على مدار أكثر من ثلاثة عقود، ظل ملف سفر السيدات المصريات للعمل في "الخدمات المنزلية" بالخارج أحد أكثر الملفات حساسية في أجندة وزارة العمل المصرية أو وزارة القوى العاملة سابقا، ومع صدور التعميم الإداري الأحدث في الأول من أبريل 2026، اكتملت ملامح منظومة رقابية بدأت بقرار إداري بسيط في التسعينيات لتتحول إلى استراتيجية وطنية ثابتة لحماية المرأة المصرية.
بداية القرار "رفض ضمنى"
في تسعينيات القرن الماضي، لم يكن هناك نص قانوني يمنع عمل المصريات في الخارج كخادمات، إلا أن وزارة القوى العاملة والهجرة آنذاك بدأت في تطبيق سياسة "الرفض الضمني"، كانت المكاتب المختصة تمتنع عن توثيق أي عقود تحمل مسمى "عاملة منزلية"، وكان التبرير الإداري هو عدم وجود اتفاقيات ثنائية تنظم هذا النوع من العمالة مع الدول المستقبلة، خاصة في ظل نظام "الكفالة" الذي كان يمنح صاحب العمل سلطات واسعة داخل حرم السكن الخاص، مما يجعل الرقابة على حقوق العاملة أمرا بالغ الصعوبة.
صدور أول قرار رسمي
وفى شهر أبريل من عام 2006 شهدت هذا الشهر صدور أول قرارا رسمي في هذا الشأن، عندما تولت عائشة عبد الهادي منصب وزيرة القوى العاملة والهجرة كأول سيدة في هذا الموقع، حيث أعلنت صراحة إلغاء تصاريح العمل لعدة مهن تشمل خدم المنازل "الخادمات، والكوافيرات"، وبالتعاون مع وزارتي الداخلية والخارجية تم ربط تصاريح عمل المصريات بالخارج بهذه الضوابط، لمنع تصدير النساء في مهن متدنيه قد تعرضهن للإساءة، وخلال الفترة من 2009 لـ2010، أكدت الوزيرة عدة مرات أن الوزارة لن تصدق على أي عقود لعمل المصريات كخادمات أو في العمالة المنزلية بالخارج، وحذرت شركات إلحاق العمالة من الترويج لهذه التأشيرات، وأكدت أن أي مخالفة ستؤدي إلى غلق الشركة.
ومع تزايد الضغوط من شركات إلحاق العمالة المصرية وبعض المكاتب الخارجية لتقنين استقدام "عاملات منزليات" مصريات بشكل رسمي، أصدرت الوزيرة عائشة عبد الهادى حينها تعليمات إدارية مشددة بمنع إصدار أي تصاريح عمل للمصريات تحت مسمى "خادمة"، وأكدت حينها أن مصر دولة تصدر الكفاءات المهنية من طبيبات ومعلمات ومهندسات، وليست دولة مصدرة للخادمات، مؤكدة أن كرامة المرأة المصرية خط أحمر لا يقبل التفاوض مقابل أي مكاسب مادية، ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا القرار بمثابة "دستور غير مكتوب" التزم به كل من خلفها في المنصب.
محاولات الالتفاف على القرار
مع استمرار المنع، بدأت بعض شركات إلحاق العمالة في ابتكار مسميات وظيفية بديلة للالتفاف على الحظر، مثل "مربية أطفال" أو "طباخة منزلية" أو "مشرفة منزل"، وفى عام 2016، أصدر وزير القوى العاملة محمد سعفان كتابا دوريا ملزما لسد هذه الثغرات، وجاء فيه أن الحظر لا يرتبط بالمسمى الوظيفي فقط، بل بطبيعة مكان العمل.
