مجلس الدولة - أرشيفية
تلقت محكمة القضاء الإداري، طعناً على القرار الصادر من مصلحة الشهر العقارى، للمطالبة بوقف تنفيذ القرار الصادر بوقف التعامل على تلك الأراضي، ثم إلغائه وما يترتب عليه من آثار.
الملخص:
على مدار سنوات طويلة، عاش أهالي دمياط ورأس البر على أراضٍ مستقرة الملكية، صدرت بشأنها عقود، وتسجيلات، وأحكام، وتعاملت عليها جهات الدولة المختلفة باعتبارها أراضي مملوكة ومستقرة قانونًا - لكن فجأة - عاد إلى الواجهة ملف قديم يتعلق بما يُعرف بـ "وقف الأمير مصطفى عبد المنان"، لتصدر قرارات بوقف التعاملات والتصرفات على مساحات واسعة من الأراضي، انتظارًا لما سُمّي بـ "حصر الأراضي".
وهذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل امتدت آثاره إلى المواطنين والمحامين وأصحاب الحقوق، فتوقفت إجراءات التسجيل، وتعطلت مصالح كثيرة، رغم وجود أحكام قضائية سابقة تناولت أصل هذا النزاع، وأكدت – وفق ما ورد بالأحكام – عدم ثبوت الحجة المنسوبة لذلك الوقف، ومن هنا جاء تحرك أصحاب الحق بأول قضائية مقدمة من المحامى أحمد يحيى فايد، إيمانًا بحقوق المواطنين، واحترامًا لحجية الأحكام القضائية، وتأكيدًا على استقرار المراكز القانونية التي استقرت لعقود طويلة، فتم إقامة الطعن أمام محكمة القضاء الإداري، مطالبة بوقف تنفيذ القرار الصادر بوقف التعامل على تلك الأراضي، ثم إلغائه وما يترتب عليه من آثار، باعتبار أن العدالة لا تقوم فقط على إصدار الأحكام، بل كذلك على احترام آثارها وعدم الالتفاف عليها بقرارات إدارية تمس حقوق الناس واستقرارهم.
أول دعوى قضائية أمام القضاء الإدارى ضد قرار "الأمير مصطفى عبدالمنان"
الطعن المقدم من المحامى أحمد يحيى فايد، اختصم فيه كل من مساعد وزير العدل لشؤون الشهر العقاري والتوثيق "بصفته"، ووزير العدل "بصفته"، ورئيس هيئة الأوقاف المصرية بصفته، ووزير الأوقاف بصفته الرئيس الأعلى لهيئة الأوقاف.
ذكر الطعن أنه بتاريخ 5 يونيو 2026 أصدر القاضي مساعد وزير العدل لشئون الشهر العقاري والتوثيق القرار الإداري رقم 5038 المؤرخ 4 مايو 2026 "سري"، والمرفق به كتاب المستشار مساعد وزير العدل لشئون المكتب الفني للوزير رقم 819 و س بتاريخ 30 أبريل 2026 والمتضمن التوجيهات لمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوقف أي إجراءات أو تعاملات أو تصرفات تتعلق بالأراضي محل "حجة وقف الأمير/مصطفى عبد المنان" وعدم السير في أي إجراء لحين الانتهاء من حصر الأراضي.
وتضمن "الطعن": كما ورد كتاب القاضي مساعد وزير العدل لشئون الشهر العقاري والتوثيق رقم 5845 المؤرخ 5 مايو 2026 م (سرى) بالموافقة على إذاعة منشور فني رقم 8 إلى مكاتب الشهر العقاري ومأمورياتها ومكاتب التوثيق وفروعها والإدارات العامة بالمصلحة، وحيث أن هذا القرار الإداري قد جاء مخالفاً للقانون ومشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: مخالفة القرار المطعون فيه الحجية الأحكام القضائية القضائية
فقد أصدر المستشار مساعد وزير العدل قراراً بوقف التعامل استناداً الادعاءات هيئة الأوقاف بشأن حجة الأمير مصطفى عبد المنان"، في حين أن هذه الحجة قد حسم أمرها قضائياً بالبطلان والانعدام، وحيث قضت المحكمة الإدارية العليا في حكمها الحديث الصادر في الطعن رقم 98318 لسنة 69 ق جلسة 28 يونيو 2025 بانتفاء أي سند تاريخي أو مساحي لهذه الحجة، مؤكدة أنها لم ترد في أي مكلفات رسمية على مدار أربعة قرون، ولم يثبت لها أي ذكر بالمراجع، أو الدفاتر المساحية القديمة، أو الحديثة أو بالمكلفات الرسمية، كما لم تقدم هيئة الأوقاف ما يثبت وضع يدها على تلك الأراضي في أي مرحلة زمنية.
