الأربعاء، 04 فبراير 2026 12:46 ص

جرينلاند.. حين يذوب الجليد وتتكشف تصدعات التحالف الغربي.. صراع السيادة يهدد مستقبل الشراكة الأمريكية الأوروبية.. أطماع ترامب بين ثروات القطب الشمالي وأزمة الثقة داخل الناتو.. هل تكتب الجزيرة شهادة وفاته؟

جرينلاند.. حين يذوب الجليد وتتكشف تصدعات التحالف الغربي.. صراع السيادة يهدد مستقبل الشراكة الأمريكية الأوروبية.. أطماع ترامب بين ثروات القطب الشمالي وأزمة الثقة داخل الناتو.. هل تكتب الجزيرة شهادة وفاته؟
الثلاثاء، 03 فبراير 2026 11:04 م
تحقيق / أحمد عرفة
 



<< مساعي واشنطن للاستيلاء على جرينلاند بدأت في 1946 و2019 بداية ظهور مخطط ترامب للجزيرة
<< الجزيرة تمتلك ثروات طبيعية تقدر بـ أربعة تريليونات دولار
<< جرينلاند توفر نقطة مراقبة هامة لمتابعة تحركات روسيا
<< أوروبا تلوح بانهيار النظام الدولى قريبا بسبب مخططات واشنطن
<< ترامب يلوح بورقة الرسوم الجمركية وأوروبا تتوعد بالرد
<< الصين تعتبر خطوة أمريكا تحدي لنفوذها وموسكو تراقب
<< الناتو يواجه أخطر أزماته وواشنطن تبتز أعضاء الحلف
<< مسئول سابق بالناتو: الحلف لن ينهار ولكن سيصاب بشلل سياسي
<< عضو بالجمهوري الأمريكي: واشنطن أكبر الخاسرين حال انهيار شمال الأطلسي

 
في أقصى شمال العالم، حيث يذوب الجليد ببطء كاشفا عن أسرار دفنتها الطبيعة لقرون، لم تعد جزيرة جرينلاند مجرد مساحة بيضاء على خرائط الجغرافيا، بل تحولت إلى مرآة تعكس تصدعا متزايدا في قلب النظام الغربي ذاته، هناك، عند تخوم القطب الشمالي، تتقاطع الطموحات العسكرية مع شراهة الاقتصاد، وتتشابك حسابات الأمن القومي مع صراعات السيادة، لتصبح الجزيرة الصغيرة شرارة أزمة كبرى تهدد بإعادة رسم ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وربما مستقبل حلف شمال الأطلسي بأكمله.
 
الأزمة حول جرينلاند لا تقرأ بمعزل عن لحظة عالمية مضطربة، يتراجع فيها اليقين القديم وتنهار المسلّمات التي حكمت التحالفات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالولايات المتحدة، التي تقود حلف الناتو لعقود بوصفه مظلة حماية جماعية، باتت تنظر إلى التحالف من زاوية الكلفة والعائد، وتتعامل مع الجغرافيا بوصفها أداة ضغط لا مجرد إطار تعاون، في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار سيادي غير مسبوق، حيث تستحضر جرينلاند كخط أحمر يمس جوهر الدولة الوطنية، لا كملف تقني يمكن احتواؤه خلف الأبواب الدبلوماسية المغلقة.
 
وبين واشنطن وكوبنهاجن، وبروكسل وقيادة الناتو، يتسلل سؤال خطير "هل ما زال الحلف الأطلسي تحالف قيم ومصالح مشتركة أم أنه تحول إلى شبكة هشة من التفاهمات المؤقتة؟"، فمع تصاعد الحديث عن المعادن النادرة، والممرات البحرية الجديدة، والقواعد العسكرية المتقدمة، يتراجع خطاب الشراكة لصالح لغة النفوذ، ويتقدم منطق القوة على حساب روح التحالف، في مشهد يذكر بعالم ما قبل الاصطفافات الكبرى.
 
