الأحد، 12 أبريل 2026 11:50 ص

ما هو الفرق بين العلانية والنشر؟ تمايز الدلالة بينهما؟ وأثره في تحديد اختصاص محكمة الجنايات بنظر جنح النشر الواقعة على الموظف العام؟.. 4 عناصر لحل الإشكالية أبرزها "طبيعة الجريمة".. و4 أخرى تُحدد الاختصاص

ما هو الفرق بين العلانية والنشر؟ تمايز الدلالة بينهما؟ وأثره في تحديد اختصاص محكمة الجنايات بنظر جنح النشر الواقعة على الموظف العام؟.. 4 عناصر لحل الإشكالية أبرزها "طبيعة الجريمة".. و4 أخرى تُحدد الاختصاص    جرائم النشر والعلانية
الأحد، 12 أبريل 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

جرائم النشر والعلانية تعتبر من أبرز القضايا التي تثير الجدل القانوني، خاصة مع التطور الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، فهذه الجرائم تشمل مجموعة واسعة من الأفعال التي تمس الشرف والاعتبار أو تنشر معلومات كاذبة، ويتطلب التعامل معها إلمامًا دقيقًا بالإجراءات القانونية المتاحة سواء لرفع الدعوى أو للدفاع عن المتهم.

 

عندما يتعرض شخص لضرر ناتج عن فعل نشر أو علانية يشكل جريمة "كالسب، القذف، أو نشر أخبار كاذبة"، فإنه يمتلك أكثر من مسار قانوني لتحريك الدعوى الجنائية، ويجب على المجني عليه اختيار المسار الأنسب لطبيعة الجريمة وظروفها، وغالبًا ما يتم اللجوء إلى النيابة العامة أو إلى القضاء مباشرة، ويجب البحث عن حلول عملية وخطوات دقيقة للتعامل مع كافة جوانب جرائم النشر والعلانية في القانون المصري.   

 

25477-20190109162326844

 

هل هناك فرق بين النشر والعلانية؟

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على العلانية والنشر، ما بين تمايز الدلالة بينهما، وأثره في تحديد اختصاص محكمة الجنايات بنظر جنح النشر الواقعة على الموظف العام، وذلك من خلال الإجابة على السؤال: هل هناك فرق بين النشر والعلانية؟ وذلك وبالتزامن مع ما أُثير مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي بشأن مسألة قانونية شائكة تتعلق بتحديد الاختصاص بين محكمة الجنايات ومحكمة الجنح في جرائم القذف والسب الواقعة على موظف عام في البيئة الإلكترونية، وجدت لزاماً أن أخرج عن صمتي لبيان بعض الفروق القانونية الدقيقة – بحسب الدكتور طارق سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة.

  

في البداية - هذه الفروق، على بساطتها الظاهرة، كثيراً ما يغفلها الممارسون، رغم ما يترتب عليها من آثار إجرائية بالغة الأهمية، لاسيما في نطاق اختصاص محكمة الجنايات بجرائم "النشر"، وهنا يثور التساؤل الجوهري: متى تختص محكمة الجنايات بنظر الجرائم الماسة بشرف واعتبار الموظف العام؟ ومتى ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات الاقتصادية؟ وهل تمتد ولاية محكمة الجنايات إلى كافة صور العلانية؟ - وفقا لـ"سرور". 

 

كحاا

 

الحقيقة أن تحديد الاختصاص لا يقوم على عنصر واحد، بل يتوقف على توافر مجموعة من العناصر المتداخلة، في مقدمتها: 1-طبيعة الجريمة "النطاق الموضوعي"، 2-وصفة المجني عليه "النطاق الشخصي"، 3- ومدى اتصال الواقعة بالوظيفة العامة، 4-فضلًا عن وسيلة ارتكاب الجريمة، ونظراً لاتساع النطاق الموضوعي - والذي استغرق بيانه ما يقارب 45 صفحة في أحد مؤلفاتي - نقتصر هنا بايجاز على عنصرين أساسيين: 1-الصفة، 2- ووسيلة الاعتداء – هكذا يقول "سرور".

 

أولًا: صفة المجني عليه

 

يشترط ابتداءً أن يكون المجني عليه موظفًا عامًا، وذلك استنادًا إلى نص المادة 216 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تقضي باختصاص محكمة الجنايات بنظر الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر على غير الأفراد، وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن المقصود بعبارة "على غير الأفراد" هو الموظف العام في مدلوله المحدد في القانون الإداري، لا في المفهوم الموسع الوارد بقانون العقوبات، ويمتد ذلك ليشمل أصحاب الصفة النيابية أو المكلفين بخدمة عامة – هكذا يقول "سرور". 

