ارتبط مفهوم العمق الاستراتيجي لعقود طويلة بالامتداد الجغرافي للدولة، باعتبار أن المسافة تمثل أحد أهم عناصر القوة، إذ تمنح الدولة وقتا أكبر لاستيعاب الضربة وإعادة تنظيم قدراتها. إلا أن التحولات التي شهدتها البيئة الأمنية خلال العقود الأخيرة تطرح تساؤلا حول ما إذا كانت الجغرافيا ما زالت وحدها قادرة على تفسير مفهوم العمق الاستراتيجي، أم أن هذا المفهوم بات يكتسب أبعادا جديدة فرضتها طبيعة التهديدات المعاصرة.
والواقع أن تداخل التهديدات الأمنية والاقتصادية والسياسية، بالتوازي مع التطور التكنولوجي المتسارع، أسهم في توسيع دائرة هذا المفهوم، ليصبح عنصر الزمن أحد أبرز مكوناته. فإذا كانت المسافة الجغرافية في الماضي هي العامل الرئيسي الذي يمنح الدولة الوقت اللازم للاستجابة وإعادة تنظيم قدراتها، فإن تصاعد دور الطائرات المسيرة، والصواريخ بعيدة المدى، والهجمات السيبرانية، أعاد تشكيل العلاقة التقليدية بين الزمن والجغرافيا، بحيث لم يعد الزمن رهنا بالامتداد الجغرافي وحده، وإنما أصبح يرتبط أيضا بقدرة الدولة على الاحتفاظ بهامش زمني كافٍ لاستيعاب التهديدات والتعامل معها قبل أن تتحول إلى واقع يفرض نفسه.
ماذا يعكس افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون"؟
وفي هذا السياق، يمكن قراءة افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية “الأوكتاجون” باعتباره أكثر من مجرد تدشين لمنشأة عسكرية جديدة، وإنما باعتباره انعكاسا لإدراك متزايد بأن مفهوم العمق الاستراتيجي لم يعد يقتصر على الاعتبارات الجغرافية التقليدية، بل أصبح يرتبط أيضا بقدرة الدولة على الحفاظ على هامش زمني يسمح لها باستيعاب التهديدات المتسارعة واحتواء تداعياتها، في بيئة إقليمية تتسم بتداخل مصادر الخطر وتزامنها.
وتكتسب هذه الدلالة أهمية خاصة في الحالة المصرية، بالنظر إلى طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة، حيث تتحرك الدولة داخل نطاق جغرافي تتقاطع فيه أزمات متعددة، تمتد من غزة إلى السودان وليبيا، مرورا بالتحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط. وفي مثل هذه البيئة، لا يصبح العمق الاستراتيجي مرتبطا فقط بمدى ابتعاد مراكز الثقل عن مصادر التهديد، وإنما أيضا بقدرة الدولة على امتلاك الوقت الكافي لاستيعاب هذه التهديدات واحتواء آثارها قبل تحولها إلى أزمات مباشرة.
ومن ثم، فإن قيمة منشآت مثل الأوكتاجون لا ترتبط فقط بما تضيفه إلى القدرات الاستراتيجية للدولة، وإنما بما تعكسه من تطور في الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى مفهوم العمق الاستراتيجي ذاته. فإذا كانت الجغرافيا في الماضي تمنح الدولة الوقت بصورة تلقائية، فإن الحفاظ على هذا الوقت أصبح اليوم يتطلب أدوات جديدة قادرة على تعويض ما فقدته المسافة من تأثير. ومن هذه الزاوية، يكتسب الأوكتاجون دلالة تتجاوز حدود المنشأة ذاتها، ليصبح تعبيرا عن إدراك متزايد بأن العمق الاستراتيجي لم يعد يقاس فقط بما تمتلكه الدولة من امتداد جغرافي، وإنما أيضا بقدرتها على الحفاظ على الزمن بوصفه أحد أهم عناصر القوة في البيئة الأمنية المعاصرة.
وتزداد أهمية هذا التحول في الحالة المصرية بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للمجال الاستراتيجي الذي تتحرك داخله الدولة، حيث لم تعد التهديدات تأتي من اتجاه واحد أو ترتبط بملف بعينه، وإنما باتت تمتد عبر دوائر متعددة ومتزامنة. وفي مثل هذه البيئة، لا يكون التحدي الرئيسي هو التعامل مع كل دائرة بصورة مستقلة، وإنما الحيلولة دون انتقال تداعياتها من نطاق إلى آخر، بما يحافظ على اتساع هامش الحركة أمام الدولة ويمنع استنزاف قدرتها على الاستجابة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الأوكتاجون باعتباره جزءا من رؤية أشمل تستهدف الحفاظ على هذا الهامش الزمني، في بيئة تتراجع فيها قدرة الجغرافيا وحدها على توفير العمق الاستراتيجي الذي كانت تمنحه للدول في الماضي.
ويكتسب الأوكتاجون أهميته في هذا السياق لأنه يعكس توجها نحو بناء مؤسسات تتواءم مع طبيعة البيئة الأمنية الجديدة، التي لم يعد النجاح فيها مرهونا فقط بالقدرة على مواجهة التهديدات بعد وقوعها، وإنما أيضا بالحفاظ على الزمن اللازم لاستيعابها واحتواء آثارها قبل أن تتجاوز حدود السيطرة.
ولعل التطور الأبرز في مفهوم العمق الاستراتيجي لا يتمثل فقط في الحفاظ على الوقت، وإنما في توظيف هذا الوقت للتأثير في مسار التهديدات قبل تحولها إلى أزمات مكتملة الأركان، فكلما نجحت الدولة في استثمار هذا الهامش الزمني، اتسعت قدرتها على إعادة تشكيل مسار التهديد ذاته، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياته بعد وقوعها.
وهنا يمكن القول بأن أهمية الأوكتاجون لا تبدو مرتبطة فقط بما يمثله من إضافة إلى القدرات الاستراتيجية للدولة، وإنما بما يعكسه من تطور في فلسفة بناء العمق الاستراتيجي المصري. فالتحدي في البيئة الأمنية المعاصرة لم يعد يقتصر على امتلاك القوة أو اتساع المجال الجغرافي، وإنما امتد إلى القدرة على الحفاظ على الزمن بوصفه أحد أهم عناصر القوة، وتوظيفه بصورة تمنح الدولة مساحة أوسع للتأثير في مسار التهديدات قبل أن تفرض هي إيقاعها على الدولة. ومن ثم، لا يبدو الأوكتاجون مجرد منشأة جديدة ضمن البنية الاستراتيجية للدولة، بقدر ما يمثل انعكاسا لتحول أوسع في الكيفية التي تنظر بها مصر إلى مفهوم العمق الاستراتيجي ذاته، في مرحلة أصبحت فيها القدرة على كسب الزمن واستثماره لا تقل أهمية عن اتساع المجال الجغرافي في حماية الأمن القومي وصون المصالح الاستراتيجية.