الحرب الإيرانية - صورة أرشيفية
بعدها بـ11 يوما وبالتحديد الأربعاء 18 مارس، استهدف الجيش الأمريكي حقل بارس ومصفاة عسلوية في إيران، التي بادرت بالرد، وظلت هجماتها إلى فجر الخميس مستهدفة حقل ليفان بقطر وحقل باب ومنشآت حبشان بالإمارات، ومصفاة سمارف بالسعودية، ومحطة سي آيلاند بالكويت، ثم مصفاتي حقلي ميناءي الأحمدي وعبد الله.
خرائط السياسة وتضاريس الطبيعةفي قلب الشرق الأوسط، حيث تتشابك خرائط السياسة مع تضاريس الطبيعة، لم تعد الحروب مجرد صراع على النفوذ أو الحدود، بل تحولت إلى قوة مدمرة تعيد تشكيل البيئة ذاتها، وتترك آثارا عميقة تتجاوز زمن المعارك إلى عقود طويلة من الاختلال البيئي والمناخي، ومع تصاعد حدة المواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، لم تعد سماء المنطقة صافية كما كانت، ولا مياهها نقية، ولا أراضيها قادرة على التعافي بسهولة من جراح تتسع يوما بعد يوم.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، بما حملته من استخدام مكثف للأسلحة التقليدية والمتطورة، مثلت نموذجا صارخا لكيف يمكن للصراع العسكري أن يتحول إلى كارثة بيئية شاملة، حيث أدى القصف المستمر، واستهداف المنشآت الحيوية، خاصة النفطية والصناعية، إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات السامة والانبعاثات الكربونية، التي تتسلل إلى الغلاف الجوي، لتضيف عبئا جديدا على أزمة التغير المناخي التي يعاني منها العالم بالفعل، ومع كل انفجار، لا تُدمر البنية التحتية فحسب، بل يُفتح باب جديد لتلوث الهواء والتربة والمياه.
لم تقف التداعيات عند حدود الانبعاثات، بل امتدت إلى تدمير النظم البيئية التي تميز المنطقة، فالغابات المحدودة، والمراعي، والسواحل، وحتى الصحارى، تعرضت لضغوط غير مسبوقة نتيجة العمليات العسكرية، ما أدى إلى فقدان التنوع البيولوجي، واختلال التوازن الطبيعي، واندثار أنواع من الكائنات التي لا تجد ملاذا آمنا في ظل أجواء الحرب، كما أن تلوث مصادر المياه، سواء نتيجة تسرب النفط أو استهداف محطات التحلية، يهدد الأمن المائي لملايين البشر، ويضاعف من أزمات الجفاف التي باتت سمة متكررة في المنطقة.
أنماط مناخية أكثر تطرفاوفي سياق التغير المناخي، فإن هذه الحرب لا تكتفي بتسريع وتيرة الاحتباس الحراري، بل تساهم في خلق أنماط مناخية أكثر تطرفا، من موجات حر شديدة إلى عواصف ترابية أكثر كثافة، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة السكان، والزراعة، والاقتصاد، ومع غياب الاستقرار، تتراجع الجهود البيئية، وتتوقف المبادرات المناخية، ليصبح البقاء هو الأولوية، ولو على حساب المستقبل.
وبحسب بيان منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" في 14 أبريل ، حذرت من تضرر الموسم الزراعي الحالي والمقبل في الكثير من دول العالم، في حال عدم شحن الأسمدة عبر مضيق هرمز، مشيرة إلى أنه ما بين 20% و30% من إمدادات الأسمدة العالمية تمر عبر هرمز أو تعتمد على الغاز الطبيعي المصدر عبره.
وتتكشف صورة أكثر قتامة للحرب، صورة لا تقاس بعدد الضحايا فقط، بل بمدى ما تخلفه من ندوب بيئية عميقة، تجعل من التعافي تحديا طويل الأمد، وتضع المنطقة أمام مفترق طرق خطير، حيث لا يهدد الصراع الحاضر فقط، بل يرهن مستقبل الأجيال القادمة في بيئة أكثر هشاشة واضطرابا.
سقوط الأمطار السوداءوأكدت صحيفة "الجارديان" البريطانية، في 19 مارس، أنه مع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، لم تعد الخسائر تقتصر على الجانب البشري والعسكري فقط، إذ بدأت تداعيات بيئية خطيرة بالظهور نتيجة العمليات العسكرية المتواصلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ظهرت من خلال سقوط الأمطار السوداء فوق العاصمة الإيرانية طهران في 4 مارس، حيث وصفت الصحيفة هذا الحدث بأنه مؤشرا رمزيا على حجم الدمار البيئي الناتج عن الهجمات العسكرية التي استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
في قراءة علمية لتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على البيئة، يؤكد الدكتور ماهر عزيز، عضو مجلس الطاقة العالمي، أن الصراعات المسلحة تحمل في طياتها آثارا بيئية وصحية عميقة تتجاوز ساحات القتال، مشيرا إلى أن التأثيرات السلبية تمتد عبر الهواء والموارد الطبيعية والإنسان نفسه.

ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن تفجيرات الذخيرة الحربية تمثل أحد أخطر مصادر التلوث، حيث تؤدي إلى اندلاع حرائق شديدة ينتج عنها كميات ضخمة من أكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، إلى جانب الجسيمات الصلبة الدقيقة التي تعد شديدة الضرر بالجهاز التنفسي للإنسان.
ويضيف أن هذه الملوثات لا تظل حبيسة نطاق جغرافي محدود، بل تنتقل مع حركة الرياح من دولة إلى أخرى، بما يوسع من دائرة التأثيرات الصحية والبيئية السلبية، لافتا إلى أن انفجارات القنابل والصواريخ تتسبب كذلك في حرائق واسعة النطاق ينتج عنها انبعاث كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يعد من أبرز غازات الدفيئة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، ما يفاقم من الأزمة المناخية العالمية ويزيد من حدة التغيرات المناخية.