كما ثبت كذلك - وفقاً للتقرير الهندسي المطابق للحجة والمرفق بالطعن المشار إليه، إلى وجود ملكيات ثابتة للدولة وأخرى مشهرة ومسجلة باسم الأهالي، فضلا عن صدور مراسيم خديوية وملكية بتخصيص مساحات شاسعة من أطيان الحجة لصالح شركات استصلاح الأراضي، فضلا عن صدور قرار إداري بوقف التعامل على أراض ثبت قضائياً عدم تبعيتها للأوقاف يعد التفافاً على حجية الأحكام القضائية الواجبة النفاذ، وهو ما يصم القرار بعيب مخالفة القانون.
ثانياً: صدور القرار بناءً على مستندات منعدمة الحجية:
استند القرار المطعون فيه إلى مجرد صورة ضوئية من حجة الوقف، وهي ذات المستندات التي سبق للمحكمة الإدارية العليا أن قضت بشانها بأنها «والعدم سواء»، الأمر الذي يغدو معه القرار الإداري قائماً على سبب غير صحيح واقعا وقانون، إذ لا يجوز لجهة الإدارة أن تغل يد المواطنين - والمحامين القائمين على مباشرة إجراءات موكليهم - استنادا إلى ادعاءات مرسلة ثبت سقوط سندها القانوني والقضائي.
هذا، في حين سبق للجهات الإدارية والمحافظات المختصة بالأراضي محل النزاع أن استندت إلى أحكام التقادم المكاسب للملكية بوضع اليد المدة الطويلة، طبقا لأحكام القانون المدني، وذلك تأسيسا على التسلسل التاريخي والقانوني لملكية تلك الأراضي؛ إذ تعود الواقعة إلى سنة 1813 حين أصدر محمد علي باشا فرمانا بالاستيلاء على أراضي ولاية مصر وإلغاء الملكيات القادمة واعتبارها من الأموال الأميرية، ثم أعقب ذلك إصدار فرمان بتقسيم البلاد إلى مديريات ومراكز وأقسام ونواح، وبدأ العمل بنظام المكلفات كسند للملكية اعتبارا من سنة 1819.
وقد ظلت تلك الأراضي مكلفة باسم الأملاك الأميرية حتى سنة 1907، حيث تم قيدها بالسجلات باعتبارها من أملاك الدولة، ثم آلت إدارتها - عقب صدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952 - إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي التي تولت استصلاحها وإدارتها، إلى أن تم اعتماد كردون مدينة رأس البر بالقرار رقم 955 لسنة 1958 فيما يخص محافظة دمياط ثم قامت الهيئة بتسليم تلك الأراضي إلى المحافظة بموجب محضر تسليم نهائي مؤرخ 9 أكتوبر 1971.
ثالثاً: إقرار هيئة الأوقاف ذاتها برفع الحظر سابقاً:
ثبت يقينا فى أسباب حكم المحكمة الإدارية العليا المشار إليه، وجود كتاب صراق من هيئة الأوقاف المصرية برقم "1301" بتاريخ 29 مايو 1995 يتضمن رفع الحظر عن كافة التصرفات في الأراضي المنسوبة لهذا الوقف، فكيف يصدر قرار إداري عام 2026 بإعادة الحظر، ووقف التعامل على أراض أقرت جهة الوقف ذاتها منذ أكثر من ثلاثين عاماً بعدم تبعيتها لها؟ مما يجعل القرار المطعون فيه مشوباً بـ إساءة استعمال السلطة والانحراف بها.

رابعاً: استقرار المراكز القانونية وتجهيل نطاق القرار
القرار المطعون فيه بوقف التعامل لحين حصر الأراضي هو قرار معيب بالتجهيل، إذ يوقف مصالح المواطنين والحقوق المسجلة والمشهرة باسم الأهالي والدولة منذ عقود طويلة دون سقف زمني معلوم، وهو ما يمثل اعتداء صارخاً على حق الملكية المصون دستورياً، ويمنع المحامين من أداء واجباتهم المهنية في تسجيل العقود وإتمام الإجراءات القانونية لعملائهم.
