مع دقات الساعة الأولى من صباح غد الاثنين، تفتح مصر ذراعيها لاستقبال الملايين واحد من أقدم وأعرق أعيادها الشعبية، وهو عيد "شم النسيم".
ومع خروج الملايين من الأسر إلى الشوارع، والميادين، والحدائق العامة، وضفاف النيل، لم يكن ليمر هذا المشهد المليوني دون خطة أمنية محكمة تضاهي في دقتها العمليات الكبرى.
وزارة الداخلية، ومن خلفها جميع الأجهزة المعنية، رفعت حالة الاستنفار إلى الدرجة "القصوى"، معلنة عن "خطة تأمين شاملة" تستهدف تحويل ربوع المحروسة إلى واحة من الأمان، لضمان أن تمر الاحتفالات في أجواء تسودها البهجة والسكينة، بعيداً عن أي منغصات قد تعكر صفو هذا اليوم التاريخي.
تبدأ ملامح هذه الملحمة الأمنية من "غرف العمليات المركزية" بمديريات الأمن، حيث ترتبط هذه الغرف بشبكة واسعة من كاميرات المراقبة المتطورة التي تغطي كافة المحاور الرئيسية والميادين الكبرى.
هذه "العيون الذكية" تعمل على رصد التحركات لحظة بلحظة، مما يسمح بالتدخل السريع في حال حدوث أي تكدسات أو طوارئ، الخطة الأمنية هذا العام لم تكتفِ بالتواجد التقليدي، بل اعتمدت على "الانتشار الاستباقي" من خلال الدفع بمجموعات قتالية وتشكيلات أمنية مدربة على أعلى مستوى، تم وضعها في نقاط ارتكاز استراتيجية بالقرب من المنشآت الحيوية، ودور العبادة، والمناطق السياحية والأثرية التي تشهد إقبالاً كثيفاً من السائحين والمواطنين على حد سواء.
وفي قلب النيل الخالد، الذي يعد المقصد الأول للمواطنين في هذا العيد، تسطر شرطة المسطحات المائية فصلاً خاصاً من فصول التأمين، فمنذ الساعات الأولى، تنتشر اللنشات السريعة والقوارب الأمنية لتجوب المجرى الملاحي، ليس فقط لمنع الجرائم، بل لفرض رقابة صارمة على "صنادل النزهة" والمراكب الشراعية، التعليمات الأمنية هنا واضحة ولا تهاون فيها: "الالتزام التام بالحمولة المقررة"، والتأكد من توافر وسائل النجاة والإطفاء على متن كل عائمة.
كما تم تخصيص فرق إنقاذ نهري متمركزة في النقاط الحيوية للتدخل الفوري في حالات الغرق أو الحوادث العارضة، لضمان أن تظل "الفسحة النيلية" ذكرى جميلة لا تشوبها شائبة.
أما في الشوارع والمحاور المرورية، فقد تحولت الإدارة العامة للمرور إلى خلية نحل لا تهدأ. الخطة تشمل دفع المئات من الدراجات البخارية وسيارات الإغاثة المرورية والأوناش لرفع أي معوقات قد تتسبب في شلل مروري، خاصة في الطرق المؤدية إلى المتنزهات الكبرى مثل حديقة الحيوان بالجيزة، وحديقة الأورمان، وحدائق القناطر الخيرية التي تستقبل وحدها مئات الآلاف من الزوار.
التواجد المروري لن يقتصر على تنظيم السير، بل يمتد لشن حملات "الرادار" و"الكشف عن المخدرات" لسائقي الحافلات والرحلات، لضمان سلامة الركاب ومنع وقوع حوادث الطرق التي غالباً ما تزداد في أيام العطلات الرسمية.
ولأن المرأة هي عماد الأسرة وبطلة هذه الاحتفالات، فقد أولت المنظومة الأمنية اهتماماً خاصاً بتأمين السيدات والفتيات، حيث انتشرت عناصر "الشرطة النسائية" بملابسها الرسمية والمدنية داخل الحدائق العامة وفي محيط السينمات والمولات التجارية بوسط المدينة.
دور هذه العناصر يتجاوز مجرد التأمين، فهو يبعث برسالة طمأنة قوية ويوفر بيئة آمنة تمنع أي محاولات للتحرش أو المضايقات اللفظية، مع وجود صلاحيات كاملة بالتعامل الفوري والحازم مع أي خروج عن النص أو تجاوز للآداب العامة، لضمان أن تشعر كل أسرة مصرية بالخصوصية والأمان.
الجانب "التمويني" والرقابي كان له نصيب الأسد في استعدادات الأجهزة الأمنية ، فبالتنسيق مع وزارة الصحة، شنت مباحث التموين حملات شرسة ومكثفة على مدار الأيام الماضية، واستمرت حتى الساعات الأخيرة قبل العيد، استهدفت مصانع ومحلات بيع الأسماك المملحة (الفسيخ والرنجة).
الهدف هو حماية "معدة المصريين" من الأغذية الفاسدة أو مجهولة المصدر التي قد تسبب حالات تسمم جماعي، هذه الحملات نجحت بالفعل في ضبط أطنان من السلع غير الصالحة للاستهلاك الآدمي قبل وصولها إلى الموائد، مما يؤكد أن الأمن المصري يراقب كل تفاصيل حياة المواطن، من أمنه الشخصي وصولاً إلى سلامة غذائه.
وعلى صعيد الحماية المدنية، يقف رجال الإطفاء وخبراء المفرقعات على أهبة الاستعداد، تم توزيع سيارات الإطفاء في نقاط قريبة من تجمعات المواطنين، مع إجراء عمليات "تمشيط دوري" للمناطق الحيوية والمزارات السياحية باستخدام الكلاب البوليسية وأجهزة الكشف الحديثة. هذه الإجراءات الوقائية تهدف إلى وأد أي خطر في مهده، ونشر روح الطمأنينة بين المواطنين وهم يستقبلون نسمات الربيع.
وفي لفتة إنسانية، وجهت القيادات الأمنية بضرورة "حسن المعاملة" وتوسيع دائرة الاشتباه دون المساس بكرامة المواطن، مع تقديم المساعدة الطبية والإنسانية لذوي الهمم وكبار السن في أماكن التجمعات.
إنها خطة أمنية "بوجدان إنساني"، تدرك أن مهمة رجل الشرطة ليست فقط إنفاذ القانون، بل هي مشاركة الشعب في فرحته وحماية ابتسامة الأطفال في الميادين.
إن ما تشهده مصر من استنفار أمني ليس مجرد إجراءات روتينية، بل هو تجسيد لاستراتيجية أمنية معاصرة تعتمد على العلم والتكنولوجيا والارتباط الوثيق بالشارع، وبينما ينشغل المواطنون بـ "تلوين البيض" وتناول "الفسيخ" والتنزه على ضفاف النيل، ستبقى هناك آلاف القلوب والعيون الساهرة التي لا تنام، نذرت نفسها لخدمة هذا الوطن، ليبقى شم النسيم دائماً عنواناً للسلام والمحبة والترابط بين أبناء الشعب الواحد تحت سماء أمنة مستقرة.