محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة الجنائية "ب" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، يضع حداً لجريمة خطف "الأب" لـ"طفله" من الحاضنة، ويؤيد تجريم "الأب" وآخرين شاركوا في جريمة الخطف، ورسخت لـ23 مبدأ قضائياً أبرزها أن الإدانة بجريمة خطف الطفل لا تتوقف على تنفيذ الحكم القضائي بالحضانة، وتُجيز لمحكمة الجنايات نظر الدعوى رغم أن الجريمة جنحة تنظرها محكمة الجنح، بإعتبار كونها جنحة مرتبطة بجناية، مؤكدة أن الارتباط بين الجنحة والجناية في المحاكم المخصصة تنظيمية، لا يعد من الأصول الجوهرية التي يترتب عليها بطلان، إذ للمحكمة التقدير في الفصل أو الفصل الجزئي للجنحة، وهو تنظيم داخلي يحقق الكفاية القضائية دون الإخلال بحق الدفاع أو العدالة، فالتقنين القانوني لا يلزم المحكمة بوجوب الفصل إلا حيث يقتضي القانون ذلك صراحة.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 168 لسنة 95 القضائية، برئاسة المستشار صفوت مكادي، وعضوية المستشارين أحمد عمران، وعلي أحمد عبد القادر، وأحمد أنور الغرباوي، وأيمن صالح شريف، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض محمد الفقي، وأمانة سر أحمد لبيب .
الوقائع.. اتهام "أب" بخطف "إبنه" من "أمه" الحاضنة بواسطة آخرين
اتهمت النيابة العامة كلا من 1- "أسامة. ك" – الطاعن -، وآخرين بأنهم في يوم 18 من يناير سنة 2024 - المتهمون من الرابع إلى الثامن: خطفوا بالإكراه الطفل "على" بأن انتزعوه عنوة ممن لها حق حضانته وهي المجني عليها "ريهام. أ" متعدين عليها ضرباً بالأيدي والأرجل بعموم جسدها محدثين إصابتها الموصوفة بالتقرير الطبي المرفق بالأوراق فخارت قواها، وتمكنوا بتلك الوسيلة القسرية من اختطاف الطفل على النحو المبين بالتحقيقات .
المتهمون الثلاث الأول:
خطفوا بالذات وبواسطة باقي المتهمين الطفل "على" من المجني عليها التي لها حق حضانته بمقتضى قرار من جهة القضاء على النحو المبين بالتحقيقات.
المتهمون جميعا:
أحدثوا عمدًا إصابة المجني عليها "ريهام. أ" الموصوفة بالتقرير الطبي المرفق بالأوراق والتي أعجزتها عن أشغالها الشخصية مدة لا تزيد عن عشرين يوما على النحو المبين بالتحقيقات .
النيابة تحيل المتهمين للمحاكمة الجنائية أمام محكمة الجنايات
واحالتهم النيابة العامة إلى محكمة جنايات لمحاكمتهم طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة، وادعت المجني عليها - بوكيل عنها محام - قبل المتهمين بمبلغ مائة ألف وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت، والمحكمة المذكورة قضت بتاريخ 6 من يونيه سنة 2024 حضوريا للأول وغيابيا لباقي المتهمين وعملا بالمواد 39، 242/1، 290/1، 3، 292/2 من قانون العقوبات، وبإعمال نص المادة 32 من قانون العقوبات .
أولا: بمعاقبة "..." وألزمته المصاريف الجنائية.
ثانيا: بمعاقبة "..." بتغريمه خمسمائة جنيه عما أسند إليه مع الشغل عما أسند إليهما وألزمتهما المصاريف الجنائية.
ثالثا: بمعاقبة /و .... و .... بالحبس سنة، بالسجن المشدد عشر سنوات عما أسند إليهم وألزمتهم المصاريف الجنائية وإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة.
محكمة أول درجة تقضى على المتهمين بالحبس والسجن والغرامة
فأستأنف المحكوم عليه الأول "..." جنايات مستأنف هذا الحكم وقيد الاستئناف برقم "..." لسنة، ومحكمة جنايات - بهيئة استئنافية - قضت حضوريًا بتوكيل بجلسة 29 من أغسطس سنة 2024، بقبول الاستئناف شكلا، وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف وألزمت المستأنف بالمصاريف الجنائية، فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض.
"الأب" يستأنف الحكم لإلغاءه.. و"الاستئناف" تؤيد الحكم
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: ومن حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمتي خطف ولده الصغير ممن له الحق في حضانته بمقتضى قرار من جهة القضاء بواسطة آخرين وكان ذلك بطريق الإكراه، والضرب البسيط، قد شابه القصور في التسبيب، والتناقض في الأسباب، والفساد في الاستدلال، الإخلال بحق الدفاع، والخطأ في تطبيق القانون، ذلك أن الحكم اعتوره الغموض والإبهام ولم يورد مؤدى الأدلة التي عول عليها في قضائه بالإدانة، وأحال في بيان أقوال الشاهدين الثاني والثالثة إلى ما أورده من أقوال الشاهدة الأولى على الرغم مما بينها من تناقض، كما لم يورد مضمون أقوال الضابط مجري التحريات على نحو كاف، وعول في الإدانة على ما تضمنته المقاطع المرئية المصورة للوقعة دون أن يورد مؤدى الدليل المستمد منها.
مذكرة الطعن تستند على عدة أسباب لإلغاء الحكم
وأضافت "مذكرة الطعن": فضلا عن تناقضه مع ما قرره الشهود هذا إلى أنه لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم، ولم يستظهر أركان جريمة خطف الولد الصغير المادية منها والمعنوية، وأخطأت المحكمة حينما دانته بالجريمة ذلك أن المجني عليها لم تقم بتنفيذ الحكم الصادر بأحقيتها في الحضانة في الدعوى رقم ....... لسنة بدلالة المستندات التي قدمها الطاعن، وهو ما أقره الحكم نفسه عندما أورد في مدوناته بأنه يتعين على من صدر لصالحه الحكم بأحقيته في الحضانة أن يقوم بتنفيذه حتى يظهر الامتناع ويستحق العقاب، إلا أن الحكم عاد من بعد وعاقب الطاعن رغم عدم التنفيذ وعاملته المحكمة خطأ بالمادة 290 من قانون العقوبات في حين أن الطاعن هو والد الصغير.