 

20200204_1580810215-343

 

ثانيًا: وسيلة ارتكاب الجريمة

 

وهنا تكمن الدقة الحقيقية، فعبارة "بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر" الواردة في نص المادة 216 إجراءات والتي تقضي بإنعقاد اختصاص محكمة الجنايات بنظر جنح النشر، لا يجوز الخلط بينها وبين وسائل العلانية الأخرى الواردة في قانون العقوبات، لاختلاف المدلول القانوني لكل منهما، بالنسبة للصحف فإنها لا تثير مشكلة وقد عرّفها القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام الصحيفة بأنها: "كل إصدار ورقي أو إلكتروني يتولى مسؤولية تحريره أو بثه صحفيون نقابيون، ويصدر باسم موحد وبصفة دورية في مواعيد منتظمة، ويصدر عن شخص مصري طبيعي أو اعتباري – عام أو خاص، وذلك وفقًا للقواعد والإجراءات التي تنظمها اللائحة التنفيذية لهذا القانون" – طبقا لأستاذ القانون الجنائى.

 

غير أن الإشكال يثور حول مدلول عبارة "أو غيرها من طرق النشر"، إذ قد يذهب البعض إلى مساواتها بكافة وسائل العلانية المنصوص عليها في المادة 171 من قانون العقوبات - غير أن هذا الفهم محل نظر - فقد أكد الدستور هذا التمييز حين نص على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، بما يفيد استقلال كل منهما عن الآخر، كما ميز المشرع الجنائي بين النشر والإذاعة في المادة 80 (ج) من قانون العقوبات، وذلك باستخدام حرف العطف "أو" بما يفيد التخيير بينهما، ويؤكد استقلال كل منهما كوسيلة علانية قائمة بذاتها – كما يرى "سرور". 

 

images

 

وشدد المشرع العقوبة في حالة النشر بالجرائد والمطبوعات "المادة 307 عقوبات"، تمييزًا لها عن سائر صور العلانية، بما يكشف عن خصوصية هذا المفهوم واستقلاله عن غيره من وسائلها، وجاء القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام….، ليضع تعريفاً واسعاً لـ "المطبوعات"، فاعتبرها "كل ما يتضمن كتابات أو رسوماً أو صوراً أو مقطوعات موسيقية أو غير ذلك من وسائل التعبير، متى تم نقلها بأي وسيلة من الوسائل الميكانيكية أو الكيميائية أو الإلكترونية أو غيرها…".

 

ومؤدى ذلك أن النشر بواسطة الوسائل الالكترونية يعد ظرفاً مشدداً لجريمتي القذف والسب إعمالا لحكم المادة 307 من قانون العقوبات.

 

-فالعلانية لفظ عام يُعبر عن نتيجة قانونية، تتحقق متى وصل الفعل أو مضمونه إلى عدد غير محدد من الناس.

 

-أما "النشر" فهو وسيلة محددة من وسائل العلانية، أضيق نطاقًا، ويتحقق من خلال أدوات مهيأة لهذا الغرض تتيح تداول المحتوى للجمهور دون تمييز.

 

-والإنترنت قد يُستخدم كوسيلة للنشر، غير أن توصيفه القانوني يقتضي قدراً من الدقة.

 

فالإنترنت يُمثل وعاءً تقنياً تُمارس من خلاله أنشطة الإعلام والنشر، يندرج في إطاره عدد من الوسائط، كالمواقع الإخبارية والصحف الإلكترونية، وكذلك "منصات التواصل الاجتماعي"، ومن ثم، فإن النشر عبره يُعامل قانوناً بوصفه إحدى صور النشر، ويُقاس في أحكامه على نشر المطبوعات وفقًا للقانون، على نحو ما أوضحنا سلفًا، متى أُتيح للجمهور الاطلاع على المحتوى المتداول من خلاله.   

 

كمنت

 

ملحوظة:

 

يعتبر الإنترنت إطارًا عامًا، بينما تعد المواقع الإلكترونية والمنصات التي تبث المحتوى عبره وسائل نشر، وعليه من الناحية القانونية، خاصة في جرائم النشر: إذا تم نشر محتوى عبر موقع إلكتروني مفتوح للجمهور أو صفحة عامة على فيسبوك أو تيك توك أو مدونة أو منصة رقمية متاحة للكافة، فإن ذلك يعد نشراً، لأنه يحقق إتاحة المحتوى لعدد غير محدد من الناس.

 

النتيجـة المترتبة على ذلك بالنسبة لتحديد المحكمة المختصة:

 

يؤكد "سرور": إذا وُجِّه سبٌّ إلى موظف عام بسبب وظيفته، في طريق عام مكتظ بطبيعته، أو في مكان عام بالتخصيص، كأن يقع داخل مكتبه خلال ساعات العمل وأثناء استقبال الجمهور، أو حتى في مكان خاص اجتمع فيه عدد كبير من الناس دون تمييز بسبب تلك الوظيفة، بما يجعله مكانًا عامًا بالمصادفة، فإن ركن العلانية يتحقق في جميع هذه الصور، دون أن ينهض الفعل إلى مرتبة النشر كوسيلة مستقلة من وسائل العلانية في معناها القانوني.  