الأخطر في أزمة جرينلاند أنها لا تكشف فقط خلافا جغرافيا أو تنافسا استراتيجيا، بل تفضح أزمة ثقة عميقة داخل المعسكر الغربي نفسه، فالتشكيك في التزامات الحماية المتبادلة، والضغوط المتزايدة على أوروبا لتحمّل أعباء دفاعية أكبر، يقابلها بحث أوروبي محموم عن استقلال استراتيجي طال تأجيله، وهنا، تصبح جرينلاند رمزا لانكسار التوازن القديم، لا سببه الوحيد.
 
وفي عالم تتقدم فيه روسيا بثبات في القطب الشمالي، وتنسج الصين بهدوء خيوط نفوذها عبر الاقتصاد والبنية التحتية، يبدو أن الغرب يخوض صراعه الأصعب ليس مع خصومه التقليديين، بل مع نفسه، فإما أن تنجح الولايات المتحدة وأوروبا في إعادة تعريف شراكتهما على أسس جديدة أكثر توازنا، أو أن تتحول جزيرة جليدية نائية إلى شاهد على بداية أفول الناتو، وتحول التحالف الذي ولد من رحم الخوف المشترك إلى كيان يتآكله الشك من الداخل.
ترامب وجرينلاند
لم تكن أطماع دونالد ترامب تجاه جرينلاند وليدة لحظة سياسية عابرة أو زلة لسان أثارت السخرية الإعلامية، بل تعبيرا صريحا عن رؤية أمريكية قديمة أعاد ترامب إخراجها إلى العلن دون مواربة دبلوماسية، حيث بدأت الفكرة في الظهور بشكل علني عام 2019 – خلال فترة الرئيس الأمريكي الأولى - حين كشفت تقارير أمريكية عن اهتمامه آنذاك بشراء الجزيرة من الدنمارك، في خطوة بدت صادمة لحلفاء واشنطن، لكنها في جوهرها استندت إلى حسابات استراتيجية بحتة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.
 
ترامب، الذي تعامل مع السياسة الخارجية بعقلية الصفقات الكبرى، نظر إلى جرينلاند بوصفها أصلا استراتيجيا قابلا للامتلاك، لا مجرد إقليم يتمتع بحكم ذاتي ضمن السيادة الدنماركية، غير أن جذور هذه الفكرة تعود إلى ما هو أبعد من عهد الرئيس الأمريكي، إذ سبق للولايات المتحدة أن طرحت سيناريوهات مماثلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدا عام 1946، عندما عرضت واشنطن رسميا شراء الجزيرة من الدنمارك، إدراكا منها لأهمية موقعها في مراقبة الاتحاد السوفيتي آنذاك، إلا أن ما ميز طرح الإدارة الأمريكية الراهنة هو جرأتها في كسر الأعراف السياسية التقليدية داخل المعسكر الغربي، وتحويل ما كان يدار في الكواليس الاستراتيجية إلى نقاش علني فج، أربك أوروبا وأعاد فتح ملف السيادة والتحالفات داخل الناتو.
 
ومع أن الدنمارك رفضت العرض بشكل قاطع، ووصفت الفكرة بأنها عبثية، فإن تمسك ترامب بها، ثم إلغاؤه زيارة رسمية إلى كوبنهاجن على خلفية هذا الرفض، كشف أن المسألة لم تكن مجرد مناورة إعلامية، بل جزءا من تصور أوسع يرى في جرينلاند بوابة أمريكية متقدمة للسيطرة على القطب الشمالي، ودرعا جغرافيا في مواجهة النفوذ الروسي والصيني المتصاعد، لتتحول الجزيرة في عهد إدارة الرئيس الجمهوري من جزيرة بعيدة عن الأضواء إلى عنوان صارخ لاختلال التوازن داخل التحالف الغربي، وبداية مسار تصادمي لا تزال تداعياته تتفاعل حتى اليوم.
 
خيارات عسكرية أم مفاوضات
لا تزال الخيارات الخاصة بطرق السيطرة على جرينلاند غامضة، خاصة بعد الاجتماع الذي عقده ترامب مع رئيس الناتو مارك روته، إلا أن البيت الأبيض ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية ضم الجزيرة بالقوة وهي مقامرة قد تؤدي إلى انهيار حلف الناتو وإشعال عاصفة جيوسياسية، بحسب مجلة نيوزويك الأمريكية.
 