وفي سياق متصل، يشير عضو مجلس الطاقة العالمي إلى أن الحروب تستنزف كميات هائلة من الموارد الطبيعية، نتيجة التوسع في إنتاج الأسلحة والمقذوفات والطائرات والسفن الحربية بمختلف أنواعها، مؤكدا أن هذه الموارد تمثل جزءا من المخزون الأرضي المحدود من العناصر الأساسية اللازمة لاستمرار الحياة، ما يشكل ضغطًا إضافيًا على البيئة ويهدد استدامتها.
ويؤكد أن الخسائر البشرية الناتجة عن الحروب لا تقتصر على الجانب الإنساني فقط، بل تمتد آثارها إلى البيئة، حيث يؤدي فقدان أعداد كبيرة من الأفراد، إلى جانب الإصابات البالغة التي تشمل الحروق وبتر الأطراف، إلى تقليص القدرة الإنتاجية للمجتمعات، وهو ما ينعكس سلبا على التوازن البيئي الذي يعتمد في جزء منه على النشاط البشري.
ويضيف أن ترك جثث القتلى في مناطق النزاع، خاصة في القرى والمناطق المفتوحة، قد يرفع من احتمالات التلوث البيئي، ومن ثم انتشار الأمراض، وهو ما يستدعي التخطيط المسبق للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات، إلا أن هذا الاحتمال قد يتراجع في ظل الحرائق الشديدة التي قد تؤدي إلى احتراق الجثث، مشيرا إلى أنه لا يتوقع أن تتسبب الحرب الأخيرة في انتشار واسع للأمراض في المنطقة.
ويؤكد ماهر عزيز أن الحروب، إلى جانب كلفتها البشرية الفادحة، تمثل تهديدا مباشرا للتوازن البيئي العالمي، ما يستوجب تكثيف الجهود الدولية للحد من النزاعات المسلحة والحفاظ على موارد الكوكب للأجيال القادمة.
حرائق المنشآت النفطيةووجهت رئيسة منظمة حماية البيئة الإيرانية شينا أنصاري، في 28 فبراير، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، تحذر فيها من العواقب البيئية المدمرة المحتملة للعمليات العسكرية الأمريكية في الخليج العربي وبحر عمان، معربة عن قلقها إزاء العواقب البيئية لأي عمل عسكري في النظام البيئي الهش والحيوي للمنطقة.
وأضافت خلال رسالتها، التي نشرتها حينها وكالة الأنباء الإيرانية، أن استمرار التهديدات العسكرية في منطقة ذات كثافة عالية من النفط والغاز والبتروكيماويات والبنية التحتية البحرية سيشكل وضعا خطيرا على السلام والأمن والبيئة على المستويين الإقليمي والعالمي، لافتة إلى نزاعات سابقة في المنطقة، بما في ذلك هجمات على منشآت نفطية وصناعية، حيث إن المواجهات العسكرية السابقة أظهرت أن الآثار البيئية لا تقتصر على زمان أو مكان محددين، بل قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
من أبرز تأثيرات الحرب الأخيرة على البيئة في الشرق الأوسط تمثل في حرائق المنشآت النفطية وتلوث الهواء، وأحد أبرز النماذج تمثل في قصف مستودعات ومصافي النفط داخل إيران، خاصة في طهران ومحيطها، حيث أدت الغارات إلى اندلاع حرائق ضخمة وانبعاث سحب كثيفة من الدخان الأسود.
كما أطلقت هذه الحرائق مواد سامة مثل أكاسيد الكبريت والنيتروجين والجسيمات الدقيقة، وحذرت الجهات البيئية من احتمالية حدوث أمطار حمضية نتيجة تفاعل الملوثات مع الغلاف الجوي.
كما أدت الحرب إلى تدهور جودة الهواء بشكل حاد، مما تسبب في زيادة الأمراض التنفسية، وتأثيرات طويلة المدى على المناخ المحلي، بالإضافة إلى تلوث المياه والتربة بسبب تسرب النفط، فمع استهداف البنية التحتية للطاقة حدثت تسربات نفطية إلى الأراضي والمياه نتيجة تدمير خطوط النقل والخزانات، وتسرب النفط إلى الشوارع والمناطق الحضرية في بعض المدن الإيرانية.
ومن بين الأثر البيئي، تلوث المياه الجوفية، وتدمير الأراضي الزراعية، وتهديد الأمن الغذائي في مناطق واسعة، بجانب تهديد البيئة البحرية في الخليج العربي، فالحرب أدت إلى اضطراب شديد في حركة النفط مما تسبب في تعطل الشحن عبر مضيق هرمز الذي يمر به نحو 20% من نفط العالم، فضلا عن مخاطر متزايدة من تسربات نفطية في البحر بسبب الهجمات أو الحوادث مما أدى إلى تلوث المياه البحرية، ونفوق الكائنات البحرية، تدمير الشعاب المرجانية والنظم البيئية الساحلية.
كذلك أدت الحرب إلى تلوث الهواء الإقليمي العابر للحدود، حيث إن الانفجارات وحرائق الطاقة لم تبق محلية، والدخان والغازات السامة انتقلت عبر الحدود إلى دول مجاورة بفعل الرياح، ما أدى إلى ارتفاع مستويات التلوث في عدة دول خليجية، وحدوث أزمة جودة هواء إقليمية، وزيادة الضغط على الأنظمة الصحية في أكثر من دولة، وهو ما ينعكس على أزمة زيادة الاحتباس الحراري في الكرة الأرضية.
استهداف البنية التحتية للمياه كانت من بين التأثيرات السلبية لهذه الحرب، فقد تعرضت منشآت المياه ومحطات التحلية في الخليج للخطر، وسط احتمال تلوث مصادر المياه نتيجة القصف أو التسربات، وهو ما يمثل تهديد الأمن المائي، وزيادة ملوحة المياه أو تلوثها بالمواد الكيميائية، وصعوبة توفير مياه نظيفة للسكان، وكذلك من بين المخاطر زيادة الانبعاثات الكربونية وتعطيل جهود المناخ، فالتصعيد في المنطقة تسببت في احتراق كميات هائلة من الوقود الأحفوري مما أدى إلى توقف أو تأجيل مشاريع الطاقة النظيفة في المنطقة، وهذا عمل على زيادة الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، وإبطاء جهود التحول للطاقة النظيفة، وتفاقم أزمة التغير المناخي في الشرق الأوسط.
