مجلس الدولة - أرشيفية
>> لا يجوز للقضاء الإدارى إعادة النظر في شأن تقدير الدرجة المستحقة للطالب
أصدرت دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا حكماً قضائياً في غاية الأهمية انتهت فيه الى ترجيح الاتجاه الذى مؤداه أن تقدير مدى صحة إجابة الطالب أو الدرجة المستحقة له عنها هو من صميم عمل الجهة الإدارية المختصة ومسئوليتها، ولا يجوز للقضاء الإدارى إعادة النظر بالموازنة والترجيح فى شأن تقدير الدرجة المستحقة للطالب، ومن ثم فلا حاجة تبعاً لذلك فى الاستعانة بأهل الخبرة وذوى الاختصاص لإعادة تقدير الدرجة المستحقة له.
ملحوظة:
وبذلك الحكم الصادر لصالح المحامى بالنقض يحيى سعد انتهت دعاوي التصحيح، إلا فى الحالات التى تم ذكرها، والحكم جاء لمعالجة فوضى استعمال الحقوق والعبث بالتقديرات الجامعية وترتيب الأوائل في الفرق الدراسية، والأهم التأكيد على عدم حرمان الطالب من اللجوء لقاضيه الطبيعي من أجل تصحيح الأخطاء المادية.
وجاء بأسباب الحكم أن رقابة المشروعية على العملية العلمية والفنية تجد حدها الطبيعى فى التحقق من تمام تقدير الدرجة لكل سؤال من الاسئلة، وسلامة رصد الدرجات، كل ذلك طبقا لأصول الفنية المتعارف عليها، وأن رقابة القضاء الإدارى لذلك تقف عند حد ماهو قائم بالأوراق، ولا تمتد إلى تقدير مدى صحة الإجابة فى حد ذاتها أو مقدار الدرجة المستحقة عن تلك الإجابة، باعتبار أن هذا التقدير الفنى هو من صميم عمل الجامعة وأعضاء هيئة التدريس فيها بما يتمتعون به من تأهيل وصلاحيات علمية وفنية رفيعة المستوى ومالهم من قدر علمى ومركز أدبى يجعل تقدير هم الفنى لما تستحقه إجابة الطالب من درجات هو تقدير فنى نهائى .
وبحسب "المحكمة": ومقتضى ما تقدم ولا زمه أنه متى ثبت للمحكمة أن ورقة إجابة الطالب فى الامتحان قد جرى تصحيحها بكامل جزئياتها، وقدر لكل سؤال أو جزء منه درجته، فلا حاجة إلى إحالة الدعوى أو الطعن إلى خبير لتقدير مدى تناسب الدرجة المقدرة للطالب مع إجابته، بحسبان ذلك من المسائل الفنية التى تستقل بها جهة الإدارة بأجهزتها المتخصصة وتقف رقابة القضاء الإدارى على القرار الصادر بإعلان نتيجة الطالب فى الامتحان عند حد التحقق من تصحيح كامل الاسئلة التى أجاب عنها الطالب، فى الحدود المقررة قانونا، وتقدير الدرجة المستحقة عن كل سؤال أو جزء منه، وأن تكون محصلة درجة الطالب فى الامتحان صحيحة فى رصدها وجمعها .
ووفقا لـ"المحكمة": فمن ثم فلا وجه للإستعانة بأهل الخبرة فى هذا الشأن إلا إذا ثبت للمحكمة أن ثمة سؤال أو جزء منه قد ترك كلية بدون تصحيح أو بدون تقدير الدرجة المستحقة عنه، وأنه يتعذر على المحكمة تقدير الدرجة المستحقة لهذا السؤال، وذلك أن أسئلة الامتحانات قد تكون بنظام "البابل شيت" أو الاختيار من متعدد أو بنظام معرفة ما إذا كانت العبارة صحيحة أو خاطئة دون إيراد أى تسبيب، وتعد جهة الإدارة لهذه الأسئلة نماذج إجابات معتمدة، ففى مثل هذه الحالات يسهل على المحكمة المطابقة بين نماذج الاسئلة وإجاباتها، وبين إجابة الطالب، ومن ثم تقدير مدى مشروعية القرار الصادر بإعلان نتيجته، دون الاستعانة مطلقا بأهل الخبرة فى هذا الشأن.