وذكرت المجلة، أن ترامب وكبار مسؤوليه صوروا سعيهم وراء جرينلاند على أنه يتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وتوسيع نطاق وجود حلف الناتو في منطقة القطب الشمالي التي تزداد فيها المنافسة، والاستيلاء على المعادن الحيوية، موضحة أن هذا تبرير ضعيف إلى حد ما، خاصة أن الولايات المتحدة أبرمت لعقود طويلة اتفاقية دفاعية مع كوبنهاجن للحفاظ على وجود عسكري في الجزيرة.
 
هناك الكثير من المخاوف التي تعاني منها أوروبا خلال العام الماضي مبنية على الخوف من انسحاب الولايات المتحدة من القارة وعدم إرسال المزيد من القوات الأمريكية إلى منطقة يسعى حلف الناتو بشدة لحمايتها من النفوذ الروسي والصيني المتزايد، بالإضافة إلى مبدأ دونرو الذي يشير إلى سعي الإدارة الأمريكية لإعادة تأكيد هيمنة الولايات المتحدة في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي.
 
لم يوضح البيت الأبيض المسار الذي قد يختاره حتى الآن، بينما تدور أحاديث كثيرة حول شراء الجزيرة القطبية الاستراتيجية عبر صفقة ما، إلا أن إعلام أمريكي وأوروبي يربط ذلك بالتدخل العسكري، لكن ليس من الواضح نوع التدخل العسكري الذي قد تختاره الإدارة الأمريكية، وهذا لا يعني بالضرورة ضم الجزيرة.
 
 
سيناريوهات الضم
بحسب المجلة الأمريكية، فإن الضم هو فعل تقوم به دولة ما تطالب فيه بأراض تابعة لدولة أخرى، ويمكن أن يكون هذا تحركا رسميا باستخدام التشريعات، أو من خلال مجموعة من السياسات الفعلية على أرض الواقع، وفرض أمر واقع دون المطالبة رسميا بملكية الإقليم، إلا أن هذه الخطوات حال اتخذتها واشنطن تجاه جرينلاند ستتعارض مع القانون الدولي، فهناك الحكم الوارد في المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة من أوضح الأحكام وأكثرها استشهادا بشأن الضم، وتنص هذه المادة، التي تعتبر حجر الزاوية في القانون الدولي، على أنه يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة، وهذه المادة تعني أنه لا ينبغي أن تحدث تغييرات في الدولة التي تسيطر على الأراضي باستخدام الجيش، أو التلميح إلى إمكانية استخدامه.
 
كذلك لا يستطيع ترامب ضم جرينلاند دون موافقة الكونجرس ، إذ أن الأمر التنفيذي، لا يتمتع بأي سلطة قانونية، إلا أن المجلس التشريعي الأمريكي يستطيع التصويت على ضم الجزيرة، متجاوزًا بذلك القانون الدولي، رغم أن ذلك سيكون مرفوضا لدى معظم الأمريكيين، ويعود ذلك إلى أن الدستور الأمريكي لا يحدد أي حدود لضم الأراضي، وإذا صوت الكونجرس لصالح الضم، فبإمكان الدنمارك اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، ولكن حتى لو أعلنت المحكمة أن الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي، فلن يكون بوسع الدول الأخرى فعل الكثير حيال ذلك، لأنه لا توجد آلية لإنفاذ حكم المحكمة.
 
 
دوافع ترامب لضم جرينلاند
وتعد جرينلاند من أكثر المواقع الاستراتيجية حساسية على الخريطة العالمية، الأمر الذي جعلها محور اهتمام ترامب، حيث تراوحت دوافع الرئيس الأمريكي بين الأبعاد الجيوسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، لتشكل معا رؤية شاملة تبرر من وجهة نظره السعي للسيطرة على الجزيرة، من الناحية الاستراتيجية، تحتل الجزيرة موقعا فريدا يتيح السيطرة على الممرات البحرية في القطب الشمالي، خاصة مع ذوبان الجليد وفتح طرق شحن جديدة تختصر المسافات بين المحيطين الأطلسي والهادئ، كما توفر نقطة مراقبة هامة لمتابعة تحركات روسيا في الشمال، بما يجعلها درعا طبيعيا للأمن القومي الأمريكي.
 