وتابعت "مذكرة الطعن": واعتنق الحكم صورة غير صحيحة لواقعة الدعوى استمدها من أقوال شهود الإثبات رغم كذبهم وتناقض أقوالهم، فضلا عن تضاربها بمراحل التحقيق المختلفة، ولم يعرض لأقوال شاهدة النفي وهي مديرة جمعية المخصصة كمقر الرؤية الصغير، وأطرح بما لا يسوغ الدفع بعدم جدية التحريات، وعول عليها رغم عدم جديتها وتناقضها مع التحريات الأولية، كما عول من بين ما عول عليه على تقرير المجلس القومي للأمومة والطفولة دون أن يرفع ما بينه وبين أقوال المجني عليها من تناقض، وخلت الأوراق مما يشير إلى وجود باعث على الجريمة، ولم يعن بالرد على الدفع بالقصور في تحقيقات النيابة العامة لعدم تفريغ وإثبات التفاصيل الكاملة للمقاطع المرئية المصورة وتوقيت مغادرة الطاعن للمكان.
المذكرة تستند على أن الجريمة المسندة للطاعن جنحة وليست جناية
واستطردت "مذكرة الطعن": ولم تجبه المحكمة لطلبه بتفريغ تلك المقاطع والاطلاع عليها، ولم يعن الحكم بالرد على الدفع ببطلان تحقيقات النيابة العامة لعدم اتباع تعليماتها، وشكك الطاعن أمام محكمة الموضوع في صدق أقوال المجني عليها كما ساق العديد من القرائن التي تشير إلى تلفيق التهمة بيد أن المحكمة التفتت عما أثاره من دفاع في هذا الخصوص ، كما لم تعرض للعديد من المستندات التي قدمها تدليلا على دفاعه، وأخيرًا فإن محكمة الجنايات غير مختصة نوعيًا بنظر الدعوى وأن الاختصاص ينعقد للمحكمة الجزئية على اعتبار أن الجريمة المسندة إلى الطاعن تعد من جرائم الجنح، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: إن المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الوقعة المستوجبة للعقوبة بيانا تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه، وكان يبين مما سطره الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أنه بين وقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعن بهما، وأورد على ثبوتهما في حقه أدلة مستمدة من أقوال شهود الإثبات وما ثبت بملاحظات النيابة العامة، ومن صورة الحكمين الصادرين في الدعويين رقمي ....... لسنة ...... أسرة، وشهادة قيد والدة الطفل المجني عليه، وسرد مضمونها وأورد مؤداها في بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها، وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماما شاملا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة .
محكمة النقض تُرسخ لـ23 مبدأ قضائياً
وبحسب "المحكمة": لما كان ذلك - وكان المقرر أن القانون لم يرسم شكلا أو نمطا يصوغ فيه الحكم بيان الوقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الوقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - كان ذلك محققا لحكم القانون، ومن ثم فإن منعى الطاعن على الحكم بدعوى القصور في هذا المنحى لا يكون سديدًا - لما كان ذلك، ومن المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم متفقة مع ما استند إليه الحكم منها، وكان من المقرر كذلك أن محكمة الموضوع غير ملزمة بسرد روايات الشهود إن تعددت وبيان وجه أخذها بما اقتنعت به ، بل حسبها أن تورد منها ما تطمئن إليه وتطرح ما عداه.
وتضيف "المحكمة": وإذ كان الطاعن لا يجادل في أن ما نقله الحكم عن أقوال الشاهدة الأولى له أصله الثابت في الأوراق ، ولم يخرج الحكم عن مدلول شهادتها، فلا شيء على الحكم من بعد إحالته في بيان أقوال الشاهدين الثاني والثالثة إلى ما أورده من أقوال الأولى، ولا يؤثر فيه أن يكون لهذين الشاهدين قول آخر لا يتفق وأقوال الأولى - على فرض من صحة ذلك -، إذ إن مفاد إحالة الحكم في بيانه لأقوالهما إلى ما حصله من أقوال الأولى فيما اتفقا فيه، أنه لم يستند في قضائه إلى الأقوال المغايرة لها، وطالما أنه من حق محكمة الموضوع تجزئة أقوال الشاهد، والأخذ منها بما تطمئن إليه وإطراح ما عداه ، دون أن يعد ذلك تناقضاً في حكمها .
مراد الشارع الذي استوجبه في المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية
لما كان ذلك - وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تورد في حكمها من مؤدى الأدلة ما يكفي لتبرير اقتناعها بالإدانة مادامت قد اطمأنت إلى هذه الأدلة واعتمدت عليها في تكوين عقيدتها وكان ما أورده الحكم بالنسبة الأقوال الضابط مجري التحريات بتحقيقات النيابة العامة، يحقق مراد الشارع الذي استوجبه في المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية من دعوى بيان مؤدى الأدلة التي يستند إليها الحكم الصادر بالإدانة، فإن ما يثيره الطاعن من منازعة في بيان دليل الإثبات الذي استمده منها، لا يخرج عن كونه جدلاً موضوعيا في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها، وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض ، ومن ثم فإن النعي على الحكم بالقصور في هذا الشأن يكون على غير أساس .
