الهجرة- أرشيفية
مع التوسع المتسارع في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسات الهجرة واللجوء حول العالم، لم يعد الجدل يقتصر على كفاءة هذه الأنظمة في تسريع الإجراءات وتحليل البيانات، بل امتد إلى تساؤلات قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بحقوق الإنسان وضمانات العدالة والمسئولية القانونية عن القرارات التي قد تحدد مصير ملايين البشر.
الآن، تتجه عدة دول أوروبية إلى استخدام الخوارزميات والأنظمة الذكية في تقييم طلبات اللجوء وإدارة ملفات الهجرة، في وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لتطبيق قانون الذكاء الاصطناعى بشكل كامل اعتباراً من أغسطس 2026، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول حدود الاعتماد على التكنولوجيا في قضايا تمس حياة الأفراد وحرياتهم الأساسية.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي بملفات اللجوء والهجرة يخلق أزمة قانونية دولية غير مسبوقة تمس جوهر ضمانات العدالة الإجرائية وحقوق الإنسان.

وقال مهران في تصريحات خاصة لـ "برلماني"، إن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي صنف الأنظمة المستخدمة في مجالات الهجرة واللجوء ضمن فئة "الأنظمة عالية المخاطر"، وهو تصنيف يفرض متطلبات صارمة تتعلق بالرقابة البشرية والشفافية والضمانات الحقوقية.
وأوضح أن إحدى أبرز الإشكاليات القانونية تتمثل في حق طالب اللجوء في معرفة أسباب القرار الصادر بحقه، مشيرًا إلى أن المادة 41 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي تكفل حق الأفراد في الحصول على قرارات إدارية مبررة وقابلة للفهم والطعن.
وأضاف أستاذ القانون الدولى، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على ما يعرف بـ"الصندوق الأسود" قد تعجز عن تقديم تفسير واضح لكيفية الوصول إلى القرار، وهو ما قد يحرم طالب اللجوء من ممارسة حقه في الطعن بصورة فعالة ويقوض أحد أهم ضمانات العدالة الإجرائية.

وأشار مهران إلى أن مبدأ عدم التمييز يواجه تحديًا متزايدًا مع انتشار استخدام الخوارزميات في تقييم الطلبات، موضحًا أن الأنظمة المدربة على بيانات تاريخية قد تعيد إنتاج أنماط التحيز الموجودة في تلك البيانات بصورة غير مباشرة.
وأكد أن جودة البيانات تمثل العامل الحاسم في عدالة النتائج، إذ يمكن لبيانات تتضمن انحيازات سابقة تجاه جنسيات أو فئات اجتماعية معينة، أن تؤدي إلى قرارات تمييزية حتى دون وجود نية مباشرة لذلك.
وحول المسئولية القانونية عن القرارات التي تتخذها الأنظمة الذكية، شدد أستاذ القانون الدولي، محمد مهران، على أن الدولة تظل مسئولة مسئولية كاملة عن أي قرار يصدر بمساعدة الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن مبادئ مسئولية الدولة في القانون الدولي لا تعترف بإمكانية نقل المسئولية إلى الخوارزمية أو الشركة المطورة للنظام، مؤكداً أن القرارات الصادرة عن المؤسسات الحكومية تظل منسوبة إلى الدولة مهما كانت الأداة المستخدمة في اتخاذها.
وأضاف مهران، أن هذه القضية تكتسب أهمية خاصة في ملفات اللجوء، حيث قد يؤدي خطأ في التقييم الخوارزمي إلى ترحيل شخص إلى بيئة تهدد حياته أو حريته، بما يشكل انتهاكًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

وأكد محمد مهران، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في ملفات اللجوء يجب أن يظل محكومًا بمجموعة من الضمانات الأساسية، على رأسها الإشراف البشري الفعلي على القرارات وعدم الاكتفاء بمراجعة شكلية لنتائج الخوارزميات.
كما دعا إلى ضمان حق المتضررين في الطعن أمام جهات قضائية مستقلة قادرة على مراجعة آليات عمل الأنظمة المستخدمة وفحص مدى سلامة نتائجها، فضلاً عن ضرورة توفير أعلى درجات الشفافية بشأن الخوارزميات المعتمدة في هذا المجال.
وأشار إلى أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي ألزم مطوري ومستخدمي الأنظمة عالية المخاطر بمتطلبات واضحة تتعلق بالشفافية والرقابة البشرية وإدارة المخاطر، بهدف الحد من الآثار السلبية المحتملة على الحقوق الأساسية للأفراد.

وفي ختام تصريحاته، أكد مهران أن العالم بات بحاجة إلى وضع معايير دولية ملزمة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة ملفات الهجرة واللجوء تحت مظلة الأمم المتحدة، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والحفاظ على الحقوق الأساسية للإنسان.
وطالب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين بوضع مبادئ توجيهية واضحة وملزمة تمنع اتخاذ قرارات اللجوء النهائية اعتمادًا على الخوارزميات وحدها، وتُلزم بوجود مراجعة بشرية كاملة لكل قرار يتعلق بمصير طالبى اللجوء، مهما بلغت درجة تطور الأنظمة التقنية المستخدمة.