكنة جميع مراحل تقديم الطلبات ومتابعتها، بما يختصر الوقت والجهد ويرفع كفاءة الأداء داخل الوحدات المحلية.
كما تعمل الوزارة على دعم المنظومة بالكوادر البشرية المؤهلة، من خلال تدريب نحو 11 ألف موظف بالمحليات على آليات العمل الجديدة، بما يضمن سرعة إنجاز الطلبات وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، فضلاً عن توفير وسائل سداد إلكترونية متعددة تشمل "فوري" و"إنستاباي" وماكينات الدفع بالمراكز التكنولوجية والبنوك، لتسهيل سداد الرسوم دون الحاجة إلى الإجراءات التقليدية.
تخفيض أسعار التصالح
وفي إطار مراعاة الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، تضمنت التيسيرات أيضاً تخفيض أسعار التصالح في بعض المحافظات بنسبة وصلت إلى 70%، بما يخفف الأعباء المالية ويشجع المواطنين على استكمال إجراءات تقنين أوضاعهم، في الوقت الذي تؤكد فيه الوزارة أن الهدف الرئيسي هو الوصول إلى تسوية نهائية لملف مخالفات البناء بما يحقق الاستقرار الاجتماعي ويحافظ على حقوق الدولة.
وتتواكب هذه الجهود مع متابعة مستمرة من الدولة لملف التصالح، حيث أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال اجتماعات متابعة الملف، أهمية الانتهاء من التعديلات المقترحة على قانون التصالح، بما يسهم في إزالة المعوقات التي ظهرت أثناء التطبيق، وإتاحة مزيد من التيسيرات التي تمكن المواطنين من استكمال ملفاتهم، مع تحقيق التوازن بين تطبيق القانون ومراعاة البعد الاجتماعي.
كما شدد رئيس الوزراء على سرعة الانتهاء من إعداد الصياغة النهائية للتعديلات وإحالتها إلى مجلس النواب، بما يضمن معالجة المشكلات التي واجهت التطبيق على أرض الواقع، مع توفير حوافز إضافية تشجع المواطنين على إنهاء إجراءات التصالح، بما يساهم أيضاً في سرعة تحويل العدادات الكودية إلى عدادات قانونية، وإنهاء هذا الملف بصورة متكاملة.
تطوير منظومة تراخيص المحال العامة
وفي سياق متصل، تواصل وزارة التنمية المحلية والبيئة تطوير منظومة تراخيص المحال العامة باعتبارها أحد الملفات المرتبطة بتنظيم العمران وتقنين الأوضاع، حيث أعلنت الوزارة إطلاق منظومة المحال العامة عبر منصة "مصر الرقمية"، لتبسيط إجراءات استخراج التراخيص والتوسع في تقديم الخدمات الحكومية الرقمية للمواطنين وأصحاب الأنشطة التجارية.
وتشمل المنظومة الجديدة عدداً من التيسيرات التي تستهدف تقليل عدد الإجراءات المطلوبة للحصول على الترخيص، مع الاعتماد على الخدمات الرقمية في تقديم الطلبات ومتابعتها، بما يختصر الوقت والجهد على أصحاب المحال، ويشجع المزيد من الأنشطة غير الرسمية على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي.
وفيما يتعلق بالمحال التجارية المقامة داخل عقارات مخالفة، أوضحت الدكتورة منال عوض أن الوزارة قررت منح هذه المحال تراخيص مؤقتة تستمر حتى نهاية عام 2027 أو لحين توفيق أوضاع العقار والتقدم بطلبات التصالح، وفقاً لما نص عليه قانون المحال العامة، بما يتيح لأصحاب الأنشطة فرصة لتوفيق أوضاعهم دون الإضرار بمصالحهم.
وأكدت الوزيرة في الوقت نفسه أن الوزارة ستواصل تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون المحال العامة على المحال غير المرخصة أو غير الملتزمة باشتراطات الترخيص، مع استمرار الحملات الميدانية التي تنفذها الأجهزة التنفيذية بالمحافظات لحث أصحاب المحال على سرعة استخراج التراخيص والاستفادة من التيسيرات الجديدة، إلى جانب الدفع بسيارات المراكز التكنولوجية المتنقلة لتيسير تقديم الطلبات داخل المحافظات.
وأكدت وزارة التنمية المحلية والبيئة، أن تسهيل إجراءات استخراج تراخيص البناء لا يمثل مجرد إجراء إداري، وإنما يعد أحد أهم أدوات الحفاظ على البيئة العمرانية، إذ إن البناء المنظم يضمن الالتزام بالاشتراطات التخطيطية والهندسية، ويمنع التعديات، ويحافظ على كفاءة شبكات المرافق والخدمات، ويحد من الضغوط الناتجة عن النمو العمراني غير المخطط.
وأوضحت الوزارة، أن اختصار إجراءات الترخيص، وإلغاء بعض الاشتراطات التي كانت تمثل عبئاً على المواطنين، والاعتماد على مستندات ملكية رسمية بدلاً من متطلبات أكثر تعقيداً، يسهم في تشجيع المواطنين على البناء وفق الأطر القانونية، ويقلل من فرص اللجوء إلى البناء المخالف الذي يمثل أحد أبرز التحديات العمرانية.