لما كان ذلك - وكانت مدونات الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه تفصح عن أن المحكمة لم تبن قضاءها بصفة أصلية على فحوى الدليل المستمد من المقاطع المرئية المصورة للوقعة، وإنما استندت إليها كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التي أوردتها ، فإنه لا جناح على الحكم إن هو عول على تلك القرينة تأييدا وتعزيزا للأدلة الأخرى التي اعتمد عليها في قضائه، ما دام أنه لم يتخذ منها دليلا أساسيا في ثبوت الاتهام قبل الطاعن، فإن كافة ما يثيره في خصوص تلك المقاطع المصورة يكون غير مقبول .
جريمة خطف الطفل تقوم على عنصرين
لما كان ذلك - وكانت جريمة خطف الولد الصغير المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 292 من قانون العقوبات تقوم على عنصرين أساسيين:
أولهما: أن يكون الجاني من الوالدين أو الجدين للصغير سواء أكان الجد للأم أم للأب، وأن يقوم - ولو بغير طريق التحيل أو الإكراه - بانتزاع الصغير المخطوف من بيئته، وإبعاده عنها بقصد نقله إلى محل آخر، وإخفائه عمن له الحق في حضانته أو حفظه، بشرط أن يكون ذلك الحق قد تقرر لصاحبه بمقتضى قرار صدر به من جهة القضاء.
والثاني: نقل الصغير إلى ذلك المحل الآخر واحتجازه فيه تحقيقا لهذا القصد.
كلمة السر "الفقرة الثانية من المادة 292"
وتؤكد "المحكمة": وكان ما أورده الحكم بيانا لوقعة الدعوى تتحقق به كافة العناصر القانونية لجريمة قيام الطاعن بخطف ولده الصغير المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 292 من القانون سالف الذكر، فإن ما ينعاه في هذا الخصوص بدعوى القصور أو الخطأ في تطبيق القانون لا يكون قويما .
لما كان ذلك - وكان الشارع في نص الفقرة الثانية من المادة 292 آنفة الذكر لم يستلزم بالنسبة للقرار الصادر من جهة القضاء بالأحقية في حضانة الصغير أو حفظه أن يكون قد تم تنفيذه عن طريق جهات التنفيذ المختصة، إذ العبرة في ذلك عند المنازعة - تكون بحقيقة الواقع، بصرف النظر عما هو ثابت في المستندات، وإذ كان الطاعن يسلم بأسباب طعنه أن ولده الصغير كان وما زال في حضانة المجني عليها - الجدة لأم - ، فإن ما يثيره نعيًا على الحكم بدعوى الخطأ في تطبيق القانون بمقولة أن المجني عليها لم تنفذ الحكم الصادر بحقها في حضانة ولده الصغير بدلالة المستندات المقدمة منه يكون على غير أساس .
الجريمة وقعت بواسطة الغير
لما كان ذلك، وكان لا تعارض بين ما انتهى إليه الحكم من إدانة الطاعن بجنحة خطف ولده الصغير من المجني عليها - صاحبة الحق في حضانته بمقتضى قرار من جهة القضاء المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 292 المشار إليها، وبين ما استطرد إليه الحكم في مدوناته من وجوب قيام من صدر لصالحه الحكم بأحقيته في حضانة الصغير بتنفيذه، ذلك أن ما أورده الحكم في هذا الصدد إنما ينصرف إلى جنحة الامتناع عن تسليم الولد الصغير - أو ولد الولد - إلى من له الحق في حضانته أو حفظه بناء على قرار جهة القضاء، والمنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة ذاتها .
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه لم يدن الطاعن بجريمة خطف الأطفال المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 290 من قانون العقوبات، بل ولم تحله النيابة العامة بهذا الوصف - على ما يبين من الاطلاع على المفردات التي أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً لوجه الطعن – ، وإنما أحالته بجريمة خطف ولده الصغير - بواسطة غيره - ممن له الحق في حضانته بمقتضى قرار من جهة القضاء طبقا للفقرة الثانية من المادة 292 من القانون المشار إليه، وهو ما انتهى إليه الحكم صحيحًا ، فإن ما يثار في هذا الصدد يكون ولا محل له .
الأخذ بأقوال الشهود
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بسط البحث الصورة الصحيحة لوقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى، مادام استخلاصها سائغا مستندا إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وأن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهام وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وأن تناقض الشاهد أو اختلاف رواية شهود الإثبات في بعض تفاصيلها لا يعيب الحكم ولا يقدح في سلامته، مادامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من أقوالهم استخلاصا سائغا لا تناقض فيه.
كما هو الحال في الدعوى الراهنة - ، كما أن المحكمة الموضوع أن تأخذ بأقوال الشاهد في أية مرحلة من مراحل الدعوى، ولو خالف قولا آخر له أو لشاهد آخر دون بيان العلة، إذ مرجع الأمر في ذلك كله إلى اطمئنانها إلى ما تأخذ به دون ما تعرض عنه، وكان الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد كشف عن اطمئنانه إلى أقوال المجني عليها وباقي شهود الإثبات، واقتناعه بحدوث الوقعة على الصورة التي شهدوا بها، فإن ما يثيره الطاعن من منازعة حول تصوير المحكمة للوقعة أو في تصديقها لأقوال الشهود أو محاولة تجريحها ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل، وهو ما تستقل به محكمة الموضوع، ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض .
الرد على الدفع بعدم جدية التحريات
لما كان ذلك - وكان للمحكمة أن تعول على أقوال شهود الإثبات وتعرض عن قالة شهود النفي، دون أن تكون ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم والرد عليها ردًا صحيحًا ، وقضاؤها بالإدانة استناداً إلى أدلة الثبوت التي بينتها، يفيد دلالة أنها أطرحت شهاداتهم ولم تر الأخذ بها، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد .
لما كان ذلك - وكان الحكم قد عرض للدفع بعدم جدية التحريات وأطرحه باطمئنان المحكمة إلى ما جاء بها وجديتها وكفايتها للأسباب السائغة التي أوردها، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة ما دامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث، ذلك أن تقدير جدية التحريات من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع، فإن المجادلة في تعويل الحكم على تلك التحريات بدعوى عدم جديتها يكون في غير محله .