كذلك تسببت الحرب في تدمير التنوع البيولوجي نتيجة القصف والحرائق، وهذا أدى إلى تدمير موائل طبيعية للحيوانات والنباتات، وهروب أو نفوق كائنات برية بسبب التلوث والضوضاء، وانعكس ذلك على اختلال التوازن البيئي، وفقدان أنواع نادرة، وتدهور النظم البيئية الصحراوية والساحلية.
آثار بيئية سيئة ممتدة لعقودويشير الدكتور حسين أباظة، المستشار الدولي للتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر، إلى أن ما شهدته المنطقة جراء الحرب الأخيرة يمثل كارثة بيئية ومناخية كبرى، ستظل آثارها ممتدة لعقود طويلة، قد تصل إلى 20 أو 30 وربما 35 عاما، مؤكدا أن التداعيات الحالية ليست آنية فقط، بل ستنعكس بشكل مباشر على مستقبل الأجيال القادمة.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" أن ظاهرة الاحتباس الحراري بدأت منذ 25 عاما، مع التوسع الكبير في استخدام البترول ومشتقاته، وكان من المتوقع أن تبدأ هذه الظاهرة في الانحسار بحلول عام 2040، مع تراجع الاعتماد على الوقود الأحفوري، موضحا أن حجم الاحترار الناتج عن العمليات العسكرية، بما في ذلك الضربات النارية واستخدام القنابل، تجاوز كل التوقعات العلمية، خاصة أن ما حدث لم يكن في حسبان أي من خبراء المناخ، حيث أدى إلى زيادة ملحوظة في درجات الحرارة العالمية، قد تتجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية، بل وقد تصل إلى 2.5 درجة.
ويتابع أنه حال الوصول إلى مستوى 2.5 درجة مئوية، فهذا سيؤدى إلى سيناريو خطير للغاية، لأن ملامح عام 2050 المناخية قد تشهدها الأرض في وقت مبكر من هذا التاريخ، وهو ما يثير مخاوف حقيقية بشأن تسارع وتيرة التغير المناخي بشكل غير مسبوق، لافتا إلى أن التقديرات السابقة كانت تشير إلى أن عصر البترول قد يقترب من نهايته بين 2040 و2045، لكن الواقع الحالي يشير إلى استمرار الاعتماد عليه.
قنابل بيئية موقوتةفي خضم التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بمشاركة إسرائيل، لا تقتصر تداعيات الحرب على مشاهد القتل والدمار والنزوح، بل تمتد إلى جبهة أكثر خطورة وأقل ضجيجا، جبهة البيئة، فبينما تتصدر الصور الإنسانية عناوين الأخبار، تتسلل أزمة مناخية وبيئية متفاقمة تهدد الهواء والمياه والحياة نفسها، وسط تحذيرات دولية متزايدة من كارثة وشيكة.
ووسط صراخ إنساني من مآسي الحرب الإقليمية، تئن البيئة في صمت، منتظرة من يلتفت إلى حجم الكارثة التي تتشكل ببطء، لأن الهجمات التي طالت منشآت النفط ومحطات تحلية المياه لم تعد مجرد أهداف عسكرية، بل تحولت إلى قنابل بيئية موقوتة، تحمل في طياتها آثارا بعيدة المدى على صحة الإنسان والنظم البيئية.
تحذيرات الأمم المتحدة جاءت واضحة وصريحة، حيث أكدت أن استهداف هذه المنشآت يشكل تهديدا مباشرا لجودة الهواء ومصادر المياه الصالحة للشرب، في منطقة تعاني من الأساس من شح مائي وتحديات بيئية مزمنة، حيث أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خلال بيان في 23 أبريل، أن الحرب على إيران دفعت أكثر من 30 مليونا إلى الفقر.
دق ناقوس الخطروحذر مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، في 10 مارس من عواقب بيئية وخيمة ناجمة عن الهجمات الأخيرة على منشآت النفط ومحطات تحلية المياه في الشرق الأوسط، موضحا أنها تشكل تهديدا كبيرا لجودة الهواء ومياه الشرب.
وحينها قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، : نواصل دق ناقوس الخطر بشأن الأثر الإنساني لتصاعد العنف في أجزاء من الشرق الأوسط، والذي يؤدي إلى ارتفاع عدد الضحايا المدنيين وتضرر البنية التحتية المدنية وتزايد نزوح السكان، مشيرا إلى أن المنظمة تشعر بقلق بالغ إزاء عدد التقارير الواردة عن الهجمات الأخيرة على منشآت النفط، والتي قد تخلف عواقب بيئية وخيمة في جميع أنحاء المنطقة، مع آثار فورية محتملة على المياه الصالحة للشرب والهواء الذي يحتاجه الناس للتنفس والغذاء.
وأشار إلى ضرورة اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين من آثار الأعمال العدائية وتجنب إلحاق الضرر بالمرافق الصحية والمدارس وشبكات المياه وغيرها من البنى التحتية الأساسية.
لم يعد القلق مقتصرا على الخسائر البشرية، بل امتد ليشمل المخاطر البيئية التي قد تتفاقم إلى مستويات كارثية، فمع تصاعد وتيرة العنف، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتضرر البنية التحتية الحيوية، زادت المخاوف من موجات نزوح جماعي جديدة، مدفوعة ليس فقط بالخوف من الحرب، بل أيضا بانهيار مقومات الحياة الأساسية.
ودقت الأمم المتحدة ومؤسساتها ناقوس الخطر، مطالبة بوقف فوري للتصعيد، محذرة من أن استمرار استهداف منشآت الطاقة والمياه قد يؤدي إلى تلوث واسع النطاق، يصعب احتواؤه أو معالجته في المدى القريب.
