الثلاثاء، 02 يونيو 2026 01:17 ص

"لبنان" تفخخ طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. إسرائيل توسع عملياتها في الجنوب اللبناني.. والجيش يسيطر على قلعة "الشقيف".. واشنطن تحاول احتواء الحرب.. وحزب الله: توسع الاحتلال دافعًا للتمسك بخيار المقاومة

"لبنان" تفخخ طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. إسرائيل توسع عملياتها في الجنوب اللبناني.. والجيش يسيطر على قلعة "الشقيف".. واشنطن تحاول احتواء الحرب.. وحزب الله: توسع الاحتلال دافعًا للتمسك بخيار المقاومة توغل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان
الإثنين، 01 يونيو 2026 11:00 م
كتبت آمال رسلان

في الوقت الذي تتسابق فيه واشنطن وطهران لاقتناص فرصة أخيرة لتثبيت وقف الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، تشتعل جبهة أخرى لا تقل خطورة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. فبينما تتواصل المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وسط رهانات على تهدئة إقليمية شاملة، تتجه التطورات الميدانية في جنوب لبنان نحو منحنى أكثر تصعيدًا، مع توسيع إسرائيل عملياتها البرية، وسيطرتها على مواقع استراتيجية، واستمرار هجمات حزب الله الصاروخية والمسيرة، مما يهدد عملية السلام برمتها.

المفارقة أن الساحة اللبنانية باتت تمثل اليوم أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية. فواشنطن ترى أن أي اتفاق مستدام مع طهران يجب أن يشمل تهدئة الجبهات المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة، وعلى رأسها لبنان، بينما تعتبر إيران أن مستقبل حزب الله وموقعه في المعادلة الأمنية اللبنانية جزء أساسي من أي ترتيبات إقليمية جديدة. وبين هذين المسارين، تتصاعد المعارك على الأرض بصورة تهدد بنسف الجهود الدبلوماسية الجارية وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.

وشهدت الأيام الأخيرة تطورًا ميدانيًا بارزًا تمثل في إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان، وهي خطوة اعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “تحولًا حاسمًا” في المعركة ضد حزب الله.

وفي كلمة مصورة، أكد نتنياهو أن القوات الإسرائيلية عادت إلى القلعة "موحدة ومصممة وأقوى من أي وقت مضى"، معتبرًا أن السيطرة على الموقع الاستراتيجي تعني كسر "حاجز الخوف" وتؤكد قدرة إسرائيل على العمل في عدة جبهات بالتوازي، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة.

كما شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على الرمزية السياسية والعسكرية للخطوة، مشيرًا إلى أن رفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة بعد أكثر من أربعة عقود من حرب لبنان الأولى يحمل رسالة واضحة بشأن استمرار العمليات العسكرية وتوسيعها.

وتحظى قلعة الشقيف بمكانة خاصة في الذاكرة اللبنانية، إذ استخدمتها القوات الإسرائيلية قاعدة عسكرية خلال سنوات احتلال الجنوب حتى عام 2000، كما أنها تُعد من أبرز المواقع الأثرية في البلاد وتحظى بحماية معززة من منظمة اليونسكو منذ عام 2024.

في المقابل، سارع حزب الله إلى التقليل من أهمية السيطرة الإسرائيلية على القلعة. وقال النائب حسن فضل الله إن الموقع “أثري وطني” ولم يكن يومًا قاعدة عسكرية للمقاومة، معتبرًا أن رفع العلم الإسرائيلي فوقه يمثل استفزازًا للمشاعر الوطنية اللبنانية.

لكن فضل الله ذهب أبعد من ذلك عندما اعتبر أن أهداف إسرائيل لم تعد مرتبطة فقط بسلاح حزب الله، بل أصبحت تستهدف فرض وقائع جغرافية وسكانية جديدة تمتد من جنوب سوريا إلى جنوب لبنان.

وأكد أن استمرار الاحتلال والتوسع الإسرائيلي يشكل دافعًا إضافيًا للتمسك بخيار المقاومة، منتقدًا في الوقت نفسه المفاوضات المباشرة التي تجريها الحكومة اللبنانية مع إسرائيل، معتبراً أن الوقائع الميدانية أثبتت عدم جدوى هذا المسار في وقف الاعتداءات أو منع الاحتلال.

التطور الأخطر تمثل في إعلان الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته البرية جنوب لبنان إلى مناطق جديدة بعد تجاوز نهر الليطاني، في خطوة تعكس انتقال العمليات إلى مرحلة أكثر عمقًا داخل الأراضي اللبنانية.

وقالت القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي إنها بدأت عملية واسعة في مرتفعات الشقيف ومنطقة وادي السلوقي بهدف تدمير البنية التحتية التابعة لحزب الله وتعزيز السيطرة العملياتية في الجنوب اللبناني.