الرد على التناقض بين أقوال المجني عليها وتقرير المجلس القومي للأمومة والطفولة
لما كان ذلك - وكان الحكم قد عول في إثبات التهمة في حق الطاعن على أقوال شهود الإثبات بالتحقيقات ومن بينهم الشاهد السادس - مجري التحريات - وما أثبتته النيابة العامة بملاحظاتها، ومما ثبت من الحكمين الصادرين في الدعويين رقمي ....... لسنة أسرة لسنة أسرة، ولم يعول في ذلك على ما تضمنته التحريات الأولية التي لم يشر إليها في مدوناته ، فإن النعي على الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل - لما كان ذلك - وكان من المقرر أنه يجب القبول وجه الطعن أن يكون واضحًا محددًا، وكان الطاعن لم يبين في طعنه أوجه التناقض بين أقوال المجني عليها وتقرير المجلس القومي للأمومة والطفولة الذي عول عليه الحكم ، فإن ما يثيره في هذا الشأن لا يكون مقبولاً .
لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن من خلو الأوراق مما يشير إلى وجود باعث على الجريمة مردودًا، بأنه ليس ركناً فيها، ولا عنصرًا من عناصرها، وكان لا يقدح في سلامة الحكم عدم بيان الباعث تفصيلا أو الخطأ فيه أو ابتدائه على الظن أو إغفاله جملة، ومن ثم يكون ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير سديد .
الرد على الدفع بالقصور في تحقيقات النيابة العامة
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تعييب الإجراءات السابقة على المحاكمة لا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، وإذ كان الثابت من محاضر جلسات المحاكمة - بدرجتيها - أن الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بالقصور في تحقيقات النيابة العامة على النحو الذي أشار إليه بأسباب طعنه، فليس له أن ينعى على المحكمة عدم ردها على دفاع لم يثر أمامها، ولا يقبل منه الدفع بشيء من ذلك أمام محكمة النقض .
لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة – بدرجتيها أن الطاعن لم يطلب إجراء تحقيق ما بشأن المقاطع المرئية المصورة، فلا يحق له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق أمر لم يطلبه منها، ولم تر هي من جانبها حاجة لإجرائه، ويكون منعاه في هذا الصدد ولا محل له .
الرد على التشكيك في أقوال المجني عليها
لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة الاستئنافية أن المدافع عن الطاعن وإن دفع ببطلان تحقيقات النيابة العامة، إلا أنه لم يبين أساس دفعه ومقصده ومرماه منه، ومن ثم فلا على المحكمة إن هي التفتت عن الرد عليه، هذا فضلا عن أنه لا يجوز الاعتداد بالتعليمات في مقام تطبيق القانون، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير مقبول .
لما كان ذلك، وكان ما أثاره الطاعن لدى محكمة الموضوع من تشكيك في أقوال المجني عليها وما ساقه من قرائن تشير إلى تلفيق التهمة، لا يعدو أن يكون من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستوجب ردا صريحًا من الحكم، بل الرد يستفاد من أدلة الثبوت التي أوردها، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الخصوص يكون في غير محله .
ارتباط الجنحة بالجناية
لما كان ذلك - وكان من المقرر أن الأدلة في المواد الجنائية إقناعية، وللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي الأدلة في الدعوى، وكان من المقرر أن المحكمة غير ملزمة بالرد صراحة على أدلة النفي التي يتقدم بها المتهم ما دام الرد عليها مستفادًا ضمنا من الحكم بالإدانة اعتمادًا على أدلة الثبوت التي أوردها، إذ بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من وقوع الجريمة المسندة إلى المتهم، ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه، لأن مفاد التفاته عنها أنه أطرحها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن التفات المحكمة عن المستندات المقدمة منه تدليلا على دفاعه، إنما هو معاودة للجدل الموضوعي في تقدير الدليل مما لا شأن لمحكمة النقض به ولا يثار أمامها .
لما كان ذلك - وكان ارتباط الجنحة بالجناية المحالة إلى محكمة الجنايات هو من الأمور الموضوعية التي تخضع لتقدير محكمة الجنايات استنادا إلى حكم المادة 383 من قانون الإجراءات الجنائية التي أجازت لتلك المحكمة إذا أحيلت إليها جنحة مرتبطة بجناية، ورأت قبل تحقيقها أن لا وجه لهذا الارتباط أن تفصل الجنحة وتحيلها إلى المحكمة الجزئية المختصة للفصل فيها، هذا فضلا عن أن القاعدة التي أنت بها المادة 383 من قانون الإجراءات الجنائية إنما هي قاعدة تنظيمية لأعمال محكمة الجنايات لم يرتب القانون بطلانا على عدم مراعاتها، ولا هي تعتبر من الإجراءات الجوهرية المشار إليها في المادة 331 من ذلك القانون، فإن ما ينعاه الطاعن في هذا الخصوص يكون على غير أساس .
لما كان ما تقدم، فإن الطعن يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا مع مصادرة الكفالة .
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعا ومصادرة الكفالة.
الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي
23 مبدأ قضائياً في جريمة خطف "الأب" لـ"إبنه" من الحاضنة
وفى هذا الشأن - يقول الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي - أرست محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 168 لسنة 95 ق – الدائرة الجنائية – قاعدة رصينة في معالجة جريمة خطف الطفل من من له الحق في حضانته، مستخلصة من ثنايا الحكم مبادئ قانونية واضحة، مجتمعة في ضوء النصوص الثابتة واليقين العقلي، على النحو الآتي:
المبدأ الأول: استيفاء أركان الجريمة شرط لسلامة الإدانة
ويضيف "الديب" في تصريح لـ"برلماني": لا ريب أن جريمة خطف الطفل تقوم على أركان مادية ومعنوية متينة، فلا يصح الحكم بالإدانة إلا إذا ثبت قيام الطاعن بخطف الطفل من المجني عليها صاحبة الحق في الحضانة، بقصد نقله واخفاءه عن من له الحق القانوني في حضانته، إذ أن قوة الدليل وشدة اليقين هما ما يرسخان العقوبة على أساس سليم، والسلطة القضائية تثبت الوقائع اعتمادا على جميع الأدلة المقبولة قانونا، من شهادات الشهود، الى الملاحظات المباشرة للنيابة العامة، الى المستندات الرسمية، بما يحقق توازن العقل والقانون.
المبدأ الثاني: الاعتماد على شهادات الشهود في اثبات الوقائع
للمحكمة سلطة تقديرية في الأخذ بما يطمئنها من اقوال الشهود وترك ما عداه، إذ جوهر الحكم يترسخ حين تستوعب جميع إبعاد الدليل، ويوازن كل شاهد بما يستحق من ثقة، مستندا الى المنهج القضائي الرصين.
المبدأ الثالث: المقاطع المرئية والقرائن وسيلة تعزيز
حين تستعمل المقاطع المرئية المصورة للوقعة، فهي قرائن تقوي الدليل ولا تستبدل به، فلا يعيب الحكم الاعتماد عليها لتعزيز الإدانة ما دام الدليل الرئيس قائما، إذ أن المحكمة بحصافة وحياد، لا تجعل من هذه القرائن أساسا منفرداً للتكييف القانوني.
المبدأ الرابع: التنفيذ الواقعي للحضانة لا يرد الإدانة
لا يشترط لقيام الادانة تنفيذ الحكم القضائي الفعلي بالحضانة، إذ العبرة بحقيقة الواقعة نفسها، بان الطاعن قد خالف حق المجني عليها، وما دام الأمر كذلك، فالادانة قائمة لا محالة، غير متأثرة بكيفية تنفيذ القرار القضائي.
المبدأ الخامس: سلطة محكمة الموضوع في تقييم الأدلة
لمحكمة الموضوع تقدير في تكوين العقيدة الجنائية إستنادا الى كل ما عرض عليها من عناصر، من الشهادات الى التحريات، ولا يجوز محاججتها في ذلك امام محكمة النقض إلا إذا شاب هذا التقدير خطأ قانوني جلي، فالمحكمة الأعلى تراقب الشرع والقانون دون أن تحل محل التحقيق الواقعي.
المبدأ السادس: جدية التحريات وتضارب الشهادات
تقدير المحكمة لجدية التحريات واستخلاصها للحقائق من الشهادات هو من اختصاصها المطلق، ولا يضر الحكم وجود اختلافات جزئية أو ادعاءات تلاعب، ما دام الحكم مبني على أساس قانوني متين، يقيم الحقائق على مقاييس العقل والعدالة.
المبدأ السابع: الطعن غير الدقيق على الوقائع لا يؤخذ به
إذا رفع الطاعن اعتراضه على الوقائع دون بيان محدد ودقيق، فإن طعنه يرد على غير أساس، إذ لا مجال للاعتراض العام على الوقائع إلا حين يثبت خرق واضح للقانون أو قصور جوهري في التحقيق.
أثبتت محكمة النقض أن الإدانة بجريمة خطف الطفل لا تتوقف على تنفيذ الحكم القضائي بالحضانة، وأن المحكمة لها السلطة في تكوين العقيدة الجنائية وتقدير الأدلة، وأن الاعتماد على الشهادات والمقاطع المرئية يعد قرينة لا بديل عنها، وأن الطعن غير المبني على خرق قانوني صريح أو قصور جوهري في التحقيق يكون غير مقبول.
المبدأ الثامن:
الاعتداد في إثبات الجرائم بالوقائع الموثقة واستيفاء أركانها يتطلب بيان الوقعة وما يترتب عليها من عناصر مادية ومعنوية بصورة واضحة ومحددة، فالحكم الذي يوضح الملابسات والوقائع ويستند إلى أدلة ثابتة في الأوراق يصبح كالمنارة التي تهدي السائر في عتمة الخلاف، إذ لا يجوز للطعن أن ينال من سلطان الحقيقة حينما تكون الأدلة متماسكة كالجبال لا تهتز.
المبدأ التاسع:
لمحكمة الموضوع أن تعول على أقوال الشهود كما تراها مقبولة، وأن تطرح ما عداه، فهي كالنحات الذي ينحت من الحجر صورة صافية، يزيل الشوائب ويصقل المعنى، فلا يشوب الحكم أي قصور حين يختار منها ما يثبته ويهدي إليه عقيدته دون أن يكون ملزمًا بسرد كل قول أو بيان كل اختلاف بين الشهود.
المبدأ العاشر:
الاستدلال على وقائع الجريمة من المقاطع المصورة أو التحريات أو غيرها من القرائن لا يكون أصلا لقيام الجريمة إلا إذا استخدمت كداعم لتثبيت الأدلة الأخرى، فهي كالمرآة التي تعكس الحقيقة، لا مصدرها، والاعتماد عليها باعتدال يقوي الحكم دون أن يتحول إلى سبب أساسي يخل بالعدالة.
المبدأ الحادى عشر:
الجريمة المنصوص عليها في المادة 292 فقرة ثانية من قانون العقوبات تقوم على عنصرين: الأول حق الحضانة المقرر بقرار قضائي، والثاني نقل الصغير واحتجازه بقصد الانتزاع، فإثبات تحقق هذين العنصرين يرسخ دعائم الإدانة، كما يثبت الجدار الأساس للبناء، فلا يكون هناك خلل في القانون إن اعتمدت المحكمة على الواقع والوقائع المثبتة دون التنفيذ الفعلي للحضانة من قبل المجني عليها.
