عقد الزواج مدنى أم دينى - أرشيفية
مع وجود الدولة الحديثة والتي يمثلها بناء الأسرة السليم القائم على الزواج الصحيح الموافق للشرع وللقانون، يصاحب ذلك تنفيذ وتطبيق المعتقد الديني والعادات والتقاليد المرتبطة بالزواج كحالة مميزة في المجتمع مما ينشأ مع ذلك رغبة أكيدة لدى هذه المجتمعات لتكون زواجاتهم وفق الشريعة والقانون، ويمثل الزواج الطريق السليم لتكوين الأسرة لدى جميع الشعوب وفق قوانينها، حيث يرى البعض أن الزواج المدني قد يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية إذا جاء على شروطه الصحيحة، بل ويعتبر الجمع بينهما على وجهه الصحيح حافظاً للحقوق ومحققاً للأهداف.
وهناك يدور التساؤل بشكل دائم، هل الزواج عقد مدني أم ديني؟ ومدى اعتبار عقد الزواج المدني في الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال استقراء شروط الزواج الصحيح في الشريعة الإسلامية ومقارنتها بأحكام الزواج المدني، فقد ظهر أن الزواج الإسلامي يختلف عن الزواج المدني من حيث مصادر التشريع لذلك اختلفت الأهداف والمقاصد فيهما ففي الشريعة يعتبر الزواج عبادة وطريقاً للوجود النسل البشري ويحرم ما سواه بخلاف الزواج المدني، فالهدف منه فرض بعض الحقوق والالتزامات على الزوجين دون وضع لاعتبار التعبد وحماية النسل.
هل الزواج عقد مدني أم ديني؟ وما الفرق بينهما قانوناً وشرعاً؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية في غاية الأهمية تتمثل في الإجابة على السؤال هل الزواج عقد مدني أم ديني؟ حيث يثير هذا التساؤل من آن لآخر الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مفهومه ومشروعيته وهل إذا كان شائعًا في مصر ومعترف به أم لا ومتى يكون؟ خاصة وأنه في الأونة الأخيرة طفت على السطح زيجات مصريات من أجانب، واضطروا بكتابة العقد بالطريقة المدنية، فماذا يعنى الزواج المدني والفرق بينه والزواج الشرعي؟ وما هي الآثار المترتبة على الزواج المدني حتى في حالة وقوع انفصال بين الزوجين؟ ولماذا دائمًا عند حدوثه يسبب حالة من الجدل بين الأطراف.
وفى هذا الشأن - يقول الشيخ تامر الشبينى، إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف المصرية وباحث بقسم الدعوة بجامعة الأزهر الشريف - إن عقد الزواج اليوم بات محفوفا بالمخاطر الجمة بسبب كثرة الشبهات حوله، ونجاح تيارات واتجاهات مختلفة في إخراجه عن حقيقته الشرعية وتحويله لعقد مرن يقبل كل شيء ولو كان حراماً، مع ضعف التوجيه الشرعي من الدعاة والأزاهرة، وسيطرة العادات والتقاليد في العقدين الماضيين على أحكام الشريعة، ووجود بعض التشريعات التي ساعدت على تفشي هذا المعنى، حتى بات بيان حقيقة الزواج الشرعية غربة في هذا الزمان النكد، وهذا مردود على قائله لما يلي:
7 عناصر توضح مدى خطورة الزواج المدنى
ويضيف "الشبينى" في تصريح لـ"برلماني": أولاً: أن العقد المدني قد يتم إبرامه على ما حرم الله، فقد يتفق شخصان على إنشاء مصنع للمخدرات، أو حانة للرقص، أو ترويج للعهر، فهل يجوز لأحد الزوجين أن يُضمن عقد الزواج شيئاً مما حرم الله كأن يسقط حق الفراش، أو يسقط حق النفقة، أو يضيع حق النسب، أو يتزوج بمحرم عليه؟ كلا ثم كلا، وعقد الزواج في هذه الحالة باطل، أو فاسد عند بعض الفقهاء، والسبب أنه تضمن شرطاً فاسداً حرمه الشرع، أو أسقط ركنا أوجبه الشرع لا يقوم عقد الزواج إلا به، ولذلك فالأصل في عقد الزواج أنه ديني وليس مدنياً.
