محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "د" – بمحكمة النقض – حكماً قضائياً فريداً من نوعه، يهم المتعاملين بإيصالات الأمانة والديون، مؤكداً أن المستندات العرفية كـ"إيصالات الأمانة أو إقرارات المديونية" ليست حجة مطلقة إذا تمسك الخصم بـ "صورية السبب" أو بأنها حُررت لغرض آخر غير المديونية الفعلية "كأداة ضمان مثلاً"، رسخت فيه لمبدأ قضائياً قالت فيه: "إغفال المحكمة لبحث حقيقة سند الدين وبطلان سببه يُبطل الحكم".
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 5468 لسنة 93 قضائية، برئاسة المستشار يحيى فتحي يمامة، وعضوية المستشارين محمد أبو القاسم خليل، وأسامة جعفر محمد، ومحمد شرين القاضي، وخالد عبد الرحيم رشوان، وبحضور كل من رئيس النيابة المهتدي أحمد غانم، وأمانة سر بهاء الدين حسني بدري.

الوقائع.. نزاع قضائى بسبب مديونية
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه، وسائر الأوراق - أن المطعون ضده بعد رفض طلب أمر الأداء - أقام على الطاعن الدعوى رقم 208 لسنة 2021 مدني ديروط الابتدائية، بطلب الحكم بإلزامه بأن يؤدي له مبلغ 3800 دينار كويتي أو ما يقابله بالجنيه المصري، على سند من أنه يداينه به بموجب إقرار استلام وامتنع عن السداد رغم إنذاره.
محكمة أول درجة تقضى بسداد المديونية
وفى تلك الأثناء - حكمت المحكمة بالطلبات، ثم استأنف المطعون ضده هذا الحكم بالاستئناف رقم 1025 لسنة 79 ق أمام محكمة استئناف أسيوط، وقضت المحكمة بتاريخ 9 نوفمبر 2022 بالتأييد، ثم طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.

"الاستئناف" تؤيد السداد.. والمديون يطعن أمام النقض
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعى بهما الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع وفي بيان ذلك يقول: إنه تمسك أمام محكمة الاستئناف بأن الإقرار موضوع الدعوى حرر كأداة ضمان وليس أداة وفاء، وطلب إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات عدم استلامه أي مبالغ مالية من المطعون ضده، إلا إن الحكم المطعون فيه لم يجبه إلى طلبه وأيد الحكم الابتدائي دون أن يبحث حقيقة العلاقة بين طرفي الإقرار والباعث على تحريره أو يستجوب المطعون ضده بشأن ذلك، بما يعيبه ويستوجب نقضه.
إغفال المحكمة لبحث حقيقة "سند الدين" وبطلان سببه يُبطل الحكم
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن المقرر في قضاء هذه المحكمة - أن مؤدى نص المادتين 136، 137 من القانون المدني أن المشرع قد وضع قرينة قانونية يُفترض بمقتضاها أن للدين سببًا مشروعًا ولو لم يذكر هذا السبب في سند الدين، فإذا ذكر فإنه يعتبر السبب الحقيقي الذي قبل المدين أن يلتزم من أجله، وإن ادعى المدين أن السبب المذكور في السند غير صحيح أو أنه سبب صوري كان عليه أن يقيم الدليل على ذلك، كما أن السند المثبت للمديونية لا يحرم المدين من المنازعة في صحة هذا الدين.