ولما كان الدستور المصري الصادر عام 2014 والمعدل بالتعديلات الدستورية الصادرة في 23 أبريل 2019، قد نص في المادة "97" منه على أن: "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة، وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي، وتعمل على سرعة الفصل في القضايا، ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء ولا يحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي، والمحاكم الاستثنائية محظورة".

وتنص المادة 190 من الدستور ذاته على أن: "مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه، كما يختص بالفصل فى الدعاوى والطعون التاديبية، ويتولى الإفتاء في المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون، ومراجعة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية، التي تحال إليه ومراجعة مشروعات العقود التي يحددها ويحدد قيمتها القانون، وتكون الدولة أو إحدى الهيئات العامة طرفاً فيها، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى".
وتنص المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 على أن: تختص محاكم مجلس دون غيرها بالفصل في المسائل الآتية" ... رابع عشر: سائر المنازعات الإدارية".
ومفاد النصوص المتقدمة أن المشرع الدستوري قرر مبدأ كفالة حق التقاضي لجميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، وكفل لهم حقهم في الالتجاء للقاضي الطبيعي المختص بنظر منازعاتهم وقرر حظر تحصين القوانين والقرارات الإدارية عن رقابة القضاء الدستوري والإداري، وقرر في ذات الوقت اختصاص مجلس الدولة ومحاكمه بنظر والفصل في جميع المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية وأية اختصاصات أخرى تضيفها له القوانين وتطبيقاً لذلك صدر قانون مجلس الدولة الحالي "الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972"، والذي نص في الفقرة 14 من المادة العاشرة منه على اختصاص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بنظر سائر المنازعات الإدارية، و ما يعني أن مجلس الدولة له اختصاص قضائي عام يشمل كافة المنازعات الإدارية إلا ما ستيني منها بنص قانوني خاص، بحيث يحيل نظر تلك المنازعات إلى هيئات قاسية ال المالية أخرى أو لجان إدارية ذات اختصاص قضائي.
وعن الشق المستعجل:
أولهما: ركن الجدية بأن يكون الطالب قائماً بحسب الظاهر من الأوراق على أسباب يرجحمعها إلغاء القرار المطعون فيه.
وثانيهما: ركن الاستعجال بأن يترتب على تنفيذ ذلك القرار نتائج يتعذر تداركها.
وحيث تنص المادة (49) من قانون مجلس الدولة رقم (47) لسنة 1972 على أنه يشترط لوقف تنفيذ القرار المطعون فيه تحقق ركنين مجتمعين.
أولاً: ركن الجدية:
يتوافر في الطعن الماثل ركن الجدية، إذ إن القرار المطعون فيه مشوب بعيوب جسيمة تتمثل في عدم المشروعية، وإساءة استعمال السلطة، ومخالفة أحكام القانون، فضلاً عن افتقاده لركن السبب المبرر قانونا لإصداره الأمر الذي يترتب عليه قيام موجبات إلغائه، بما يحقق توافر ركن الجدية في الطلب على نحو يبرر الاستجابة له.
ثانياً: ركن الاستعجال
يتوافر ركن الاستعجال في الطلب، نظرًا لما يحيط بالطاعن من أضرار جسيمة يتعذر تداركها بعد وقف كل عمليات التسجيل بالشهر العقاري لمعظم أراضي محافظة دمياط ووقف توكيلات البيع، مما أثار الذعر في نفوس المواطنين.
فلهذه الأسباب، ولما سيبديه الطاعن من دفاع ومستندات ومذكرات أثناء نظر الطعن، يلتمس الطاعن تحديد أقرب جلسة لنظر الطعن وليسمع المطعون ضدهم القضاء:
أولا: بقبول الطعن شكلا.
ثانيا: في الموضوع.
1-في الطلب المستعجل: بقبوله وبوقف تنفيذ القرار الإداري رقم 5038 لسنة 2026 والمنشور الفني رقم 8 الصادرين بوقف التعامل على الأراضي محل حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
2-في الموضوع: بإلغاء القرار المطعون عليه مع ما يترتب على ذلك من آثار، مع إلزام المطعون ضدهم بالمصروفات ومقابل اتعاب المحاماة.

أول دعوى قضائية أمام القضاء الإدارى ضد قرار "الأمير مصطفى عبدالمنان" 2