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الجزيرة تحتضن ثروات طبيعية هائلة لم تكن على رادار الأسواق العالمية حتى الذوبان الجزئي للجليد كشف عنها. فهي غنية بالمعادن النادرة مثل النيوديميوم والتنتالوم والليثيوم، الضرورية لتصنيع الإلكترونيات الحديثة، والبطاريات، والمعدات العسكرية المتقدمة، كما تحتوي على كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، فضلا عن إمكانات هائلة في الطاقة النظيفة، خاصة الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية، وهو ما يجعل جرينلاند قادرة على دعم الصناعات عالية التقنية الأمريكية، وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية في مواجهة الصين وروسيا، وكذلك التركيبة السكانية النادرة والجغرافيا القاسية تجعل السيطرة أمرا عمليا أكثر من كونها مجرد تنافس نظري، حيث يمكن لواشنطن إقامة قواعد عسكرية، أو محطات مراقبة، مع تأثير محدود على السكان المحليين، ما يعزز جاذبية الجزيرة في الحسابات الدفاعية الأمريكية.
 
 
ثروات طبيعية
وعلى الرغم من موقع جرينلاند القاسي وشكلها الجليدي، تعتبر خزانا هائلا للثروات الطبيعية، حيث تحتوي على مخزونات كبيرة من النيوديميوم، الديسبروسيوم، التنتالوم، والليثيوم، وهي عناصر أساسية لصناعة الإلكترونيات، البطاريات، والطاقة المتجددة، والأسلحة عالية التقنية، مما يجعل الجزيرة نقطة استراتيجية للاقتصادات المتقدمة، خاصة مع الطلب العالمي المتزايد عليها، بالإضافة إلى امتلاكها  كميات من الذهب والنحاس والفضة والبلاتين، ما يعزز الاهتمام الاستثماري بها، وكذلك توافر احتياطيات من النفط الخام والغاز الطبيعي تحت الجليد وفي المناطق البحرية المحيطة.
 
ويمثل جليد جرينلاند مخزونا هائلا من المياه العذبة الصالحة للشرب، ما قد يصبح موردا استراتيجيا مع أزمة المياه المتزايدة عالميا، وكذلك تتمتع الجزيرة بإمكانات هائلة في الطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية، بالإضافة إلى الرياح، ما يجعلها مرشحة لإنتاج طاقة نظيفة بأسلوب مستدام، كما أن المياه المحيطة غنية بالأسماك وأنواع بحرية نفيسة، كما اكتسبت أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة، نظرا لموقعها الحيوي بين الولايات المتحدة وأوروبا، ووقوع ثلث أراضيها ضمن الدائرة القطبية الشمالية، حيث تطل مباشرة على طرق التجارة الرئيسية في شمال الأطلسي، وثرواتها الطبيعية تقدر بـ أربعة تريليونات دولار.
 
غضب أوروبي
من ناحية أخرى قوبلت محاولات دونالد ترامب لضم الجزيرة بموجة غضب أوروبي غير مسبوقة، لم تكن نابعة فقط من غرابة الطرح أو فجاجته السياسية، بل من كونه مس أحد أعمق الثوابت التي يقوم عليها النظام الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية وهي احترام السيادة وعدم تحويل الجغرافيا إلى سلعة تفاوض، ففي العواصم الأوروبية، بدا حديث الرئيس الأمريكي وكأنه ارتداد فج إلى منطق الإمبراطوريات القديمة، حين كانت الخرائط تعاد رسمها بقرارات فردية، لا عبر الشراكات والتحالفات، وشعرت القارة لأول مرة منذ عقود، بأن أحد أعمدة حلفائها يتعامل معها بعقلية الوصي لا الشريك، وبمنطق القوة لا الثقة.
 