وتضيف "المحكمة": وتبعا لذلك فإنه ينتفى مناط الاستعانة بأهل الخبرة فى مجال الطعن على القرار الصادر بإعلان نتيجة الطالب فى الامتحان لتقدير مدى تناسب الدرجة المقدرة له مع إجابته، إلا فى حالة ثبوت ترك سؤال مقالى او جزء منه بدون تصحيح أو بدون تقدير للدرجة المستحقة عنه، أخذاً فى الاعتبار من أن قيام المصحح بوضع بعض علامات الخطأ والصواب على بعض أجزاء الإجابة وعدم وضعها أحياناً لا يعنى أن التصحيح قد أغفل.
وتابعت: وحيث إنه على ما سلف بيانه فإنه يغدو الاتجاه الذى من مقتضاه أن تقدير مدى صحة إجابة الطالب أو الدرجة المستحقة له عنها، من صميم عمل عمل الجهة الإدارية المختصة ومسئوليتها من خلال اجهزتها المتخصصة، ولا يجوز للقضاء الإدارى إعادة النظر بالموازنة والترجيح فى شأن تقدير الدرجة المستحقة للطالب، ومن ثم فلا حاجة تبعا لذلك فى الاستعانة بأهل الخبرة وذوى الاختصاص لإعادة تقدير الدرجة المستحقة له، هو الأولى بالترجيح .
ماذا يعنى الحكم لدى البعض؟
يرى بعض القانونيين والدستوريين أن هذا الحكم الحديث والهام جدا من المحكمة الإدارية العليا، دائرة توحيد المبادئ، يعيد للجامعة سلطتها، ممثلة فى الأستاذ، فى تقرير مدى صحة إجابة الطالب من عدمه واستحقاقه للدرجة المقصودة له بمعرفة المصحح، ويحد كثيراً من دور القضاء فى إعادة التصحيح، ولو عن طريق أهل الخبرة، وبذلك انتهت دعاوي التصحيح، إلا فى الحالات التى تم ذكرها، والحكم جاء لمعالجة فوضى استعمال الحقوق والعبث بالتقديرات الجامعية وترتيب الأوائل في الفرق الدراسية، والأهم التأكيد على عدم حرمان الطالب من اللجوء لقاضيه الطبيعي من أجل تصحيح الأخطاء المادية.
بينما يرى البعض الأخر أن الحكم بحسم دائرة توحيد المبادئ الجدل حول قضايا "إعادة تصحيح أوراق الإجابة"، وضع حداً لمطالبات آلاف الطلاب الذين رأوا في ساحات المحاكم ملاذهم الأخير لرفع الظلم وتحقيق العدالة التي ضلت طريقها داخل لجان التصحيح، حيث أن إغلاق هذا الباب لا يعني فقط إنهاء النزاعات القضائية، بل يعني "تحصين" أخطاء المصححين وجعلها قدراً لا يمكن الفرار منه، ففي منظومة تعليمية تعاني من ضغوط هائلة، تظل نسبة الخطأ البشري قائمة وبقوة، وحرمان الطالب من حقه في إعادة تقييم ورقتة بواسطة لجنة فنية محايدة هو بمثابة حكم بالإعدام على طموحه الأكاديمي.
من ناحيته - يرى أستاذ القانون العام والمحامى الدكتور وليد المغنى - أن القرار يعني ذلك بإيجاز أنه لا يحق للقضاء الإحالة إلى جهة فنية تعيد تصحيح كراسة الإجابة من جديد، بحجة غريبة للغاية وهي أن مبدأ المساواة يقتضي أن يخضع جميع الطلاب إلى ظروف واحدة في تصحيح إجاباتهم، وكذلك وفق إجراءات متسقة وسرية تامة، ورأي الشخصي بإيجاز أيضا:- دائرة توحيد المبادئ عندما رجحت أغلقت الباب تماما على الطالب باللجوء للقضاء بطلب إلغاء قرار جهة الإدارة فيما تضمنته من إعلان نتيجته لوجود نقص في درجاته محل إجابته، تكون قد خالفت الدستور من جهتين:-
الأولى:- اصطدم هذا الحكم بالمادة 51 من دستور عام 2014 التي حظرت تحصين أي قرار إداري من رقابة القضاء، وعليه إذا نص المشرع على تحصين ثمة قرار- بنص قانون من رقابة القضاء فإن هذا النص يوصم بعدم الدستورية كونه قد خالف نص دستوري راسخ.
الثانية:- أن هذا الحكم قد نال من - حق التقاضي- المكفول دستوريا بنص المادة ٩٧ من الدستور التي تلزم الدولة بكفالة حق التقاضي للجميع.
