عادت قضية "فالا فالا" لتتصدر المشهد السياسي في جنوب إفريقيا مجدداً، بعدما شرع البرلمان في تنفيذ خطوات جديدة للنظر في مساءلة الرئيس سيريل رامافوزا، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل منذ وصوله إلى السلطة عام 2018.
ويأتي هذا التحرك بعد قرار المحكمة الدستورية إعادة إحياء إجراءات المساءلة البرلمانية التي توقفت قبل أكثر من ثلاثة أعوام، ما أعاد فتح ملف ظل يمثل تحدياً سياسياً وقانونياً للرئيس، رغم نجاته سابقاً من محاولات عزله بدعم من حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم.
بداية مرحلة جديدة في البرلمان
من المقرر أن تعقد اللجنة البرلمانية الخاصة المكلفة بالنظر في القضية أول اجتماعاتها فى الأول من يونيو، في خطوة تمثل البداية الفعلية لمسار جديد من التحقيقات البرلمانية المرتبطة بالملف.
وتتكون اللجنة من 31 عضواً يمثلون مختلف الأحزاب السياسية داخل الجمعية الوطنية، وستكون مهمتها دراسة التقرير المستقل الذي سبق أن خلص إلى وجود مؤشرات أولية تستوجب مزيداً من التحقيق بشأن سلوك الرئيس في القضية.
ويأتي تشكيل اللجنة تنفيذاً لحكم صادر عن المحكمة الدستورية في مايو 2026، قضى ببطلان القرار الذي اتخذه البرلمان في عام 2022 بإغلاق الملف وعدم المضي في إجراءات العزل.
رامافوزا يواجه المسار البرلماني بالمسار القضائي
بالتوازي مع تحركات البرلمان، بدأ الرئيس رامافوزا معركة قانونية جديدة للطعن في الأساس الذي تستند إليه إجراءات المساءلة.
فقد تقدم بطلب قضائي لإلغاء نتائج اللجنة المستقلة التي فحصت القضية قبل سنوات، معتبراً أن استنتاجاتها تجاوزت حدود اختصاصها وأنها لم تستند إلى أدلة كافية لإثبات وقوع مخالفات.
كما أشار فريقه القانوني إلى إمكانية اللجوء إلى القضاء بصورة عاجلة لوقف عمل اللجنة البرلمانية إذا استمرت الإجراءات قبل البت النهائي في الطعن المقدم منه.
ورغم التصعيد القانوني والسياسي، لا تزال القضية في مرحلة التقييم والإجراءات، ولم تصدر أي جهة قضائية حكماً يثبت ارتكاب الرئيس مخالفة جنائية أو دستورية.
كيف أعادت المحكمة الدستورية القضية إلى الواجهة؟
تعود نقطة التحول الأخيرة في القضية إلى الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية في مايو الجاري، والذي أعاد فتح الملف بعد سنوات من الجمود السياسي.
ورأت المحكمة أن البرلمان لم يؤدِّ واجبه الدستوري على النحو المطلوب عندما رفض في ديسمبر 2022 المضي في توصيات لجنة مستقلة كانت قد أوصت بإجراء تحقيق أوسع في القضية.
وبناءً على ذلك، أُلزم البرلمان بإعادة النظر في التقرير وتفعيل الآليات الدستورية الخاصة بمساءلة الرئيس.
وأعاد هذا الحكم إحياء قضية كان يُعتقد أنها انتهت سياسياً بعد التصويت البرلماني الذي أنقذ رامافوزا من مواجهة إجراءات العزل قبل نحو ثلاث سنوات.
تقرير مستقل أشعل الأزمة السياسية
قبل التصويت البرلماني في عام 2022، شكلت الجمعية الوطنية لجنة مستقلة بموجب المادة 89 من الدستور الجنوب إفريقي لفحص المزاعم المتعلقة بالقضية.
وبعد مراجعة الوثائق والشهادات المتاحة آنذاك، خلصت اللجنة إلى وجود أدلة أولية تشير إلى احتمال ارتكاب الرئيس مخالفات تستوجب إجراء تحقيق برلماني كامل.