الغضب الأوروبي تجسد بشكل خاص في الدنمارك، التي رأت في تصريحات ترامب إهانة سياسية مباشرة، ليس فقط لكوبنهاجن، بل للمنظومة الأوروبية برمتها، فـ جرينلاند، رغم بعدها الجغرافي، تمثل جزءا من السيادة الدنماركية، وكيانا يتمتع بحكم ذاتي له خصوصيته الثقافية والسياسية، وهو ما جعل أي حديث عن الضم ينظر إليه باعتباره تجاهلا لإرادة الشعوب قبل الدول.
 
لم يكن رفض الدنمارك للطرح الأمريكي مجرد موقف بروتوكولي، بل إعلانا أوروبيا صارما بأن زمن بيع الأراضي قد انتهى، وأن التحالف الأطلسي لا يمنح واشنطن حق إعادة تعريف الحدود وفق مصالحها، بينما على مستوى الاتحاد الأوروبي، ففتحت الأزمة جرحا أعمق، إذ أعادت إلى السطح مشاعر قديمة من الارتياب تجاه السياسة الأمريكية، خاصة في ظل إدارة ترامب التي لم تخف ازدراءها للمؤسسات متعددة الأطراف.
 
بالنسبة لكثير من القادة الأوروبيين، لم تكن قضية جرينلاند سوى حلقة جديدة في سلسلة من التصرفات الأمريكية الأحادية، التي بدأت بالانسحاب من اتفاقيات دولية، وامتدت إلى الضغط العسكري والاقتصادي على الحلفاء، وهنا، تحول الغضب إلى قلق استراتيجي، فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتفكير في ضم أراض تابعة لحليف داخل الناتو، فما الذي تبقى من مفهوم الأمن الجماعي؟ وهذا الغضب لم يبق حبيس البيانات الدبلوماسية، بل ساهم في تغذية نقاش أوروبي واسع حول الاستقلال الاستراتيجي، والدفاع المشترك، وإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن.
 
 
 
جرينلاند لم تكن مجرد جزيرة في هذا السجال، بل رمزا لاختلال ميزان الاحترام داخل التحالف الغربي، ونقطة تحول نفسية جعلت أوروبا تدرك أن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية قد يتحول من ضمانة إلى عبء، وهكذا، لم يشعل ترامب أزمة دبلوماسية عابرة، بل أيقظ شعورا أوروبيا بأن زمن التسليم الأعمى لواشنطن قد ولى، وأن الدفاع عن السيادة بات معركة سياسية لا تقل أهمية عن أي صراع عسكري.
 
ونقلت صحيفة الجارديان البريطانية، إدانة فرنسا وألمانيا في يناير الماضي، السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب، قائلين إن واشنطن تتحرر من القواعد الدولية والعالم معرض لخطر التحول إلى وكر للصوص، وحينها حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير، من أن النظام الدولي القائم على القواعد في فترة ما بعد الحرب قد ينهار قريبا.
 
وتطرق ماكرون إلى تغير سياسة واشنطن تجاه حلفائها، عندما أكد أن الولايات المتحدة قوة راسخة، لكنها تتجه تدريجيا بعيدا عن بعض حلفائها وتنفصل عن القواعد الدولية التي كانت تروج لها حتى وقت قريب، قائلا :"نحن نعيش في عالم تهيمن عليه القوى العظمى، مع وجود إغراء حقيقي لتقسيم العالم، وبلادنا ترفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، والتبعية والانهزامية".
 
أصبح الاتحاد الأوروبي ممزق بين الحاجة إلى الدفاع عن القانون الدولي والحفاظ على الولايات المتحدة كشريك اقتصادي حيوي وحليف دفاعي في أوكرانيا وخارجها، لكنه في ذات الوقت يسعى إلى اتفاق للرد المنسق على تصرفات واشنطن، وخلال شهر يناير أيضا عقد سفراء الناتو في بروكسل نقاشا حول منطقة القطب الشمالي، واتفقوا على ضرورة تعزيز الحلف لأمن المنطقة.
 