ويؤكد "المغنى" فى تصريح لـ"برلمانى": وهذا ما أكدت عليه المحكمة الدستورية العليا- بقولها: وحيث أن الدستور كفل 'حق التقاضي' للناس كافة ، كما يحظر النص في الدستور على ـتحصين اي عمل أو قرار إداري- من الرقابة من الرقابة من قبل القضاء، مما مؤداه هنا أن الدستور لم يقف عند حد تقرير حق التقاضي للناس كافة كمبدأ دستوري أصيل بل جاوز ذلك إلى تقرير حظر النص في القوانين على مكافحة أي عمل أو وضع إداري من الرقابة من قبل القضاء ، وقد جعل الدستور هذين المبدأين يسيران في فلك واحد، حيث حظر عدم الطعن على ثمة قرار أو عمل إداري ، كونه ينال من مبدأ حق التقاضي..."، وذلك فى حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 40 لسنة 5 ق دستورية، بجلسة 24 يناير 1985.

أستاذ القانون العام الدكتور وليد المغنى
ويضيف "المغنى": ولا ينال من ذلك القول بأن ذلك القول بأن القرار الصادر بشأن إعلان النتيجة يعد عمل فني بحت، لا يجوز للقضاء إعادة النظر فيه، فهذا مردود عليه، بأن الرقابة القضائية تتحقق بإعمال المحكمة حقها في اللجوء إلى جهة الخبرة في المسائل الفنية - للوصول إلى وجه الحق في الدعوى - وقوفا على مشروعية أو عدم مشروعية القرار المطعون فيه والقول بغير ذلك يعد انكارا للعدالة ونيلا من حق المتقاضي في اللجوء إلى قاضيه، ونكولا من ممارسة القضاء الإداري في ممارسة ولايته في الرقابة على كافة 'المنازعات الإدارية وفقا للدستور، وردد قائلاً: وأقول هنا يحق لكل ذي مصلحة تحريك منازعة تنفيذ أمام المحكمة الدستورية العليا، بحسبان أن هذا الحكم الصادر عن دائرة توحيد المبادئ يعد (عقبة مادية) تعرقل من نفاذ الأحكام الصادرة عنها في هذا الشأن".
أين تذهب صرخة المظلومين؟
وفى هذا الشأن – يقول الخبير القانوني والمحامى عبدالله ربيعى عبدالله، المتخصص في قضايا الجامعات وهيئات التدريس، أن ما يثير المرارة في صدور أولياء الأمور هو التفاوت الطبقي الذي قد يفرزه هذا القرار، فبينما يمتلك "أبناء الأساتذة" وذوو النفوذ المسارات الالتفافية والقدرة على تجاوز العقبات البيروقراطية، يجد الطالب المتفوق من أسرة بسيطة نفسه وحيداً أمام نظام أصمّ لا يعترف بالخطأ ولا يقبل المراجعة، فالعدالة لا يجب أن تكون عمياء عن رؤية الخطأ، بل يجب أن تكون بصيرة بما يكفي لتصحيحه.
ويضيف "ربيعى" في تصريح لـ"برلماني": إن خطورة هذا التوجه تتمثل في:
فقدان الثقة: تآكل ثقة المواطن في قدرة القضاء الإداري على رد المظالم التعليمية.
الإحباط العام: شعور الطلاب بأن مجهود عام كامل قد يضيع بسبب "جرة قلم" من مصحح مجهد، دون وجود آلية للمحاسبة.
تكافؤ الفرص: غياب مبدأ تكافؤ الفرص عندما يصبح التظلم مجرد إجراء "شكلي" لا يفضي إلى نتائج حقيقية.
ويؤكد: إن لإشكالية هذا القرار تكمن في تحويل العملية التعليمية إلى ساحة خالية من الرقابة القضائية الفعالة على الجوانب الفنية، وإذا كان القضاء قد أغلق بابه، فإن السؤال يبقى قائماً: إلى أين يذهب المظلومون؟ وهل سنشهد ثورة في نظام التصحيح الإلكتروني تنهي الحاجة أصلاً للقضاء، أم أننا بصدد ترسيخ واقع بائس لا عزاء فيه إلا لمن يملك "الواسطة"؟

الخبير القانوني والمحامى عبدالله ربيعى عبدالله
ماذا يعنى القرار:
-اذا قبل التفكير في رفع دعوى قضائية لمراجعة الدرجات، يجب التأكد أولاً من وجود خطأ مادي ملموس. مجرد الشعور بأنك تستحق تقدير أعلى لم يعد كافياً لكسب القضية أمام المحاكم بعد صدور هذا المبدأ الملزم لجميع دوائر القضاء الإداري.