وبحسب "المحكمة": ذلك أن سند المديونية يشترط فيه الأركان الأربعة اللازمة للتعاقد وهي الرضا والأهلية ومشروعية المحل والسبب، ويقصد بالسبب سبب التزام المدين والذي يكمن في العلاقة القانونية بينه وبين الدائن والتي ترتب عليها إنشاء سند المديونية، مما يكون معه التزام المدين قبل الدائن مستندا إلى العلاقة الأصلية التي من أجلها حُرّر سند المديونية باعتبار أن هذه العلاقة ذاتها هي مصدر الالتزام الأصلي فيصدران من أصل واحد كما يستندان على سبب واحد، بما يكون معه للمدين الحق في أن يتمسك في مواجهة دائنة بانعدام السبب أي انتفاء مديونيته وما يترتب على ذلك من بطلان الالتزام.
المستندات العرفية كـ"إيصالات الأمانة أو إقرارات المديونية" ليست حجة في هذه الحالة
وتضيف "المحكمة": وأن إغفال الحكم بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بطلان الحكم إذا كان هذا الدفاع جوهريا ومؤثرا في النتيجة التي انتهت إليها المحكمة، إذ يعتبر ذلك الإغفال قصورا في أسباب الحكم الواقعية يقتضي بطلانه، وأن طلب الخصم تمكينه من إثبات أو نفي دفاع جوهري بوسيلة من وسائل الإثبات الجائزة قانوناً هو حق له إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة التي له في الإثبات، وأنه يجوز للخصوم إثبات الظروف والملابسات المادية التي أحاطت بالدليل الكتابي بالبيئة والقرائن، إذ لا يندرج ذلك تحت حظر إثبات ما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي بشهادة الشهود والقرائن على مقتضى المادتين 61، 100 من قانون الإثبات.
لما كان ذلك، وكان الثابت بالأوراق أن الطاعن تمسك أمام محكمة الموضوع بأن إيصال الأمانة سند الدعوى حُرّر كأداة ضمان وليس للوفاء وأن ذمته بريئة من الدين المثبت به، وطلب إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات ذلك، بيد أن الحكم المطعون فيه جابه دفاعه بما لا يصلح ردا عليه بأن أعرض عن طلبه بإحالة الدعوى للتحقيق على قالة إن المحرر العرفي حجة بما ورد به بين أطرافه وقد أثبت به التزام الطاعن بالمبلغ الوارد به وهو سند المديونية وممهور بتوقيع الطاعن ولم ينل منه الأخير بأي مطعن ومن ثم تظل للمحرر حجيته، فضلا على أن الدين الثابت به يزيد عن ألف جنيه ولم يثبت أنه دين تجاري ومن ثم لا يجوز إثباته إلا بالكتابة، وقد حجبه ذلك عن تحقيق دفاع الطاعن الجوهري الذي من شأنه - إن صح - تغيير وجه الرأي في الدعوى، وقضى بإلزامه بالمبلغ المطالب به دون تمحيص ما إذا كانت إرادة طرفي الإيصال قد تلاقت على قيام الالتزام الثابت به ونفاذه من عدمه فيكون قد ران عليه القصور المبطل بما يوجب نقضه على أن يكون مع النقض الإحالة.
لذلك:
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه وأحالت القضية إلى محكمة استئناف أسيوط للفصل فيها وألزمت المطعون ضده المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
تفاصيل المبدأ القانوني
وفى هذا الشأن – تقول الخبير القانوني والمحامية رحاب سالم: أن الدائرة المدنية بمحكمة النقض أكدت في حكم حديث لها في الطعن رقم 5468 لسنة 93 قضائية، على مبادئ قضائية راسخة كالتالى:
السبب في الالتزام: يفترض المشرع (وفقاً للمادتين 136، 137 مدني) وجود سبب مشروع للدين، لكن هذا الافتراض يقبل إثبات العكس. إذا ادعى المدين أن السبب المذكور غير صحيح أو صوري، فلا يُحرم من إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات القانونية.
إغفال دفاع الخصم الجوهري = بطلان الحكم: إن إغفال المحكمة بحث دفاع أبداه الخصم (كطلب إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات أن السند حُرر كأداة ضمان وليس للوفاء، أو انتفاء المديونية) يُعد قصوراً جوهرياً في التسبيب وعيباً يبطل الحكم.
الشهود والقرائن: للمحكمة الحق في الإحاطة بالظروف والملابسات المادية بالبينة والقرائن، ولا يندرج ذلك تحت حظر الإثبات بالشهود للمستندات التي تجاوز قيمتها الحد القانوني إذا انصب الإثبات على "صورية السبب" أو "انتفاء الالتزام الأصلي".
وقائع الطعن:
وتضيف "سالم" في تصريح لـ"برلماني": فقد أقام المطعون ضده دعوى للمطالبة بمبلغ مالي استناداً إلى إقرار استلام، وقضت محكمة الاستئناف بتأييد إلزامه بالدفع، ثم طعن المدين بالنقض دافعاً بأن الإقرار حُرر كأداة ضمان وليس وفاءً لدين حقيقي، وطالب بإحالة الدعوى للتحقيق لإثبات عدم استلام أي مبالغ، ولما كان الحكم المطعون فيه قد رفض هذا الدفاع واكتفى بالقول بأن المحرر العرفي حجة بين طرفيه دون تمحيص حقيقة العلاقة، قضت محكمة النقض بـ: "نقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة استئناف أسيوط للفصل فيها مجدداً".
وتابعت "سالم": الخلاصة القانونية لهذا الحكم هو أن المحاكم ملزمة بتمحيص الإرادة الحقيقية لأطراف التعاقد وبحث الدفاع الجوهري للمتقاضين، والعدالة لا تقف عند ظاهر النصوص والمحررات إذا شابتها الصورية أو انعدم سببها.