ونصت التعليمات على منع سفر أي سيدة للعمل داخل "حرم السكن الخاص" مهما كان المسمى، إلا في حالات ضيقة جدا تتعلق بالمهن الطبية المعتمدة، وفي عام 2019، جددت الوزارة هذا الالتزام ردا على شائعات حول فتح باب التعاقد مع إحدى دول الخليج، حيث تم التأكيد على استمرار الحظر التام لضمان عدم تعرض المصريات لأي مضايقات قانونية أو اجتماعية.
وخلال تولى حسن شحاتة حقيبة وزارة العمل 2022 وحتى 2024 ، ومع تغيير أسم الوزارة إلى "وزارة العمل"، تم تفعيل منظومة إلكترونية للربط مع مكاتب التمثيل العمالي بالخارج، وبدأت الوزارة في رصد مسميات مستحدثة مثل "مرافقة مسنة" أو "مساعدة شخصية"، وصدرت توجيهات صارمة لمكاتب التمثيل في الرياض والكويت بمراجعة السجل التجاري لجهة العمل؛ فإذا تبين أن مقر العمل هو "منزل" وليس مؤسسة تجارية، يتم رفض العقد فورا.
الرقابة الميدانية
خلال فترة تولي حسن شحاتة حقيبة وزارة العمل، ركزت الوزارة على "الرقابة الميدانية والتحقق من الكيان القانوني لجهة العمل"، حيث واجهت الوزارة تحايل بعض الشركات بتسفير السيدات تحت مسمى "عاملات نظافة" لشركات متخصصة، بينما يتم تشغيلهن فعليا داخل المنازل، فأصدر تعليمات مشددة لمكاتب التمثيل العمالي بالخارج بضرورة التأكد من أن صاحب العمل هو "مؤسسة أو شركة تجارية" وليس "فردا"، مع اشتراط تقديم شركات النظافة لقائمة عملاء رسمية تثبت أن التعاقدات تتم مع منشآت ومبان إدارية لا منازل خاصة.
مع تولي محمد جبران وزارة العمل في شهر يوليو من عام 2024، انتقل الملف إلى مرحلة "الردع الإداري والربط الرقمي الكامل"، حيث شهدت فترته تفعيل منظومة إلكترونية موحدة تربط بين وزارة العمل والقنصليات المصرية بالخارج لمنع أي تلاعب يدوي بالمسميات الوظيفية في عقود العمل، كما اتخذت الوزارة قرارات بإلغاء وإيقاف تراخيص عشرات شركات إلحاق العمالة التي ثبت تورطها في محاولات تسفير سيدات بمهن منزلية مستترة، وألزم الملحقين العماليين بالتحقق الميداني من "السجل التجاري" الفعلي لجهة العمل ومطابقته لنوع النشاط قبل اعتماد أي تأشيرة تخص السيدات.
قرار 2026
تمثل المحطة الأخيرة في القرار الصادر بتاريخ 1 أبريل 2026، خلال وزارة حسن رداد وزير العمل الحالى، وجاء هذا القرار بعد تقارير فنية من مكتب التمثيل العمالي بالرياض، رصدت محاولات جديدة لتشغيل المصريات في مهن تفتقر للضمانات الكافية، ولأول مرة، شمل القرار حظرا صريحا لعمل السيدات في "المقاهي والكافيهات" تحت مسميات "ساقية، نادل، عامل كونتر"، بالإضافة إلى قائمة مفصلة للمسميات المنزلية المحظورة "طاهية، مديرة منزل، مساعدة شخصية، ممرضة منزلية"، ووضع القرار عقوبات رادعة تصل إلى وقف ترخيص شركات إلحاق العمالة التي تخالف هذه الضوابط.
ويعد هذا القرار منذ بداية صدوره رسميا في 2006، وحتى مع تحديثه في 2026 تجسيدا لرؤية الدولة المصرية على مدار 20 عاما؛ وهي أن دور المرأة المصرية في سوق العمل الخارجي يقتصر على المهن التنظيمية والطبية والتعليمية والتقنية، مع إغلاق تام لأي باب قد يمس كرامتها أو يضعها في إطار عمل غير خاضع للرقابة القانونية المباشرة.