قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين - أرشيفية
يترقب الأقباط صدور قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، والذى يتناول في أبوابه مسألة الطلاق وإشكالياته وأسبابه، وخطورة التوسع فيه، وفى الحقيقة الطلاق ليس حلاً لكل المشاكل الزوجية ولا يوجد بيت يخلو من الخلافات الزوجية إذا كان الطلاق الحل الوحيد لما استمرت زيجة على وجه الأرض، والبعض يستند إلى عبارات مطاطة منها استحالة العشرة وهي عبارة غير قابلة للقياس وتختلف من شخص لآخر، إذا كانت استحالة العشرة كسبب من أسباب الطلاق حسب أهواء كل شخص، ومن ثم كل البيوت سيحدث فيها حالات طلاق.
محاكم الأسرة تستقبل ملايين المواطنين في دعاوى الأحوال الشخصية سنوياً، حيث إن المشرع لم يوفق في صياغة منظومة تشريعية ناجحة للأحوال الشخصية في مصر، حيث إن كل هذه الأمور تتطلب التعديل العاجل لقوانين الأحوال الشخصية حتى لا يتم المزيد من إهدار حقوق كل من الطرفين، هذا التعديل سيساهم في الحفاظ على تماسك الأسرة المصرية التي هي نواة هذا المجتمع؛ حيث يمثل ارتفاع نسب معدلات الطلاق بصورة مستمرة تهديداً لأمن وسلامة واستقرار المجتمع.

التوسع في أسباب الطلاق لدى المسيحيين بين قدسية العقيدة وحدود الدستور
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على مسألة التوسع في أسباب الطلاق بين قدسية العقيدة وحدود الدستور، حيث أن هناك اتجاه في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من بعض الطوائف فيه توسع في أسباب الطلاق علي الرغم من إعلانهم مراراً وتكراراً رفضهم التوسع في أسباب الطلاق ربما يكون قد اختلط عليهم الأمر في فهم المصطلحات القانونية أو ربما يحاول البعض تصدير أن طائفته تتمسك بتعاليم الكتاب المقدس، وأن أسباب الطلاق في طائفته سببين فقط، ثم يحاول الالتفاف علي المصلحات ويدعي أنه يتوسع فقط في انحلال وبطلان الزواج وذلك علي خلاف الحقيقة – بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض المتخصص في الشأن الكنسى هانى صبرى.
في البداية - لم يعد التوسع في أسباب الطلاق مجرد اجتهاد تشريعي قابل للأخذ والرد، بل أصبح – في السياق الراهن – خطرًا حقيقيًا يهدد استقرار الأسرة المسيحية، وينال من جوهر العقيدة، ويصطدم صدامًا مباشرًا مع أحكام الدستور، حيث إن الأزمة التي نشهدها اليوم ليست أزمة نصوص فحسب، بل أزمة فلسفة تشريعية تحتاج إلى مراجعة جذرية تعيد الأمور إلى أصولها، لا أن تنزلق بها إلى مسارات التفكك – وفقا لـ"صبرى".

موقف المسيحيين من "استحكام النفور" أو "استحالة العشرة" أو "الضرر النفسي"
إن الاتجاه الذي تتبناه بعض الطوائف المسيحية نحو التوسع في أسباب إنهاء الرابطة الزوجية تحت مسميات فضفاضة، كـ "استحكام النفور" أو "استحالة العشرة" أو "الضرر النفسي"، لا يمكن تبريره اجتماعيًا أو قانونيًا أو دينيًا، فهذه الصياغات، بطبيعتها غير المنضبطة، تُحوِّل الطلاق من استثناء محدود إلى أصل عام، وهو ما يُعد مخالفة صارخة للكتاب المقدس، وانحرافًا خطيرًا عن جوهر الشريعة المسيحية، فالكتاب المقدس لم يترك مسألة الطلاق للاجتهادات المتغيرة، بل حسمها بنصوص قاطعة لا تحتمل التأويل الواسع، إذ ورد فيه – الكلام لـ"صبرى":
- «فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ» (إنجيل متى 19: 6)
- «لأَنِّي أَكْرَهُ الطَّلاَقَ، قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ» (سفر ملاخي 2: 16)
- «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَا يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي» (إنجيل متى 5: 32)
- «وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي» (إنجيل متى 19: 9)
- «كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُلٍ يَزْنِي» (إنجيل لوقا 16: 18).