المبدأ الثانى عشر:
التناقض بين أقوال الشهود أو الاختلاف بين الروايات لا يعيب الحكم إذا كانت محكمة الموضوع قد استخلصت الصورة الصحيحة للوقائع، فهي كالحائك الذي ينسج من خيوط متباينة قماشًا متماسكًا، لا تتفتت أجزاؤه، إذ يكفي أن تكون استنتاجات المحكمة متينة ومستندة إلى عناصر يقينية عقلية ومنطقية.
المبدأ الثالث عشر:
لم يخلُ القانون من أثر التحريات الأولية أو ثبوتها، فاعتماد المحكمة على جدية التحريات وفق ما استقر في تقديرها موضوعيًا يعد ممارسة سليمة، فهي كالميزان الذي يوزن به عناصر الأدلة دون الإغفال عن ثقل كل دليل مقبول، فلا يكون للطاعن الطعن في جديتها تأثير على الحكم إذا استقرت عقيدة المحكمة على ما استندت إليه.
المبدأ الرابع عشر:
لمحكمة الموضوع السلطة التامة في وزن عناصر الدعوى واستخلاص العقيدة القضائية، فهي كالمكافح على قمة جبل يرى الصورة الشاملة للواقع، فلا يجوز الطعن على تقدير المحكمة لما اقتنعت به من الأدلة ضمن حدود القانون، ويظل حق النقض محصورًا في الطعون القانونية الجوهرية، لا في الاعتراض على سلطة التقدير.
المبدأ الخامس عشر:
الارتباط بين الجنحة والجناية في المحاكم المخصصة تنظيمية، لا يعد من الأصول الجوهرية التي يترتب عليها بطلان، إذ للمحكمة التقدير في الفصل أو الفصل الجزئي للجنحة، وهو تنظيم داخلي يحقق الكفاية القضائية دون الإخلال بحق الدفاع أو العدالة، فالتقنين القانوني لا يلزم المحكمة بوجوب الفصل إلا حيث يقتضي القانون ذلك صراحة.
المبدأ السادس عشر: في كفاية تسبيب الحكم وحدود البيان الواجب
لما كان القانون قد أوجب أن يبين الحكم واقعة الدعوى بيانا تتحقق به أركان الجريمة وظروفها، فإن هذا البيان لا يراد به زخرف القول ولا حشد السطور، وإنما يراد به إجلاء الحقيقة حتى تستوي وربت في وجدان القاضي، فيغدو الحكم كالبنيان المرصوص لا ران عليه غموض ولا شابه إبهام.
أتراه يطلب من القاضي أن يسرد كل شاردة وواردة حتى تغدو الأوراق شذر مذر؟ كلا، بل يكفيه أن يعرض من الأدلة ما يطمئن إليه ويقيم عليه عقيدته، في حين أن الإفراط في التفصيل قد يطمس المعنى بدل أن يجليه، فإذا كان مجموع ما أورده الحكم كافيا لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها، فقد أدى الأمانة وأحسن البيان.
المبدأ السابع عشر: في إحالة شهادة إلى أخرى وتجزئة أقوال الشهود
لما كان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تحيل في بيان شهادة شاهد إلى ما أوردته من أقوال شاهد آخر متى اتفقت في جوهرها، فإن هذه الإحالة ليست عجزا في البيان، بل اقتصاد في العبارة، حتى لا تتكرر الألفاظ وتدور المعاني في حلقة مفرغة، ولها أن تجزئ القول فتأخذ منه ما دنا إلى الصدق ورنا إلى الاتساق، وتطرح ما عداه، إذ العبرة بما تطمئن إليه لا بما يرام إلزامها به، والتناقض في بعض التفاصيل لا ينال من جوهر الشهادة ما دام عمودها قائما وأصلها ثابتا، فالاختلاف في الفروع لا يقدح في اتفاق الأصول.
المبدأ الثامن عشر: في حدود إيراد مؤدى الأدلة والتحريات
لما كان الحكم قد أورد من مؤدى أقوال الضابط مجري التحريات ما يكفي لتبرير اقتناعه، فإن القانون لا يلزمه أن ينقل الدليل بحروفه، بل أن يستخلص خلاصته ويبين أثره في تكوين عقيدته، والتحريات – وإن لم تكن وحدها عمادا للحكم – يجوز التعويل عليها قرينة معززة، ما دامت قد عرضت على بساط البحث، ولم تبن المحكمة قضاءها عليها ابتداء وانتهاء، فالدليل إذا انضم إلى غيره حتى استوت به الحجة وربت، كان كالسلسلة يشد بعضها بعضا، لا كحبل واه ينقطع بأدنى شد.
المبدأ التاسع عشر: في حجية المقاطع المرئية كقرينة معززة
لما كان الحكم لم يتخذ من المقاطع المرئية دليلا أصليا، وإنما عول عليها تعزيزا لما ثبت لديه من أدلة أخرى، فإن النعي عليها لا يجدي، فالقرينة إذا جاءت مؤازرة لا مؤسسة، كانت كالشاهد الصامت يؤيد ولا ينفرد، ويعضد ولا يستقل، أما إذا لم تكن هي الدعامة الأولى، فلا ينهار البنيان بزعم وهنها، لأن الأساس قد ثبت بأدلة أخرى راسخة.
المبدأ العشرين: في أركان جريمة خطف الصغير من حاضنه
لما كان نص المادة 292/2 من قانون العقوبات قد جرم فعل الوالد أو الجد إذا انتزع الصغير ممن تقرر له الحق في حضانته بقرار قضائي، ونقله إلى محل آخر بقصد إبعاده وإخفائه، فإن مناط التجريم هو انتزاع البيئة ونقل الحيازة لا مجرد الامتناع عن التسليم، وفي حين أن جنحة الامتناع تقوم على ترك، فإن جريمة الخطف تقوم على فعل إيجابي يقتلع الصغير من محيطه اقتلاعا، حتى كأنما اقتلع الغصن من جذعه. فإذا توافرت عناصر الانتزاع والنقل والقصد، استقام التجريم واستوى على سوقه.