وبالتزامن مع ذلك، وجه الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء لسكان تسع بلدات وقرى جنوبية، مطالبًا المدنيين بالابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر عن المناطق المستهدفة، فيما تواصلت الغارات الجوية على عدد من القرى في النبطية ومحيطها.

وتشير هذه التطورات إلى أن إسرائيل تسعى لإنشاء منطقة أمنية واسعة داخل الجنوب اللبناني، وهو ما يثير مخاوف من تحول العمليات الحالية إلى احتلال طويل الأمد لمناطق جديدة، في المقابل، لم تتوقف هجمات حزب الله. فقد أعلن الحزب استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية وبنى تحتية داخل بلدات شلومي ونهاريا وعكا وصفد في شمال إسرائيل.

وأكد الجيش الإسرائيلي اعتراض عدد من الصواريخ التي أطلقت من لبنان، فيما دوت صفارات الإنذار في مناطق واسعة من الجليل الأعلى، كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنوده وإصابة ثلاثة آخرين جراء انفجار طائرة مسيرة هجومية أطلقها حزب الله واستهدفت قوة إسرائيلية قرب بلدة يحمر الجنوبية في محيط قلعة الشقيف.

وبحسب البيانات الإسرائيلية، فقد قتل 26 جنديًا وأصيب 137 آخرون منذ بدء الجولة الحالية من المواجهات مطلع مارس الماضي، ما يعكس حجم الخسائر المتزايدة رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، وفي تطور يثير قلقًا واسعًا، أعلن نتنياهو أنه أصدر أوامر مباشرة بمهاجمة الضاحية الجنوبية لبيروت، معتبراً أن ذلك يأتي ردًا على ما وصفه بانتهاكات حزب الله المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار.

ويمثل استهداف الضاحية الجنوبية تحولًا خطيرًا في مسار العمليات، إذ لطالما اعتُبرت المنطقة أحد أبرز معاقل حزب الله السياسية والشعبية والعسكرية، وتشير تقارير أمريكية إلى أن إسرائيل تسعى للحصول على موافقة أمريكية لتوسيع الضربات من جنوب لبنان إلى أهداف أوسع داخل العاصمة بيروت، في خطوة قد تؤدي إلى انفجار شامل للصراع.

فبحسب مصادر أمريكية نقل عنها موقع “أكسيوس”، فإن المحاولات التي قادتها إدارة الرئيس دونالد ترامب للتوصل إلى وقف إطلاق النار في لبنان تعثرت بصورة كبيرة مع توسع العمليات البرية الإسرائيلية، وكانت واشنطن قد اقترحت وقفًا متبادلًا للتصعيد يقوم على توقف حزب الله عن إطلاق الصواريخ والمسيرات مقابل امتناع إسرائيل عن توسيع عملياتها العسكرية.

غير أن الخلافات حول الطرف الذي يجب أن يبادر بوقف إطلاق النار أولاً أدت إلى تعثر المبادرة، خاصة بعد تمسك رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بضرورة وقف إسرائيل عملياتها العسكرية قبل أي خطوة من جانب حزب الله.

فوفق تقارير أمريكية، تتضمن مسودة التفاهم التي يجري التفاوض حولها بين الجانبين بنودًا تتعلق بإنهاء القتال في لبنان وتخفيف التوتر على مختلف الجبهات المرتبطة بإيران.

كما أن أحد الأهداف الرئيسية للإدارة الأمريكية يتمثل في الوصول إلى اتفاق يضمن إعادة فتح مضيق هرمز واستقرار حركة التجارة والطاقة العالمية، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل استمرار الحرب على الجبهة اللبنانية.

وتدرك واشنطن أن أي تصعيد كبير في لبنان قد يدفع إيران إلى التشدد في المفاوضات أو ربط الملفات ببعضها البعض، بما يشمل أمن الخليج ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية.

وفي المقابل، تنظر طهران إلى أداء حزب الله في الميدان باعتباره أحد أوراق الضغط الرئيسية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل أي تراجع ميداني للحزب أو أي تسوية لا تراعي مصالحه أمرًا بالغ الحساسية بالنسبة للقيادة الإيرانية.

حتى الآن، لا تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد انهارت، لكنها تواجه اختبارًا صعبًا مع استمرار التصعيد في لبنان. فكلما توسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية وارتفعت وتيرة الردود من حزب الله، تقلصت مساحة المناورة السياسية أمام الوسطاء.

ومع اقتراب جولات تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن خلال الأيام المقبلة، تجد المنطقة نفسها أمام معادلة معقدة: فإما أن تنجح المساعي الدبلوماسية في احتواء التصعيد وتحويل لبنان إلى جزء من تسوية إقليمية أوسع تشمل إيران ومضيق هرمز، وإما أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى الشرارة التي تعطل المفاوضات بالكامل وتدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.


print