المادة (3) من الدستور المصري
هذه النصوص لا تُقرِّر مجرد توجيه أخلاقي، بل تؤسس لنظام قانوني متكامل قوامه دوام الرابطة الزوجية، وحصر الفُرقة في أضيق نطاق استثنائي مرتبط بجوهر الأمانة الزوجية وتغيير الدين، ومن ثم، فإن أي محاولة لتوسيع هذا النطاق تُعد – في حقيقتها – خروجًا على النص الإلهي ذاته – هكذا يقول "صبرى".
ومن الناحية الدستورية، فإن المادة (3) من الدستور المصري جاءت بحكم قاطع لا يقبل الالتفاف، حين قررت أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية. وهذا النص لا يمنح المشرّع سلطة تقديرية مطلقة، بل يقيّده التزامًا موضوعيًا بالحفاظ على جوهر هذه الشرائع، لا تفريغها من مضمونها، كما أن المادة (10) من الدستور، التي تقرر أن الأسرة أساس المجتمع وتلزم الدولة بالحفاظ على تماسكها، تُضفي على تنظيم الطلاق بُعدًا من أبعاد النظام العام، بما يوجب تضييق نطاقه لا التوسع فيه – طبقا لـ"صبرى".

ضبط المفاهيم
في تقديري، فإن الخلط بين مفاهيم الطلاق والانحلال والفسخ والبطلان يمثل أحد أخطر أبواب التحايل للتوسع في أسباب الطلاق من قبل بعض الطوائف المسيحية، وهو ما يستوجب ضبطًا دقيقًا:
الطلاق: هو حل رابطة زواج صحيح قائم، مع بقاء آثاره السابقة، وينصرف أثره إلى المستقبل فقط.
اما الانحلال أو الفسخ القضائي: هو إنهاء العلاقة لسبب طارئ وجوهري، دون إنكار أن الزواج كان صحيحًا عند نشأته.
البطلان: يعني أن الزواج لم يستوفِ أركانه أو شروط صحته منذ البداية، فيُعد كأن لم يكن أصلًا.
ويضيف الخبير القانوني: والخطورة تكمن في استخدام مسمى "الانحلال" أو "الفسخ" كغطاء لإدخال أسباب موضوعية لا تقرها الشريعة المسيحية، بما يُنتج في الواقع طلاقًا مقنّعًا يُفرغ الحظر الأصلي من مضمونه، وهذا يُعد تحايلاً قانونيًا مرفوضًا، لأن العبرة في القانون ليست بالألفاظ، بل بحقيقة الأثر، كما أن السماح بالتحايل عبر تغيير الملة أو الطائفة للحصول على الطلاق حالياً يُعد انحرافًا في استعمال الحق، واعتداءً على مبدأ استقرار المراكز القانونية، ويصطدم بمقتضيات حسن النية، خاصة وأن قواعد الأحوال الشخصية تتصل اتصالًا وثيقًا بالنظام العام.
التوسع في أسباب الطلاق خارج الإطار الكتابي
إن المسؤولية الكاملة عن هذا الانحراف لا تقع على الأفراد، بل تتحملها بعض الطوائف المسيحية التي اختارت – بإرادتها – التوسع في أسباب الطلاق خارج الإطار الكتابي، وهو ما يُعد – دون مبالغة – جريمة في حق المصريين المسيحيين، لما يترتب عليه من تقويض لقدسية الزواج، وتحويله من عهد دائم إلى علاقة قابلة للإنهاء وفق الأهواء.
ومن ثم، فإن أي مشروع قانون يتجه إلى هذا التوسع يُعد مشوبًا بشبهة عدم الدستورية من حيث المضمون، لأنه يخالف نص المادة (3) من الدستور الحالى مخالفة مباشرة، ويهدر جوهر الشريعة المسيحية. وعليه، فإن الطعن بعدم دستوريته أمام المحكمة الدستورية العليا في حالة إقرار القانون يصبح واجبًا قانونيًا، لا مجرد خيار.
إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتوسيع أسباب الطلاق، بل بوضع حلول جذرية، منها:
1- التأهيل الجاد للمقبلين على الزواج.
2- تفعيل نظم الإرشاد الأسري والوساطة.
3- إدراج قواعد الأحوال الشخصية للمسيحيين ضمن النظام العام صراحة ولا يجوز الاتفاق أو التحايل على مخالفتها.
4- توحيد المفاهيم القانونية ومنع التلاعب بالمصطلحات، وضع تعريفات ملزمة في القانون لكل من: الطلاق – الفسخ – الانحلال – البطلان.
5- غلق منافذ التحايل.
فالأسرة لا تُحمى بتفكيكها، بل بتقويتها، ويبقى المبدأ ثابتًا لا يتغير: ما جمعه الله لا يجوز أن يُفككه آراء بشرية ولا أن تعبث به اجتهادات من قبل بعض الطوائف المسيحية تفتقر إلى الانضباط العقدي والدستوري .