المبدأ الواحد وعشرين: في عدم اشتراط تنفيذ حكم الحضانة قهراً
لما كان الشارع لم يشترط أن يكون قرار الحضانة قد نفذ جبراً حتى تقوم جريمة الخطف، فإن العبرة بحقيقة الواقع لا بورق التنفيذ، أتراه يعقل أن يباح انتزاع الصغير ما دام الحكم لم يسلم قهرا؟ كلا، إذ الحق إذا ثبت قضاء، ران على مخالفته وصف الاعتداء، سواء رام صاحبه التنفيذ أم لم يرم. فالحيازة الفعلية القائمة على سند قضائي تكفي لقيام الحماية الجنائية.
المبدأ الثانى والعشرين: في الدفوع الموضوعية وسلطان محكمة الموضوع
لما كان تقدير أقوال الشهود ووزن الأدلة واستخلاص الصورة الصحيحة للواقعة من إطلاقات محكمة الموضوع، فإن الجدل حولها أمام محكمة النقض لا يعدو أن يكون إعادة طرح لما فصل فيه قاضي الموضوع، والدفاع الموضوعي – من تشكيك في الشهود أو ادعاء تلفيق أو منازعة في باعث – لا يستوجب ردا صريحا متى كان الرد مستفادا ضمنا من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم. فليس على المحكمة أن تتعقب كل خاطر أو تجيب عن كل شبهة، ما دام قضاؤها قد قام على يقين لا على ظن، وعلى اطمئنان لا على تردد.
المبدأ الثالث والعشرين: في الاختصاص والقاعدة التنظيمية للمادة 383 إجراءات
لما كان ارتباط الجنحة بالجناية مسألة تخضع لتقدير محكمة الجنايات، وكان نص المادة 383 من قانون الإجراءات الجنائية قاعدة تنظيمية لا يترتب على مخالفتها بطلان، فإن الدفع بعدم الاختصاص النوعي لا يقوم على أساس متى رأت المحكمة بقاء الارتباط، فالاختصاص هنا ليس سيفا مسلطا يبطل كل إجراء، بل نظاما يروم حسن سير العدالة. فإذا دنا الارتباط من التلازم، جاز الجمع، وإن تباعد جاز الفصل، دون أن يكون في ذلك إخلال بجوهر المحاكمة أو مساس بضماناتها.
ملحوظة:
هذه المبادئ الثمانية تتساند تساند الحلقات في عقد واحد؛ أولها يرسخ دعائم التسبيب، وثانيها يضبط منهج التعامل مع الشهادة، وثالثها يحدد قدر الأدلة والتحريات، ورابعها يرسم موضع القرينة من البناء، وخامسها يبين أركان التجريم، وسادسها يقطع دابر التأويل في شرط التنفيذ، وسابعها يؤكد سلطان محكمة الموضوع، وثامنها يضع الاختصاص في إطاره التنظيمي الرشيد، حتى إذا اجتمعت، استوت نظرية متكاملة في حماية حق الحضانة وصون الشرعية الإجرائية، فلا إفراط يفضي إلى إطلاق الاتهام بغير سند، ولا تفريط يبدد الحماية المقررة للصغير وحاضنه، بل عدالة تمشي بين نص وروح، وبين حكم وميزان.
قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 حدد الخطر الذي يصيب الطفل
وفى سياق أخر، يقول الخبير القانوني والمحامى بالنقض المتخصص في الشأن الأسرى محمد ميزار: "الحضانة قانوناً وهي القيام علي شئون الصغير وتربيته والمصلحة الفضلي له، والأب قانوناً هو الولي الطبيعي للصغير مما يجعل واقعة اصطحاب أي أب لطفله مانعاً لإكتمال أركان -جريمة الخطف- وأن كانت تعرضه للمسألة القانونية، أما إذا تم اصطحاب الطفل من قبل الأب بالقوة واستخدم الأب بذلك مواد تعرض حياة الصغير للخطر أو أشترك مع آخرين بدخول منزل الحاضنة بالقوة فإن ذلك بمثابة انتهاك حرمة ملك الغير والقانون لاحق مرتبكي تلك الوقائع بالحبس والغرامة.
وبحسب "ميزار" في تصريح لـ"برلماني": قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 حدد الخطر الذي يصيب الطفل حال إذا تعرض أمن الطفل أو أخلاقه أو صحته أو حياته للخطر، أو إذا كانت ظروف تربيته فى الأسرة أو المدرسة أو مؤسسات الرعاية أو غيرها من شأنها أن تعرضه للخطر أو كان معرضا للإهمال أو للإساءة أو العنف أو الاستغلال أو التشرد، إذا حرم الطفل، بغير مسوغ، من حقه ولو بصفة جزئية فى حضانة أو رؤية أحد والديه أو من له الحق فى ذلك، وإذا تخلى عنه الملتزم بالإنفاق عليه أو تعرض لفقد والديه أو أحدهما أو تخليهما، ووفقا للقانون، يعاقب كل من عرض طفلا لإحدى حالات الخطر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ألفى جنيه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
الخبير القانوني والمحامى بالنقض المتخصص في الشأن الأسرى محمد ميزار
توصيف الجريمة من الناحية القانونية
وأكد المختص بالقانون:"ورأينا مؤخراً أكثر من واقعة لإختطاف "أب" لطفلته أو لطفله، وتختلف من الناحية القانونية بالنسبة للوالد الطبيعي للطفلة ومرتكبي الواقعة، حيث يواجه الأب تهم تتعلق بالتحريض على دخول منزل أو ملحقاته واستخدام القوة واستخدام طرق غير مشروعة تؤثر على الوعى والإدراك، كما يواجه العقوبة المنصوص عليها بالقانون رقم 12 لسنة 96 المادة 96 من قانون الطفل والمتعلقة بحرمانه بغير مصوغ من حقه ولو بصفة جزئية في حضانة ورؤية أحد والديه والتي تصل عقوبتها كل من عرض طفلا لأحد حالات الخطر بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تقل عن ألفى جنيه ولا تتجاوز 5 آلاف أو بأحد هاتين العقوبتين.