ثانياً: أن العقود المدنية قائمة على جلب المصلحة ودرء المفسدة، وهذا قيد مختلف من شخص لآخر، ولذلك لم يتدخل الشرع فيها إلا بوضع أطر عامة فيها صلاح للفرد والمجتمع، ولا يجوز الخروج عليها في أي عقد من العقود، بخلاف عقد الزواج فإن الذى تولى تنظيمه وضبطه من بدايته لنهايته وآثاره وبقاء وفسخا وطلاقا هو الشرع، لأنه سبحانه هو الأعلم بطبيعة الرجل والمرأة، والأعلم بمصلحة الخلق وما يسعدهم، ومن ثَم فإن الزواج عقد ديني وليس مدنياً – وفقا لـ"الشبينى".
الشيخ تامر الشبينى إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف المصرية وباحث بقسم الدعوة بجامعة الأزهر الشريف
ثالثاً: إن إتمام العقد المدني مختلف عن عقد الزواج، فإن الفقهاء اشترطوا في الإيجاب والقبول للعقود المدنية أى لفظ يتحقق به التراضي بينهما، فلا يشترط لإتمام تحقق الصيغة في البيع والشراء بعتك، أو اشتريت، وإنما كل لفظ دال على التراضي بين طرفي العقد مثل: خذ المال، هات المبيع بخلاف عقد الزواج، فإنهما اشترطوا لفظ الزواج، أو النكاح لخطورة عقد الزواج وقداسته، ولأن فيه معنى التعبد لرب العالمين – هكذا يقول "الشبينى".
رابعاً: أن الزواج في العقود المدنية اليوم يقوم على تشريعات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، ففي المجتمع الأمريكي تأخذ المرأة نصف ثروة الرجل بعد الطلاق، وفي المجتمع الفرنسي القوامة مشتركة وليست للرجل، والذمة المالية للزوجين واحدة وليست مستقلة لكل منهما، وعدة المرأة بعد الطلاق 300 يوم، والطلاق بيد القاضي وليس الرجل، والنفقة على الزوجين وليس الزوج بمفرده! وهذا كله يتعارض جملة وتفصيلاً مع تشريعات الإسلام وهديه في الزواج، وهذا يدلنا على أن عقد الزواج ديني وليس مدنياً.
خامساً: القرآن الكريم تحدث عن الزواج بوصفه عبادة وشعيرة إسلامية، تولى تنظيمها منذ بداية نشأتها كبيان جواز التعريض للمتوفى عنها زوجها بالخطبة، ومراحل تكوينها كتشريع الصداق والولي والإشهاد إلى تنظيم سيرها وقوامها كبيان علاج نشوز المرأة وقوامة الرجل، وترتيب إنهاءالزواج كالطلاق والرجعة والخلع، وجعل القرآن كل خروج عن هذا التنظيم معصية وخروجاً عن الشرع فمثلا: قال عن أخذ شيء من الصداق بغير وجه حق: "أتأخذونه بهتانا وإثما مبيناً"، مما يدلنا على أن الزواج عقد ديني وليس مدنياً – طبقا لـ"الشبينى".
سادساً: السنة النبوية جاء الحديث فيها عن الزواج في إطار القرآن الكريم ولكن بصورة أدق، فجاءت مقيدة للمطلق مثل: الجمع بين المرأة وعمتها في الزواج، ومخصصة للعام مثل: بيان أن الولي من أركان الزواج، وتوضيح المبهم مثل: كيفية إيقاع الطلاق، وكذلك الاستقلال بالتشريع مثل: سقوط الحضانة عن المرأة بعد زواجها! وهذا كله يدلنا على أن الزواج عقد ديني وليس مدنيا.
سابعاً: قد يعارض أحد ويقول: لكن الزواج بها حقوق مالية للطرفين يجب التوافق عليها، والإلتزام بها، ومن ثم فهو عقد مدني، والجواب: أن الذي تولى تشريع هذه الحقوق وأوجب القيام بها، وحرم أكلها هو الشرع! فالأمر أولاً وآخراً لله رب العالمين.