استهداف النفط والمياه كارثة مزدوجة
الهجمات المتبادلة لم تستثن شرايين الحياة في المنطقة، ففي إيران، طالت الغارات منشآت نفطية حيوية، فيما ردت طهران باستهداف مواقع مماثلة، في تصعيد ينذر بعواقب بيئية خطيرة، ولم تكن دول أخرى بمنأى عن تداعيات الصراع، إذ تعرضت لهجوم بطائرات مسيرة إيرانية ألحق أضرارا بمحطات لتحلية المياه، وفي ممر حيوي مثل مضيق هرمز، تعرضت أكثر من عشر ناقلات نفط لهجمات خلال الحرب الجارية، ما رفع احتمالات وقوع تسربات نفطية واسعة، قد تعيد سيناريوهات كارثية شهدها العالم من قبل.
وأعلنت وزارة الداخلية البحرينية في 8 مارس، أن هجوما بطائرة إيرانية مسيرة ألحق أضرارا بمحطة لتحلية المياه تعد أساسية لاقتصاد البلاد ولإمداداتها من مياه الشرب، فيما استهدفت غارات إسرائيلية في نفس اليوم عددا من المنشآت النفطية في إيران، كما شنّت إيران بدورها غارات على منشآت نفطية في المنطقة، بينما كشف موقع واللا العبري في 27 مارس عن مسؤول عسكري إسرائيلي، أن جيش الاحتلال ألقى 15 ألف قذيفة وصاروخ على إيران منذ بداية التصعيد.
وحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، من أن الضرر الذي لحق بمنشآت النفط في إيران يهدد بتلويث الغذاء والماء والهواء، مضيفا خلال بيان للمنظمة أن هذه المخاطر قد تلحق أضرارا صحية جسيمة، لا سيما بالأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، وسط تقارير تفيد بهطول أمطار محملة بالنفط في بعض مناطق البلاد.
وفي لبنان، أشار المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إلى مقتل 9 من العاملين في القطاع الصحي منذ 28 فبراير ، وإصابة 16 آخرين وإغلاق 43 مركزا للرعاية الصحية الأولية و5 مستشفيات بسبب أوامر الإخلاء، موضحا أن منظمة الصحة العالمية تتابع الوضع في إيران ولبنان والعراق وجميع البلدان المتضررة عن كثب، وتقدم الدعم للسلطات المحلية لضمان استمرار عمل الأنظمة الصحية، وحماية المجتمعات، والحد من المخاطر الصحية.
شبح الماضيتستحضر هذه التطورات ذكريات أليمة من حرب الخليج في تسعينيات القرن الماضي، حين أدى تسرب نفطي هائل إلى واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في التاريخ الحديث، وتسببت تلك الحوادث في نفوق آلاف الطيور والأسماك، وتضرر نحو نصف الشعاب المرجانية، فضلا عن تدمير مساحات شاسعة من النظم البيئية البحرية، بما في ذلك غابات الطحالب.
اليوم، ومع تكرار السيناريو ذاته، تتزايد المخاوف من أن يعيد التاريخ نفسه، ولكن بتكلفة بيئية وإنسانية أكبر، في ظل هشاشة الوضع البيئي العالمي وتفاقم أزمة التغير المناخي، وفي ضوء هذه المخاطر، ناشدت مؤسسات ومنظمات دولية أطراف النزاع بضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية، خاصة المرافق الصحية وشبكات المياه.
البيئة، التي لا صوت لها في أروقة السياسة والحرب، قد تكون الخاسر الأكبر في هذا الصراع، حال لم تتوقف تلك الحرب في المستقبل، خاصة أن المنطقة قد تواجه كارثة بيئية ممتدة، لا تتوقف آثارها عند حدود الدول المتحاربة، بل تمتد لتطال العالم بأسره.
وحذر برنامج الأغذية العالمي في 8 مارس من أن استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية واضطراب التجارة العالمية قد يدفع ب45 مليون شخص إضافي نحو الجوع الشديد بحلول منتصف العام، لافتا إلى أن بقاء أسعار النفط فوق حاجز ال100 دولار للبرميل يفاقم الأزمة، ويزيد انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل أن هناك 318 مليون شخص يعانون بالفعل من الجوع حول العالم حاليا.
وقال خلال بيان له، إن النزاع جلب بالفعل آثارا فورية على وضع الأمن الغذائي في الشرق الأوسط، ففي لبنان، يشهد البلد موجات نزوح داخلي كبيرة ضمن مجتمع يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي منذ عدة سنوات، بينما إيران، تتفاقم الأزمة نتيجة ضغوط اقتصادية قائمة مسبقا، حيث كانت حالة الركود الاقتصادي، وارتفاع تضخم أسعار الغذاء، والانخفاض السريع في قيمة العملة، عوامل تدفع باتجاه تفاقم انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع النزاع، مما ترك الأسر بقدرة محدودة على تحمّل صدمات إضافية.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، تسبب النزاع في اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد العالمية، فيما يعرف بسيناريو "الاختناق المزدوج" غير المسبوق في قطاع النقل، مما أثر على الشحن والطاقة وأسواق الأسمدة، مع تداعيات واضحة على مستوى العالم، حيث يمر جزء كبير من إمدادات الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز، وتعطل هذا الممر الحيوي أدى إلى انخفاض إتاحة الامدادات، وتراجع الإنتاج الزراعي، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء عالميا.
وأعلن تمكن وحدة الشحن التابعة لبرنامج الأغذية العالمي بالتعاون مع اليونيسف من تأمين دعم من شركات الشحن الدولية، مما ساعد على تجنب أكثر من مليون دولار من التكاليف الإضافية، وضمان استمرار تدفق الإمدادات الإنسانية الحيوية في وقت بالغ الأهمية، مشيرا إلى أن فترات العبور الأطول أدت إلى تأخير تسليم المساعدات الإنسانية، خاصة أن الطرق البحرية الممتدة والازدحام المتزايد يهددان قدرة البرنامج على الوصول السريع إلى الفئات الأكثر ضعفا، مما يزيد من مخاطر الانتظار لفترات أطول للحصول على المساعدة، ويفاقم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
وأشار إلى أن لبنان كان أول بلد فعل فيه البرنامج الاستجابة الفورية، ففي غضون ساعات من فتح مراكز الإيواء، بدأ البرنامج بتقديم الوجبات الساخنة، والحصص الجاهزة للأكل، والخبز للأسر النازحة خلال الحرب، وبالشراكة مع حكومة لبنان، قدم البرنامج أيضا مساعدات نقدية لمساعدة الأسر على تلبية احتياجاتها الغذائية العاجلة، وفي إيران، واصل برنامج الأغذية العالمي دعم اللاجئين الأفغان ضمن عملياته الجارية، ويظل على أهبة الاستعداد للاستجابة لأي احتياجات إضافية قد تنشأ نتيجة الأزمة الحالية.