وتابع "ميزار": أما عقوبة مرتكبي الواقعة فهم يواجهوا تهم تتعلق باقتحام مكان مأهول بالسكان واستخدام القوة واستخدام مواد محظورة تؤثر على الوعى والإدراك والسلامة الجسدية للطفلة، واتهامات تتعلق بخطف الطفلة، وتصل عقوبتهم للسجن المشدد وفقاً لنص المادة 288 والتي تنص علي: "كل من خطف بالتحايل أو الإكراه طفلا لم يبلغ سنة 16 عاما كاملة، بنفسه أو بواسطة غيره يعاقب بالسجن المشدد.
الخبير القانوني والمحامية رحاب سالم
الجريمة في السابق كانت تتطلب صدور حكم بالحضانة
وفى سياق أخر – تقول الخبير القانوني والمحامية رحاب سالم: يعد إختطاف "الأب" لـ"إبنه" جريمة فى حالة صدور حكم للحاضنة بضم الصغير، وأن يكون ذلك الحكم نهائيًا وغير قابل للطعن، وتستوى العقوبة سواء فعل ذلك بنفسه أو عن طريق الغير، وتستوى العقوبة . ولا تطبق مادة العقوبات فى حالة عدم حصول الأم على حضانة للطفل وفقاً لحكم محكمة، ومن ثم لا يعتبر الاختطاف جريمة، ويجب استصدار أمر منع من السفر وللصغير فى حالة المحاولة بالسفر بالمحضون خارج البلاد.
وتضيف "سالم" في تصريح خاص: أن المنصوص عليه بمقتضى المادة 292 على أن يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة أو بغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه أي الوالدين أو الجدين لم يسلم ولده الصغير أو ولد ولده إلى من له الحق في طلبه بناءً على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظه، والوالدين أو الجدين خطــفه بنفسه أو بواسطة غيره ممن لهم بمقتضى قرار من جهة القضاء حق حضانته أو حفظه ولو كان ذلك بغير تحايل أو إكراه.
وتؤكد الخبير القانوني: وفى مقابل حق الحضانة أعطى القانون الحق فى حق الرؤية، والتى يجب ألا تقل مدتها عن 3 ساعات أسبوعيًا فيما بين الساعة 9 صباحا والـ7 مساء مع مراعاة أن تكون خلال العطلات الرسمية وبما لا يتعارض مع انتظام الصغير فى دور التعليم، ولا يجوز ذلك - حتى لا يكون فى استخدام القوة ما يؤثر فى نفسية الصغير - وفى هذه الحالة يكون للصادر لصالحه الحكم أن يقيم دعوى بطلب نقل الحضانة من صاحب الحق الممتنع إلى من يليه فى الترتيب من أصحاب الحق فى الحضانة.
خطف الأطفال من احد الأبوين بعد الطلاق جريمة ولا حضانة
أولًا: الوضع القانوني للحضانة بعد الطلاق
-الحضانة للأم أولًا "طبقًا لقانون الأحوال الشخصية المصري"، ثم تتدرج لغيرها من النساء الأقرب فالأقرب، ثم الأب في ترتيب متأخر.
-الأب يكون له حق الرؤية وليس الحضانة "إلا إذا سقط حق الأم ومن يليها".
ثانيًا: هل خطف الأطفال جريمة ولا مجرد نزاع حضانة؟
لو أحد الأبوين أخذ الطفل من غير الحاضن الشرعي:
-القانون يعتبر هذه جريمة خطف صريح "م 292 من قانون العقوبات".
العقوبة: الحبس قد يصل لسنتين، ولو في تحايل أو استعمل عنف أو تهديد العقوبة تزيد.
لو الأب هو اللي خطف الأولاد من الأم الحاضنة:
حتى لو الأب هو الولي الطبيعي، مجرد أخذه للطفل من غير رضا الحاضنة الشرعية يعتبر جريمة خطف مش مجرد نزاع أسري.
الاستثناء الوحيد:
لو عنده حكم قضائي بضم الصغير أو نقل الحضانة إليه، ساعتها الفعل مش خطف لكنه تنفيذ حكم.
ثالثًا: التفريق المهم
الحضانة: حق مدني ينظم رعاية الطفل وإقامته.
الخطف من أحد الأبوين بعد الطلاق: جريمة جنائية مستقلة يعاقب عليها القانون.
الخلاصة:
-خطف الأطفال من الحاضن الشرعي بعد الطلاق جريمة خطف يعاقب عليها قانون العقوبات، وليست مجرد مسألة حضانة.
-القانون يفرق بين ممارسة حقك بحكم قضائي، وبين الاستيلاء على الطفل بدون سند.
الجدير بالذكر أنه تتمثل مطالب الأمهات عمل ضبط وإحضار للأب المحتجز لإبنه وإلزامه بتسليم الصغير، إدراج أسم الأب الخاطف علي سيستم وزارة الداخلية بمجرد صدور قرار المحامي العام بتسليم الصغير لسرعة تسليم الأب إلي أقرب مركز شرطة، وتجريم كل من أثبت اشتراكه في الخطف أو التستر علي الأب الخاطف، وفى حالة اختفاء الأب وعدم الاستدلال علي عنوانه وتغيير محل إقامته يتم عمل تتبع للأب بأذن النيابة بمجرد تسليم قرار التنفيذ للصغير للنيابة العامة.