لكن التقرير لم يتضمن حكماً بالإدانة، إذ إن اللجنة لم تكن تملك صلاحيات قضائية، واقتصر دورها على تقييم ما إذا كانت هناك مبررات كافية لبدء إجراءات المساءلة.
ورغم ذلك، أثارت نتائج التقرير عاصفة سياسية داخل البلاد، وانقسمت الأحزاب بين مؤيد لمواصلة التحقيق ومعارض له.
تصويت البرلمان أنقذ الرئيس
في ديسمبر 2022، صوّتت الأغلبية البرلمانية التابعة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي ضد توصيات اللجنة المستقلة، ما أدى إلى إسقاط إجراءات العزل وإغلاق الملف داخل البرلمان.
وشكل ذلك انتصاراً سياسياً مهماً لرامافوزا في ذلك الوقت، إذ تمكن من تجاوز أخطر أزمة واجهتها رئاسته منذ توليه المنصب.
غير أن الجدل حول القضية لم يتوقف، وظلت أحزاب المعارضة ومنظمات مدنية تطالب بمراجعة القرار وإعادة النظر في طريقة تعامل البرلمان مع الملف.
أصل القضية.. سرقة غامضة في مزرعة خاصة
تعود جذور القضية إلى حادثة وقعت في فبراير 2020 داخل مزرعة "فالا فالا" الخاصة بالرئيس رامافوزا في إقليم ليمبوبو شمال البلاد.
وبحسب المعلومات التي ظهرت لاحقاً، تعرضت المزرعة لعملية سرقة استهدفت مبالغ نقدية من العملات الأجنبية كانت محفوظة داخل قطعة أثاث.
غير أن الحادثة بقيت بعيدة عن الأضواء لأكثر من عامين، قبل أن يكشفها في عام 2022 المدير العام السابق لوكالة الاستخبارات الجنوب إفريقية آرثر فريزر، الذي تقدم بشكوى رسمية تضمنت سلسلة من الاتهامات المتعلقة بكيفية التعامل مع الواقعة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت السرقة من قضية جنائية محدودة إلى أزمة سياسية وطنية أثارت تساؤلات حول مصدر الأموال، وقيمة المبلغ المسروق، وأسباب الاحتفاظ به نقداً داخل المزرعة.
رامافوزا ينفي ارتكاب أي مخالفات
تمسك رامافوزا منذ ظهور القضية بروايته التي تفيد بأن الأموال كانت حصيلة صفقة قانونية لبيع حيوانات من مزرعته إلى مشترٍ أجنبي.
ونفى الرئيس مراراً ارتكاب أي مخالفة قانونية أو دستورية، مؤكداً أنه تعاون مع الجهات المختصة وقدّم التوضيحات المطلوبة بشأن الأموال والسرقة.
كما شدد على أن الاتهامات الموجهة إليه لا تستند إلى أدلة تثبت ارتكابه أي جرم، وهو الموقف الذي لا يزال يتمسك به حتى الآن.
إلى أين تتجه القضية؟
في المرحلة الحالية، يتركز الاهتمام على عمل اللجنة البرلمانية الجديدة وما إذا كانت ستوصي بالمضي نحو إجراءات عزل رسمية أو الاكتفاء بنتائج أخرى.
لكن حتى في حال أوصت اللجنة باستكمال المسار، فإن عزل الرئيس يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية، وهو شرط دستوري مرتفع في ظل استمرار تمتع حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بكتلة برلمانية كبيرة.
وبينما تستمر المعركة القانونية في المحاكم والسياسية داخل البرلمان، تبقى "فالا فالا" القضية الأكثر حساسية في سجل رئاسة رامافوزا، بعد ست سنوات من الحادثة التي بدأت بسرقة داخل مزرعة خاصة وانتهت إلى مواجهة دستورية مفتوحة بين الرئاسة والبرلمان والقضاء.