وتشير التقديرات إلى أن الحرائق الضخمة التي اندلعت في مستودعات الوقود بعد الضربات الجوية خلال الحرب، تسببت في إطلاق كميات كبيرة من الدخان والسخام وجزيئات النفط ومركبات الكبريت إلى الغلاف الجوي، ومع تشكل منخفض جوي فوق إيران، امتزجت هذه الملوثات بالرطوبة الجوية قبل أن تهطل على شكل أمطار حمضية داكنة اللون.
تصاعد أزمة الاحتباس الحراريوكشفت صحيفة الجارديان البريطانية، أنه خلال أسبوعين فقط من اندلاع العمليات العسكرية، أشارت التقديرات إلى إطلاق أكثر من 5 ملايين طن من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو ما يكشف أن استمرار هذه الوتيرة لمدة عام واحد قد يجعل هذه الحرب تعادل في انبعاثاتها ما تنتجه 84 دولة مجتمعة، في سابقة تضع الحروب في صدارة مسببات التلوث عالميا.
وخلال الحرب برز عامل أقل صخبا لكنه أكثر خطورة، بحسب الصحيفة البريطانية، وهو تدمير البنية التحتية، حيث تم استهداف نحو 20 ألف مبنى مدني خلال المواجهات، وهو ما لا يعني فقط خسائر بشرية ومادية، بل فتح الباب أمام موجة ضخمة من الانبعاثات الناتجة عن إعادة الإعمار.
وقد تضيف عمليات إعادة البناء وحدها نحو 2.4 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، نتيجة استخدام الأسمنت والحديد وعمليات النقل والتشييد، ما يجعل الدمار العمراني أحد أكبر المساهمين في التلوث المناخي خلال الحروب، وهو ما يجعل العمليات العسكرية تمثل عبئا بيئيا هائلا، حيث استهلكت الطائرات والسفن الحربية ما بين 150 إلى 270 مليون لتر من الوقود خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى انبعاث أكثر من 529 ألف طن من الغازات الملوثة.
وذكرت الصحيفة، أن هذه الأرقام تكشف أن الجيوش الحديثة، بما تمتلكه من معدات متطورة، لم تعد فقط أدوات للقتال، حيث تحولت إلى مصادر ضخمة لانبعاثات الكربون، تفوق في بعض الأحيان قطاعات صناعية كاملة، إلا أن المشهد الأكثر صدمة، كان في السماء، فقد غطت سحب سوداء كثيفة مناطق واسعة، مع تسجيل ظاهرة المطر الأسود، نتيجة احتراق ما بين 2.5 إلى 5.9 مليون برميل نفط.
هذه الكارثة وحدها تسببت في إطلاق نحو 1.88 مليون طن من الكربون، في مشهد يعيد إلى الأذهان كوارث بيئية سابقة، لكنه هذه المرة يأتي بوتيرة أسرع وأوسع، ما يضاعف من خطورته على المناخ العالمي، فيما لم تتوقف الانبعاثات عند حدود الوقود أو الحرائق، بل امتدت إلى الأسلحة نفسها، وأسفرت خسائر المعدات العسكرية، من طائرات وسفن ومنصات إطلاق، عن نحو 172 ألف طن من الانبعاثات، نتيجة التصنيع والتدمير معا.
وأدت العمليات العسكرية التى شملت آلاف الضربات والصواريخ المتبادلة، في إطلاق ما يقارب 55 ألف طن إضافي من الكربون، ليصبح كل صاروخ يطلق ليس مجرد أداة تدمير فوري، بل عاملا طويل الأمد في تسريع أزمة المناخ، مما أدى إلى وصول الانبعاثات الناتجة عن أسبوعين فقط من الحرب إلى نحو 5.055 مليون طن من الغازات الدفيئة، وهو رقم يفوق إجمالي الانبعاثات السنوية لدولة مثل أيسلندا في عام 2024، بحسب صحيفة الجارديان، وهو ما يشير إلى أن الحروب الحديثة تحولت إلى تهديد بيئي عالمي، قد تكون آثاره أكثر استدامة وخطورة من نتائجها المباشرة.
ما بين السياسة والبيئةفي خضم التحليلات السياسية والعسكرية، يظل البعد البيئي للحروب غائبا عن دوائر صنع القرار والنقاش العام، فبينما تقاس الخسائر بعدد الضحايا أو حجم الدمار، يغيب السؤال الأهم: كم يدفع الكوكب ثمن هذه الصراعات؟ الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم، أن كل ضربة عسكرية لا تدمر فقط هدفها، بل تترك أثرا تراكميا في الغلاف الجوي، يسرع من تفاقم أزمة المناخ.
ويؤكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ البيئة بجامعة عين شمس، أنه لا يمكن في الوقت الحالي، الجزم بشكل قاطع بحجم التأثيرات البيئية السلبية للحرب الأمريكية الإيرانية، وذلك في ظل غياب الأدلة العلمية الميدانية الدقيقة التي تعكس ما يحدث فعليا على أرض الواقع، سواء فيما يتعلق بتأثيرات الحرب على المياه أو الهواء أو التربة، حيث إن الكثير مما يجري في ساحات العمليات العسكرية يظل غير واضح من حيث طبيعة المواد المستخدمة، سواء كانت كيميائية أو بيولوجية، بالإضافة إلى عدم توافر معلومات دقيقة حول مكونات الذخائر أو احتمالية احتوائها على مواد مشعة.