مفهوم الزواج المدنى
وفى سياق أخر – تقول الخبير القانوني والمحامية رحاب سالم: الزواج المدني موجود في الكثير من دول العالم لكن يختلف تطبيقه من بلد لآخر وفقا للحالة الدينية لهذه البلد ولقوانينها ودستورها وما هو مسموح لديها وما هو ممنوع، فهناك بلاد عربية وليست أجنبية فحسب، القوانين لديها لا تشترط الديانة أو الطائفة أو الجنسية بل أنها توافق علي أي حالات تتقدم لطلب الزواج المدني لديها، أما في مصر هناك الكثير من القيود حول تطبيق هذا القانون، لأنه تحكمنا الشريعة والأحكام الدينية، والزواج المدني هو عقد زواج يوثق أمام جهة رسمية في الدولة مثل المحكمة أو السفارة أو الشهر العقارى، من غير تدخل المؤسسات الدينية، ويتم توثيقه بحضور شاهدين ويعد دليلًا قانونيًا على الزواج.
وتؤكد "سالم" في تصريح خاص: فالزواج المدنى هنا لا يعتمد فقط على الطقوس أو القواعد الدينية بشكل أو بأخر، أو قانون الأحوال الشخصية، لكن في حقيقة الأمر يعتمد على القوانين المدنية للدولة التي ينعقد فيها الزواج، وإذا عُقد زواج مدني فقط ولم يوثق وفقا للقوانين المصرية المعتمدة على الشريعة، لن يكون له أي أثر قانوني يُذكر أمام المحاكم ويشمل ذلك مشكلات النسب والطلاق وغيرها، لكن إذا تم وفقًا للشريعة الإسلامية يترتب عليه نفس آثار وحقوق الزواج الشرعي لدينا فى مصر.

لا يمكن القول بأن الزواج المدنى غير معترف به في مصر
وتضيف "سالم": ولا يمكن القول بأن الزواج المدنى غير معترف به في مصر، لأنه يتم وفقا لظروف خاصة، وهي مثلا أن يكون أحد الطرفين غير مصري، فهنا لابد أن يتم الزواج في السفارة التابعة للزوج وذلك حتى تضمن الزوجة حقوقها فيما بعد، صحيح أنه يختلف شكلا ومضمونا عن عقد الزواج الشرعي الذي يحرره المأذون، لكن يمكن للزوجين أن يكتبا فيه الشروط التي يطلبها من الطرف الآخر، وكل طرف ملزم بعدم مخالفة هذه الشروط، أى أن العقد يتضمن شروطًا يتم الاعتداد بها فيما بينهما من حقوق الزوجة أو الزوج سواء خلال فترة الزواج أو عند وقوع الطلاق من نفقات وحضانة ابناء وغيرها.
وفسرت ذلك بقولها: الزواج المدنى يعتبر مثل عقود البيع والشراء، كل شيء فيه يتم بالاتفاق وإذا لم يحدث هذا الاتفاق، يمكن أن يتجه أحد الطرفين إلى المحكمة المدنية ويطلب فسخ عقد الزواج، لأن أحد الطرفين مثلا أخل بشروط العقد المبرم بينهما، وأما عن الطلاق في حالة الزواج المدني؛ ينهى هذا الزواج مثلما عقد بالاعتماد على إجراءات قانونية فقط، ودون الحاجة إلى موافقة دينية، وإذا عقد زواج مدني فقط ولم يوثق وفقا للقوانين المصرية المعتمدة على الشريعة لا يكون له أي قوة قانونية أمام القانون ويترتب عليه مشكلات النسب والطلاق، وإذا لم يخالف الشريعة الإسلامية، يكون للزوجة الحق في التقدم بدعاوى نفقة عادي أو أي حق من حقوق الزواج وفقا لقانون الدولة.
