الجمعة، 03 أبريل 2026 12:01 ص

"من مخلفات إلى استثمارات بالمليارات" رحلة البحث عن الذهب المدفون من «قلابشو» إلى «أبو زعبل».. تطهير المقالب يغذى المصانع بالوقود والقرى بالغاز.. ومجمع العاشر قلعة خضراء لإنقاذ العاصمة والبحث عن فرصة عمل

"من مخلفات إلى استثمارات بالمليارات" رحلة البحث عن الذهب المدفون من «قلابشو» إلى «أبو زعبل».. تطهير المقالب يغذى المصانع بالوقود والقرى بالغاز.. ومجمع العاشر قلعة خضراء لإنقاذ العاصمة والبحث عن فرصة عمل تدوير المخلفات - صورة أرشيفية
الخميس، 02 أبريل 2026 09:00 م
تحقيق منال العيسوي
1931 وحدة بيوجاز منزلية بـ19 محافظة تنتج 2.1 مليون متر مكعب غاز سنويا ما يعادل 70 ألف أسطوانة غاز

من قلب مدينة العبور جنوب محافظة القاهرة، كانت الحكايات حول مقلب المخلفات لا تنتهى. و لم يكن السكان يغلقون نوافذهم هرباً من برد الشتاء، بل فراراً من أدخنة الموت المنبعثة من المقلب العشوائي الذي جثم على صدورهم لعقود.
 
اليوم، تتغير ملامح الحكاية،  عمر طفل العاشرة الذي كان يظن أن السماء لونها رمادي دائماً بسبب الأدخنة، سيشهد في أبريل المقبل لحظة تاريخية بإيقاف استقبال المخلفات نهائياً في هذا المقلب.
 
هذه ليست مجرد نهاية لموقع، بل هي بداية لجمهورية التدوير التي تقودها الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، حيث يتحول الرقم الجامد في موازنة الدولة  إلى هواء نظيف ورزق جديد لآلاف الشباب.
 
مجمع العاشر من رمضان أكبر قلعة خضراء في الشرق الأوسط
 
كشفت الدكتورة منال عوض  وزيرة التنمية المحلية والبيئة فى تصريحات خاصة، عن تفاصيل المشروع الحلم، وهو  مجمع متكامل لإدارة المخلفات بمدينة العاشر من رمضان، المنفذ  على مساحة 1228 فدانا، قائلة:" هذا الصرح ليس مجرد مدفن، بل هو منطقة صناعية متكاملة ستنهي كابوس المخلفات في محافظتي القاهرة والقليوبية.
 
إعداد مستندات الطرح للقطاع الخاص بمجمع مخلفات العاشر
الوزيرة أكدت ايضا  أن العمل يجري على قدم وساق في البنية التحتية، بالتوازي مع إعداد مستندات الطرح للقطاع الخاص، وان  الدولة هنا لا  تتخلص من القمامة، بل تستثمر في مساحة تعادل مساحة قرى كاملة، لتحولها إلى مصانع فرز ومعالجة وتدوير، لتكون الرئة الجديدة التي تتنفس من خلالها العاصمة.
 
الذهب الاسود  من المطبخ إلى شرايين الصناعة
تتحدث لغة الأرقام في المنظومة الجديدة عن ثورة صامتة،  حيث ارتفعت كفاءة الجمع إلى 80%، ونسبة إعادة التدوير إلى 50%، لكن الرقم الأبرز هو إنتاج 1.9 مليون طن سنوياً من الوقود البديل (RDF)، فهذا الوقود ليس مجرد مخرجات تدوير، بل هو طوق نجاة لصناعات ثقيلة مثل الأسمنت، حيث ان كل طن وقود بديل يخرج من مخلفاتنا، يعني تقليل الاعتماد على الفحم والمازوت المستورد، وحماية العملة الصعبة، فالمنظومة لم تترك شاردة ولا واردة، فحتى زيوت الطعام المستعملة دخلت دائرة الضوء بقرار الوزارة رقم 150 لسنة 2025، لتصدر أول 7 تراخيص رسمية لشركات الجمع، محولةً زيوت الموت التي كانت تسد شبكات الصرف إلى وقود حيوي يُصدر للخارج ويحقق عائداً اقتصادياً مستداماً.
 
الطاقة الحيوية بالريف المصري
في قلب القرى، تحول التحدي البيئي إلى وحدة إنتاجية.  فهناك قصة نجاح لتنفيذ 1931 وحدة بيوجاز منزلية في 19 محافظة، حيث ان  هذه الوحدات ليست مجرد خزانات، بل هي مفاعلات كيميائية بسيطة،  تنتج 2.1 مليون متر مكعب غاز سنويا، اى  ما يعادل 70 ألف أسطوانة بوتاجاز.
 
تحويل المخلفات الزراعية والحيوانية إلى سماد عضوي
هذا الذهب الأخضر لم يتوقف عند الغاز، بل امتد لمواجهة السحابة السوداء،  حيث تم جمع 2.6 مليون طن قش أرز في عام 2025 عبر 655 موقع تجميع، وأصبح  المسؤول هو المحفز  والمواطن هو الشريك، والنتيجة هي تحويل المخلفات الزراعية والحيوانية إلى سماد عضوي يحيي الأرض، وطاقة تطهو الطعام، ودخل إضافي للفلاح المصري.
 
غلق مقالب المخلفات واسترداد حق الجمال
 
سياسة غلق المقالب وإدارة النفايات النوعية، التى اتبعتها وزارة التنمية المحلية تؤكد ان المعركة مع الماضي لم تكن سهلة. حيث أكدت ياسر عبد الله رئيس جهاز تنظيم وادارة المخلفات الصلبة بوزارة التنمية المحلية ، اكد ان خطة غلق 7 مقالب عشوائية تسير بإجراءات حاسمة، من "قلابشو" بالدقهلية إلى "أبو زعبل" بالقليوبية، الدولة تشن "حرب تطهير" شاملة، بللتوازى مع  اقتحام ملفات شائكة كالمخلفات الإلكترونية باستثمارات دولية بلغت 9.1 مليون دولار من منحة البنك الدولي، وتقنين أوضاع 38 مصنعاً لتدوير الكابلات والإلكترونيات، حتى مخلفات الدواجن والأسماك لم تعد عبئاً، بل حققت إيراداً ماليًا للمحافظات بلغ 69 مليون جنيه سنوياً.
 
هذه الأرقام تؤكد أن وزارة التنمية المحلية والبيئة نجحت في أنسنة منظومة المخلفات، بجعلها قطاعاً يدر ربحاً ويحمي صحة، بدلاً من كونه عبئاً يرهق الموازنة.
 
إدارة المخلفات فرصة استثمارية واعدة
وأعلنت  الدكتورة منال عوض رسالة واضحة أمام مجلس النواب ، وهى ان إدارة المخلفات لم تعد مجرد تحدٍ بيئي، بل أصبحت فرصة استثمارية واعدة، اذ إن الشفافية التي واجهت بها الوزيرة طلبات الإحاطة، والنزول الميداني لحل مشكلات مثل تراكمات المحلة الكبرى، يؤكد أن النهج الحكومي الجديد يضع جودة حياة المواطن في المقام الأول، وجمهورية التدوير في مصر 2026 ليست مجرد شعار، بل هي واقع يُبنى بـ 45 مدفناً صحياً، وملايين الأطنان من الوقود البديل، وآلاف فرص العمل الخضراء. إنها الرحلة من القمامة المتروكة إلى الثروة المستردة، حيث تصالح الإنسان مع بيئته، وانتصرت الدولة لمستقبل أجيالها.

print