ويضيف في تصريحات خاصة، أن الحديث بدقة علمية، يتطلب انتظار لفترة بعد انتهاء العمليات العسكرية، والعمل على إرسال بعثات علمية متخصصة تقوم برصد وقياس التأثيرات البيئية بشكل دقيق، من خلال جمع عينات من التربة والمياه، وتحليل جودة الهواء وقياس الملوثات واتجاهات الرياح، حتى تتوفر صورة واضحة ومتكاملة.
ويوضح أنه يمكن تقسيم التأثيرات البيئية للحروب، وخاصة هذه الحرب، إلى عدة محاور، في مقدمتها تلوث الهواء والانبعاثات السامة، حيث إن العمليات العسكرية التي تستهدف منشآت النفط والمصافي ومخازن الوقود تؤدي إلى حرائق ضخمة وانبعاث غازات سامة مثل ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، إلى جانب الجسيمات الدقيقة العالقة، وهو ما يؤدي إلى تدهور كبير في جودة الهواء، وزيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، فضلا عن ارتفاع البصمة الكربونية وتفاقم تداعيات التغير المناخي.
ويشير إلى أن القصف والعمليات العسكرية تؤدي كذلك إلى تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، ما يتسبب في تسرب كميات كبيرة من المواد الكيميائية والنفطية إلى التربة والمياه، وهو ما يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية وتدهور الأراضي الزراعية، بجانبصعوبة استعادة النظم البيئية، التي تُعد بطبيعتها شديدة الحساسية لأي اضطرابات عنيفة.
وفيما يتعلق بمنطقة الخليج العربي، يوضح أن هناك مخاطر كبيرة على البيئة البحرية نتيجة استهداف ناقلات النفط أو حدوث تسربات بترولية، ما يؤدي إلى تدمير الشعاب المرجانية وحشائش البحر وغابات المانجروف، والإضرار بالثروة السمكية، خاصة أن طبيعة الخليج شبه المغلقة تجعل من الصعب تعافي البيئة البحرية سريعا، حيث يستغرق الأمر وقتا طويلا لإعادة التأهيل.
ويؤكد أن الحروب تؤدي إلى تدمير النظم الإيكولوجية وفقدان التنوع البيولوجي، كما أن عملية التعافي البيئي تستغرق سنوات طويلة، بل قد تمتد إلى عقود. وهناك ما يعرف بالإرث البيئي السام، حيث تخلف الحروب معادن ثقيلة وملوثات خطرة تظل عالقة في التربة والمياه، وتنتقل عبر السلسلة الغذائية، ما يمثل خطرا مباشرا على صحة الإنسان، محذرا من أن هذه الملوثات قد تنتقل عبر الغبار والعواصف الترابية، كما أن التلوث البيئي لا يعترف بالحدود السياسية، بل يمتد عبر الدول، سواء من خلال الهواء أو المياه.
وفيما يتعلق بالتداعيات الصحية، يوضح أن الحروب تخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض، خاصة تلك المرتبطة بالمياه نتيجة تلوثها وانهيار شبكات الصرف الصحي، ما يؤدي إلى انتشار أمراض مثل الكوليرا والإسهال الحاد والتهاب الكبد الوبائي، كما تؤدي الانبعاثات السامة إلى زيادة أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو والالتهابات الرئوية، بالإضافة إلى الأمراض القلبية المرتبطة بتلوث الهواء.
ويضيف الدكتور علاء سرحان، أن هناك أيضا أمراض تنتقل عبر النواقل مثل البعوض والقوارض، نتيجة تدهور الإدارة البيئية وتجمع المياه الراكدة، ما قد يؤدي إلى ظهور أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك، لافتا إلى أن النزوح السكاني وتكدس المخيمات، في ظل ضعف الخدمات الصحية، يسهمان في انتشار الأمراض المعدية، مثل الالتهابات الجلدية والأمراض التنفسية، نتيجة التكدس وضعف النظافة.
ويشير إلى أن تداعيات الحرب تمتد إلى انهيار الأنظمة الصحية نتيجة تدمير المستشفيات ونقص الأدوية وضعف سلاسل الإمداد، ما يجعل من الصعب احتواء أي تفش للأمراض، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، كما أن هذه التأثيرات لا تقتصر على دولة بعينها، بل تمتد إقليميا عبر انتقال الملوثات والأمراض مع حركة السكان والتجارة، وهو ما يحولها إلى تهديد بيئي وصحي عابر للحدود.
كارثة تسرب النفطبحسب تقرير لموقع ايرواكتيبو الإسبانى، يؤكد أن أحد أبرز المخاطر من الحرب هو تسرب النفط الناتج عن استهداف ناقلات النفط والموانئ الحيوية في الخليج، ما قد يؤدي إلى أضرار طويلة الأمد في البيئة البحرية، ويهدد مصايد الأسماك والمزارع البحرية التي تعتمد عليها أسواق أوروبا في استيراد الغذاء، كما أن الانفجارات العسكرية تزيد من تركيز الملوثات فى الهواء ما يفاقم التهديد الصحى للسكان المحليين ويزيد معدلات تلوث الهواء بشكل كبير.
وبحسب دراسة صادرة عن مركز برو للدراسات بعنوان " عسكرة المياه في الصراعات الإقليمية: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نموذجا" في 8 أبريل، أكدت أن الضربات على البنية التحتية للمياه في الحرب على إيران جاءت ضمن توجه عالمي متصاعد أصبحت فيه مصادر المياه على رأس الأهداف العسكرية، حيث تضاعف عدد الحوادث المرتبطة بمصادر المياه في الحروب أربع مرات خلال الفترة بين عامي 2012 و2021 مقارنة بالعقد السابق لها.
وأضافت الدراسة، أن الطلب المتزايد على المياه، وتغير المناخ، وسوء إدارة المياه، قد أدى أيضا إلى زيادة التوتر حول الموارد المائية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة استهدفت في 7 مارس 2026، باستهداف محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة وانقطاع إمدادات المياه عن 30 قرية، وردا على ذلك استهدفت طهران محطة لتحلية المياه في البحرين في 8 مارس، كما استهدفت إحدى محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه في الكويت في 31 مارس، وهو ما أثار مخاوف من أن يمتد الصراع ليشمل منشآت تحلية المياه التي تعتبر المصدر الرئيسي للمياه في واحدة من أكثر مناطق العالم شحا في المياه.