وتؤكد "سالم": والزواج المدني موجود في كل دول العالم، وتوجد دول كثيرة يسهل الزواج فيها دون النظر لجنسياتهم أو ديانتهم أو أي مانع يمنع شخصين عن الزواج، لكن عندنا في مصر الأمر مختلف، لذلك الزواج المدني موجود لكنه مقيدا بشروط، وغير محبذ إلا في حالتين فقط، الأولى هي زواج الاجانب، كزواج المصريات من أجانب أو العكس، وزواج الأجانب في مصر، أي أجنبي لأجنبيه يكون ايضًا زواجًا مدنيًا، والحالة الثانية زواج غير المسلمين، وحتى غير المسلمين في مصر لابد أن يكون الزواج في اطار قواعد وأحكام طوائفهم التي تقرها الدولة.
الزواج المدنى داخل السفارة
وعن زواج السفارات تقول "سالم": هناك فتيات وسيدات يتم زواجهن من أجانب، عن طريق السفارة التابع لها الزوج، بشروط وإجراءات مدنية ويوثق هذا الزواج في قطاع الأحوال المدنية بالعباسية، ولكن قبلها يتم الزواج في السفارة لكي يوثق الزواج في البلدين حفاظا على حقوق أطراف الزواج وما ينتج عنه من أبناء، أي أنه شرط توثيقه في السفاره التابعة للزوج ضمانًا لحقوق الزوجة وابنائها، ففي الماضي كان يتم الزواج في محكمة الأسرة لكن منذ عدة سنوات صدر القرار في حالة زواج أحد الطرفين بغير مصري؛ أن يتم الزواج داخل السفارة التابع لها هذا الطرف، ضمانًا لحق الطرف المصري، وفى الحقيقة الزواج المدني في مصر لا يعترف به رسميًا إذا لم يستوفِ الشروط الشرعية الإسلامية المعروفة، مثل أن يكون الطرفان بالغين عاقلين، وأن يكون هناك الإيجاب والقبول وموافقة الولي، ووجود الشهود.
ورغم أن الزواج المدني يسبب جدلًا بسبب مشروعيته يخلق دائمًا بعض التساؤلات، هناك بعض الناس على الجانب الآخر، يرون أن الزواج المدني قد يوفر بعض المزايا القانونية والاجتماعية التي لا يوفرها الزواج الشرعي؛ وهي المساواة بين الطرفين، حيث يقوم بعضهن بوضع شروطا وبنودا في العقد وإلزام الطرف الآخر بتنفيذها، والحق في الطلاق اعتمادًا على القانون، دون الحاجة إلى مبررات دينية لكي يتم الطلاق، أي أنه يحافظ على حقوق المرأة والرجل معًا، حتى في حالة حدوث نزاع أو وقوع الطلاق - وفي النهاية - لا يوجد في مصر زواج مدني إلا في الحالتين السابق ذكرهما، ولا يعترف بهما إلا بعد التوثيق بما يتناسب مع القانون المصري والشريعة الإسلامية، ويتم النظر في شئون دعواهم مثل الزواج الشرعي وفقا للقانون المصري للمسلمين وغير المسلمين – الكلام لـ"سالم".
مساوئ الزواج المدنى قانوناً
وفى الأخير تؤكد: وفيما عدا ذلك من زواج مدني كما هو معروف في كثير من الدول الذي لا يعترف بفارق الدين أو غيره، فلا يتم الاعتراف به ولا يوثق في محاكم الأسرة لدينا، وبالتالي لا يترتب عليه آثار، ولا يمكن إقامة دعاوى قضائية في أي شيء يخصه، مثل إثبات النسب والنفقة وخلافه، وهناك الكثير من حالات الزواج المدنى وهى زواج الأجانب، حيث مصريات يتزوجن من جنسيات عربية والعكس، أي مصريين يتزوجون من زوجات أجنبيات، ولذلك يتعيّن على المنظمات الحقوقية والمراكز الاجتماعية والمدنية في جميع الدول إلى تبني صياغة اتفاقية دولية مرنة يحفظ بها النسل البشري وتحفظ بها حقوق الزوجين والأسرة، ويتأكد ذلك مع التواصل البشري المتزايد بين الدول والشعوب.