وزير الخارجية الإيراني
مستقبل غامض للمفاوضات وسط تضارب الأولويات بين الطرفينفي ظل تعثر المسار التفاوضي مع واشنطن، تكثّف طهران تحركاتها الدبلوماسية عبر جولات مكوكية يقودها وزير خارجيتها عباس عراقجي، في محاولة لإعادة صياغة مسار الأزمة وفرض شروطها على طاولة المفاوضات. وبين زيارات إلى مسقط وإسلام آباد وموسكو، تسعى إيران إلى بناء شبكة تفاهمات إقليمية ودولية، تتيح لها تحسين موقعها التفاوضي، خاصة في ظل استمرار الحصار الأمريكي والتوترات في مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، اعتبر عراقجي أن ضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز يمثل "مسألة عالمية مهمة"، مشدداً خلال زيارته إلى سلطنة عُمان على ضرورة التنسيق بين الدولتين الساحليتين، إيران وعُمان، لضمان المصالح المشتركة. وأوضح أن هذا التنسيق يشكل جزءاً من رؤية أوسع لإدارة الأزمة، في ظل الأهمية الاستراتيجية للمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع زيارة عراقجي إلى روسيا، حيث التقى بالرئيس فلاديمير بوتين، في إطار مشاورات تهدف إلى تنسيق المواقف بشأن تطورات المرحلة المقبلة. ووفق ما نقلته وكالة إرنا الرسمية، فإن الزيارة تمثل فرصة جيدة للتباحث مع موسكو حول تداعيات الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب ترتيبات ما بعد النزاع.
وقبل توجهه إلى موسكو، أجرى عراقجي سلسلة لقاءات في باكستان وسلطنة عُمان، شملت اجتماعات مع السلطان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي، إضافة إلى لقائه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، في مؤشر على تنامي الدور الإقليمي في الوساطة ومحاولة تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن.
وبحسب ما أورده موقع "أكسيوس"، فإن وزير الخارجية الإيراني أبلغ الوسطاء بأن القيادة الإيرانية لا تزال غير قادرة على اتخاذ موقف موحد بشأن بعض المطالب الأمريكية، خاصة ما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم ونقل المخزون المخصب إلى خارج البلاد. ويعكس هذا التباين الداخلي تعقيدات المشهد السياسي داخل إيران، في وقت تحاول فيه صياغة موقف تفاوضي متماسك.
في المقابل، قدمت طهران عبر الوسطاء، لا سيما باكستان، مقترحاً يركز على معالجة أزمة مضيق هرمز كأولوية، مع تمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول أو التمهيد لإنهاء الحرب بشكل كامل، على أن يتم تأجيل النقاش حول الملف النووي إلى مراحل لاحقة. ووفق مصادر نقلت عنها وكالة "أسوشيتد برس"، فإن إيران عرضت إنهاء إغلاق المضيق مقابل رفع الحصار البحري المفروض عليها، والذي يكلفها أكثر من 400 مليون دولار يومياً.
وتؤكد هذه المقترحات أن إيران تسعى إلى فصل المسارات التفاوضية، من خلال التركيز أولاً على القضايا الاقتصادية واللوجستية المرتبطة بالمضيق، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي. كما تشترط طهران إنهاء الحصار الأمريكي كمدخل أساسي لأي مفاوضات جديدة، وهو ما يمثل نقطة خلاف رئيسية مع واشنطن.
في المقابل، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحفظاً على هذه الطروحات، مؤكداً أن بلاده تسعى إلى اتفاق شامل يتضمن إنهاء البرنامج النووي الإيراني كجزء من أي تسوية. وقال في تصريحات لشبكة فوكس نيوز :"نحن نملك كل الأوراق. إذا أرادوا التفاوض، يمكنهم أن يأتوا إلينا أو يتصلوا بنا"، في إشارة إلى تمسك واشنطن بشروطها الأساسية.
كما شكك ترامب في وجود قيادة موحدة داخل إيران، معتبراً أن حالة الارتباك في مؤسسات الحكم تعرقل التوصل إلى اتفاق سريع، وهو ما يتقاطع مع ما نقلته مصادر دبلوماسية عن وجود تباينات داخلية في طهران بشأن كيفية التعامل مع المطالب الأمريكية.
في غضون ذلك، يبقى مضيق هرمز في قلب الأزمة، حيث تتصاعد التوترات مع فرض إيران قيوداً على الملاحة، في مقابل استمرار الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية. ويُعد هذا الممر الحيوي شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والغاز العالمية، إذ يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الأسواق الدولية.
وقد انعكس ذلك بالفعل على أسعار الطاقة، حيث ارتفع خام برنت إلى نحو 107 دولارات للبرميل، مقارنة بـ72 دولاراً قبل اندلاع الحرب، وسط تعطل حركة ناقلات النفط وصعوبة العبور الآمن عبر المضيق. كما امتدت التداعيات إلى سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك شحنات الغاز الطبيعي والأسمدة.
وفي محاولة لتعزيز نفوذها في هذا الملف، تسعى إيران، وفقاً لمسؤول إقليمي، إلى إقناع سلطنة عُمان بدعم آلية لفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، وهو ما قد يوفر لطهران مورداً اقتصادياً إضافياً في مرحلة ما بعد الأزمة، رغم عدم وضوح موقف مسقط حتى الآن.
وبين دبلوماسية نشطة تقودها طهران، وتمسك أمريكي باتفاق شامل، يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت التحركات الدبلوماسية الإيرانية ستنجح في كسر الجمود وفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض، أم أن الأزمة ستتجه نحو مزيد من التعقيد، مع استمرار التوتر في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.