وأوضحت أن 83% من سكان الشرق الأوسط يعانون من ندرة حادة في المياه المتجددة ومن المتوقع أن يقترب هذا الرقم من 100% بحلول عام 2050 مع اشتداد تغير المناخ، ولذلك تعد تحلية المياه ذات أهمية قصوى في منطقة تعاني من شح المياه وزيادة سكانية مرتفعة، فإن من بين ما يقرب من 18,000 محطة تحلية في العالم، يوجد ما يقرب من ثلثها في الشرق الأوسط، منها 2,382 محطة في المملكة العربية السعودية وحدها.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى استغلال الأزمة المائية التي تمر بها إيران خلال الحرب، ولذلك تعتبر محطات التحلية والبنية التحتية للمياه على رأس بنك أهدافهم الذي سيتم ضربها مع كل تصعيد في الحرب أو تجدد للصراع. وبالرغم من أن طهران لا تعتمد بشكل رئيسي على محطات التحلية، إلا أنها تعتبر ذات قيمة اقتصادية كبيرة،
وأكدت أنه بينما تستطيع إيران، رغم أزمتها المائية المتفاقمة، الاعتماد على مصادرها المحدودة التي تشمل المياه الجوفية والأنهار، فإن دولا مثل الكويت وقطر والبحرين تفتقر إلى أي بديل حقيقي للمياه المحلاة، ولذلك فإن تدمير عدد محدود من المحطات الرئيسية قد يعني حرمان ملايين الأشخاص من مياه الشرب، وهو ما يهدد بكارثة إنسانية غير مسبوقة، بالإضافة إلى انهيار الخدمات الأساسية، وموجات من النزوح الجماعي، وتبعات اقتصادية تطال قطاعات حساسة مثل السياحة ومراكز البيانات.
400 حادثة بيئية خطرةفي هذا السياق، تحذر الدكتورة إسلام الهبيل، الباحثة الفلسطينية في الهندسة الكيميائية والبيئية، من التداعيات الخطيرة للتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مؤكدة أن هذا الصراع لم يقتصر تأثيره على الجوانب السياسية والأمنية فحسب، بل امتد ليشكل تهديدا مباشرا للبيئة والمناخ على المستويين الإقليمي والعالمي.
وتشير في تصريحات خاصة، أن التقارير الحديثة تشير إلى أن العمليات العسكرية والقصف المكثف أسفرا عن انبعاث أكثر من 5 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون خلال أسبوعين فقط، منها نحو 2.4 مليون طن نتيجة تدمير المباني، و1.88 مليون طن بسبب حرائق الوقود، وهو ما يمثل قفزة حادة في معدلات الانبعاثات الكربونية، ويساهم بشكل مباشر في تسريع وتيرة التغير المناخي.
وتضيف أن استهداف المنشآت النفطية والغازية أدى إلى إطلاق كميات ضخمة من الملوثات السامة والمعادن الثقيلة في الهواء، ما تسبب في تكون سحب دخانية كثيفة قد تسهم في حدوث أمطار حمضية، فضلا عن التدهور الحاد في جودة الهواء، وهو ما ينعكس سلبا على صحة الإنسان، خاصة في المناطق القريبة من مواقع الاستهداف.
وتشير إلى تسجيل أكثر من 400 حادثة بيئية خطرة خلال فترة قصيرة، وهو ما يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالنظم البيئية، موضحة أن التسربات النفطية الناتجة عن القصف أدت إلى تلوث واسع في المياه، مهددة النظم البحرية الحساسة، وعلى رأسها غابات المانغروف، التي تمثل خط دفاع طبيعي مهم في مواجهة التغيرات المناخية.
وتؤكد أن تدمير محطات المياه والتحلية، خاصة في مناطق جنوب إيران، فاقم من أزمة الأمن المائي، وأدى إلى تراجع إمدادات المياه النظيفة، وهو ما يهدد حياة السكان ويزيد من هشاشة المجتمعات المتضررة، لافتة إلى أن التأثيرات تمتد على المدى الطويل لتشمل تدهور التربة وانخفاض الإنتاج الزراعي، نتيجة تراكم الملوثات في البيئة، بجانب انتقال هذه المواد الضارة عبر السلسلة الغذائية، ما يشكل خطرا مضاعفا على صحة الإنسان، وهذه التداعيات تجعل الأثر البيئي للحرب تراكميا، حيث تتقاطع مع أزمات المناخ القائمة بالفعل، وتضعف قدرة الأنظمة البيئية على امتصاص الكربون، ما ينذر بتفاقم التحديات البيئية في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
وأعلنت جمعية الهلال الأحمر الإيراني في 10 أبريل، أن 32 جامعة و857 مدرسة و20 مركزا للهلال الأحمر تعرضت لضربات خلال الحرب، فيما ذكرت شبكة إن بي سي الأمريكية، أن الولايات المتحدة أنفقت 28 مليار دولار على حرب طهران والتكاليف سترتفع طالما بقيت قوات واشنطن بالمنطقة، كما ذكرتت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية، أن القتال كلف إسرائيل بشكل أولي 20 مليار دولار وهذا يشمل الإنفاق العسكري والأضرار المادية فقط دون أن يشمل الأضرار الاقتصادية.
تأثير الحرب على البيئة اللبنانيةوتشهد البيئة اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، تداعيات خطيرة جراء التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير، إذ تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات إلى مناطق مدمرة بيئيا، ما أدى إلى اختلال واضح في التوازن البيئي وتدهور سريع في النظم الطبيعية، حيث وثقت تقارير بيئية أن القصف الجوي واستخدام الذخائر الثقيلة أسهما في تدمير الغطاء النباتي واندلاع حرائق واسعة النطاق في الأحراج، الأمر الذي تسبب في فقدان مساحات خضراء تعد من أهم عناصر امتصاص الكربون وتنظيم المناخ المحلي.