 

ومن ثم يظل الاختصاص بنظر الدعوى، في الحالات سالفة البيان، منعقداً لمحكمة الجنح دون محكمة الجنايات، لانتفاء وصف النشر بالمعنى القانوني المحدد، ويُسأل الجاني في هذه الحالة عن جريمة قذف أو سب علني، أو عن جريمة إهانة موظف عام أثناء تأدية وظيفته أو بسببها المنصوص عليها في المادة "133" من قانون العقوبات متى توافر عنصر المواجهة الذي اشترطه القانون، وذلك على نحو ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض.

 

وعلى النقيض من ذلك:

 

إذا وقع الفعل بطريق النشر بالمدلول الضيق الذي أوضحناه، فإن التكييف القانوني للجريمة يختلف، وينعقد الاختصاص بنظرها لمحكمة الجنايات متي كان المجني عليه موظفاً عاماً وكان القذف أو السب مرتبطاً بوظيفته.  

 

ويضيف "سرور": ومتى وقع النشر من خلال موقع أو حساب إلكتروني موجَّه إلى جمهور مستخدمي الشبكة، كمنصات فيسبوك أو تيك توك، فإن الاختصاص ينعقد لمحاكم الجنايات الاقتصادية، بوصفها المحكمة المختصة بجرائم تقنية المعلومات، وذلك وفقًا لما استقر عليه قضاء الهيئة العامة للمواد الجنائية، متى قامت رابطة الارتباط التي لا تقبل التجزئة بين جريمتي القذف أو السب وبين جرائم أخرى تدخل في اختصاص المحكمة الاقتصادية.

 

ومن ثم يمكن القول في عبارات جامعـة

 

1-كل نشر يحقق العلانية، ولكن ليست كل علانية نشراً.

2-الإنترنت يُمثل وعاءً تقنياً تُمارس من خلاله أنشطة الإعلام والنشر.

3-تختص محكمة الجنايات "العادية" بنظر الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر "مطبوعات دورية أو غير دورية أو /كتب" متى انصبت على موظف عام أو من في حكمه وكانت مرتبطة بوظيفته.

4-ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات الاقتصادية متى تم نشر المحتوى عبر الوسائل الإلكترونية، وكان من شأنه إتاحة هذا المحتوى للجمهور للاطلاع عليه وتداوله.

 

ويبقى سـؤال أخير:

 

هل يشترط أن يكون القذف أو السب بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر متعلقًا بوظيفة الموظف العام أو مرتبطًا بها؟

 

يُجيب "سرور" بـ"نعم"، ومن ثم إذا كان موجها إليه كفرد من أفراد الناس دون صلة بوظيفته، ينعقد الاختصاص بنظر الدعوى لمحكمة الجنح الجزئية.

 

غير أن السؤال الأهم يكمن في تحديد مدلول هذا الارتباط ونطاقه، الذي ينعقد معه اختصاص محكمة الجنايات، ويفتح بالتالي المجال لإثبات حقيقة الوقائع المثارة، فقد أجابت محكمة النقض عن هذا الأمر في حكم حديث لها، وهو ما يستدعي همسة قانونية إضافية لتوضيح الحدود والفروق الدقيقة بين ما يرتبط بالوظيفة وما لا يرتبط بها.

 

ظظءء
 

 

الدكتور طارق سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة
 

موضوعات متعلقة :

أخطر 4 جرائم إلكترونية فى العيد.. هجمات الاختراق أو القرصنة والإبتزاز والتحرش والتزوير الإلكترونى.. الجرائم الـ4 تؤثر على حياة المواطنين وسمعتهم.. الحبس والغرامة المالية في انتظار مرتكبهم.. وخبير يوضح المحاذير

مدى جواز الحق في الصورة الشخصية.. الشاب عبدالرحمن خالد أول ضحايا الـ"AI" في العالم.. 5 قوانين تتصدى للأزمة.. أبرزها قانون مكافحة الجرائم الالكترونية وحماية الملكية الفكرية.. والعقوبة تصل للحبس والغرامة

أخطر 4 جرائم إلكترونية فى العيد.. هجمات "الاختراق أو القرصنة" و"الإبتزاز" و"التحرش" و"التزوير" الإلكترونى.. الجرائم الـ4 تؤثر على حياة المواطنين وسمعتهم.. الحبس والغرامة في انتظار مرتكبهم.. وخبير يوضح المحاذير

أخطر 4 جرائم إلكترونية فى العيد.. هجمات الاختراق أو القرصنة والإبتزاز والتحرش والتزوير الإلكترونى.. الجرائم الـ4 تؤثر على حياة المواطنين وسمعتهم.. الحبس والغرامة المالية في انتظار مرتكبهم.. وخبير يوضح المحاذير


الأكثر قراءة



print