وأدى الفوسفور الأبيض الذي استخدمته إسرائيل في القصف على جنوب لبنان، إلى إلحاق أضرار جسيمة بالأراضي الزراعية، مما تسبب في خسائر كبيرة في الإنتاج، إضافة إلى بروز مسألة تلوّث التربة وانخفاض مستوى خصوبتها، بحيث يتعذر زراعة الأراضي مجددا.
وعلى مستوى الأراضي الزراعية، أظهرت تقارير تحليلية مدعومة بالصور الفضائية أن الحرب أدت إلى تضرر أو فقدان ما يقارب 2,193 هكتارا من الأراضي الزراعية والمراعي والغابات، إضافة إلى تضرر واسع في البنية الزراعية مثل البيوت البلاستيكية والبساتين، بجانب خسائر كبيرة في محاصيل الزيتون والحمضيات وأشجار الفاكهة، كما أن أكثر من 12,000 هكتار من الأراضي الزراعية في جنوب لبنان ونبطية تعرضت للإهمال أو فقدان القدرة على الزراعة بسبب استمرار العمليات العسكرية وصعوبة الوصول إلى الحقول.
وعلى مستوى التربة، تشير تقديرات بيئية لبنانية إلى أن مخلفات القذائف والانفجارات خلفت تلوثا كيميائيا واسعا نتيجة بقايا المعادن الثقيلة والمواد الحارقة، وهو ما انعكس سلبا على خصوبة الأراضي الزراعية في الجنوب والبقاع، وهذا التلوث لا يهدد الإنتاج الزراعي فقط، بل يمتد ليؤثر على الأمن الغذائي للسكان المحليين، في ظل صعوبة استصلاح الأراضي المتضررة على المدى القريب.
ومن الناحية المناخية، فإن فقدان الغطاء النباتي وتوسع رقعة الحرائق يسهمان في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ويقللان من قدرة البيئة اللبنانية على امتصاص الانبعاثات، ما يفاقم من آثار التغير المناخي على البلاد، كذلك تكرار الأحداث الحربية في فترات متقاربة يعرقل عمليات التعافي البيئي الطبيعي ويجعل النظم البيئية أكثر هشاشة أمام موجات الحر والتقلبات المناخية.
220 ألف وحدة سكنية متضررةفي هذا السياق تؤكد الدكتورة تمارا الزين، وزيرة البيئة اللبنانية، أن العدوان الممتد خلال الفترة من عام 2023 إلى 2025، والذي لم يتوقف فعليا، خلف دمارا هائلا على مختلف المستويات، مشيرة إلى أن تداعياته لم تقتصر على الخسائر البشرية فقط، بل امتدت لتشمل تدميرًا واسعًا في البنية العمرانية والبيئية للدولة.
وتضيف في تصريحات خاصة، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكب مجازر بحق المدنيين أسفرت عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى، لافتة إلى بروز ظاهرة خطيرة يمكن وصفها بـ"إبادة المنازل"، حيث تم تدمير وتضرر أكثر من 220 ألف وحدة سكنية، في مشهد يعكس حجم الاستهداف الممنهج للبنية السكنية.
وتشير إلى أن الأضرار التي لحقت بالغابات والأراضي الزراعية والتربة والموارد المائية، بالإضافة إلى تدهور جودة الهواء، ترقى إلى مستوى "الإبادة البيئية"، موضحة أن هذه الأضرار لا تتوقف عند حدود الدمار الآني، لكن تمتد آثارها لتطال الصحة العامة والأمن الغذائي وسبل العيش والنسيج الاجتماعي، بل وقدرة الدولة على الصمود في مواجهة الأزمات.
وتوضح وزيرة البيئة اللبنانية، أن تقدير الكلفة الفعلية لمعالجة الأضرار البيئية يمثل خطوة محورية لدعم جهود حشد التمويل الدولي وتوجيه البرامج وفق الأولويات الوطنية، خاصة أن تقرير البنك الدولي قدر كلفة التعافي الشامل بنحو 11 مليار دولار حتى عام 2030، ونصيب القطاع البيئي ما يقرب من 512 مليون دولار.
وتقول إن من بين أبرز التحديات الراهنة مسألة إدارة الأنقاض، حيث يمثل الفرز السليم والمعالجة الآمنة وإعادة الاستخدام عنصرًا أساسيًا في أي خطة للتعافي البيئي المستدام، مشيرة إلى أن التعامل مع هذه المخلفات بشكل غير علمي قد يفاقم من حجم الأضرار البيئية والصحية.

كما يؤكد وائل حميدان، مستشار السياسة البيئية بلبنان، أن التأثيرات البيئية الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على لبنان لا يمكن فصلها عن التحولات الإقليمية الأوسع، موضحا أن الأزمات المتتالية، سواء ما يرتبط بمضيق هرمز أو بالحروب الإقليمية، تكشف بشكل واضح مدى هشاشة الدول التي تعتمد على استيراد الوقود الأحفوري، وتبرز في المقابل أهمية التحول إلى الطاقة المتجددة.
وفيما يتعلق بالأضرار البيئية المباشرة على بيروت، يشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن الاعتداءات أدت إلى تلوث التربة والمياه، خاصة في المناطق الزراعية جنوب لبنان، إضافة إلى حرائق الغابات المتكررة، فضلا عن كميات الردم الهائلة الناتجة عن تدمير المباني والبنى التحتية، والتي قد تكون في بعض الحالات شديدة الخطورة تبعا لطبيعة المنشآت المستهدفة، مثل المصانع، حيث يمكن أن يتضمن الردم مواد سامة ومعقدة المعالجة.
ويوضح أن إعادة إعمار المناطق المتضررة ستتطلب عمليات واسعة تشمل إنشاء كسارات ومعامل لإعادة تدوير الركام واستخراج المواد الأولية من الحجارة والباطون، ما يعني وجود آثار بيئية ممتدة على المدى الطويل، سواء في مرحلة إعادة الإعمار أو ما بعدها.