ويؤكد مالك فرانسيس، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن محاولات ترامب للسيطرة على جرينلاند لم تعد مجرد استفزاز دبلوماسي، بل مؤشرا خطيرا على مشروع أوسع لتفكيك النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، موضحا أن الرئيس الأمريكي لا يكتفي بإضعاف التحالفات، بل يسعى صراحة إلى استبدالها بنظام شخصي يتمحور حوله، تدار فيه السياسة العالمية بعقلية الإتاوات لا الشراكات.
 
ويضيف في تصريحات خاصة، أن ترامب يرى حلف شمال الأطلسي عبئا يقيد سلطته، ويرى الأمم المتحدة منصة لا تخضع له بالكامل، وهو ما يجعل هدف الرئيس الأمريكي الحقيقي ليس إصلاح هذه المؤسسات، بل تقويضها تمهيدا لإلغائها، مشيرا إلى أن جرينلاند تأتي كحلقة اختبار للسيطرة على الإقليم الدنماركي وتوجيه رسالة قاسية لأوروبا مفادها أن السيادة والحلفاء لا وزن لهم أمام شهوة القوة، ومحاولة إخضاع أوروبا، لا التفاوض معها وإذا سُمح بهذا النموذج، فلن تكون الدنمارك آخر الضحايا.
 
ويشير إلى أن ترامب لا يؤمن بالدفاع المشترك، ولا بالقانون الدولي، ولا بفكرة  العالم الحر، بل يؤمن بالهيمنة الفردية، لذلك يهدد بالانسحاب من الناتو، ويبتز الحلفاء، ويحول الأمن الجماعي إلى صفقة تجارية، لافتا إلى أن هذه السياسات لا تضعف أوروبا فقط، بل تفكك الثقة التي يقوم عليها أي تحالف عسكري أو سياسي.
 
ويوضح أن مشروع ترامب لا يخدم أمريكا، بل يخدم الرئيس نفسه، ومصالحه الشخصية، وأصدقاؤه، وشبكات النفوذ المحيطة به، وهي البوصلة الحقيقية لسياساته، حيث إن مشروعه يقوم على استبدال المؤسسات بالقائد، والقانون بالابتزاز، والتحالفات بالفواتير.
 
أوروبا لا تستطيع محاربة واشنطن
وفي تطور لافت يكشف حجم الانهزامية الأوروبية أمام الطموح الأمريكي، نقلت مجلة نيوزويك عن كار آس، سفير النرويج لدى الولايات المتحدة خلال إدارة ترامب السابقة، إن الدول الأوروبية لن تكون قادرة على صد الجيش الأمريكي إذا قرر البيت الأبيض شن هجوم مسلح على جرينلاند، قائلا :"إذا هاجمت الولايات المتحدة الجزيرة عسكريا، فلن يكون هناك أي أوروبي يقف في وجه ما يريدون تحقيقه".
 
ما يفسر هذا التصريح هو اعتماد أوروبا لعقود على الجيش الأمريكي الضخم لتوفير معظم القدرات الأكثر تكلفة، خاصة القدرات الاستخباراتية والفضائية، وتتمركز عشرات الآلاف من القوات المسلحة الأمريكية في أنحاء العالم، في أوروبا، كما أن أحدث الطائرات المقاتلة التي يشغلها الناتو أمريكية الصنع، وتتولى صيانتها شركات أمريكية، وبحث إحصائيات حديثة من قيادة القوات الأمريكية في أوروبا، يبلغ عدد العسكريين الأمريكيين ما يقارب 84,000 جندي في أوروبا في أوائل 2025، وهو رقم يرتفع أو ينخفض حسب التحركات الدورية، وبينهم 65,000 – 66,000 متمركزون بشكل دائم في قواعد أمريكية عبر القارة، وهناك كذلك بحسب تقارير صحفية أجنبية قوات دوارة تم تعزيزها بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، ما رفع العدد الإجمالي ما بين 75,000 و 105,000 جندي، فيما يعتمد حلف الناتو بشكل كبير على الترسانة النووية الأمريكية الواسعة النطاق لردعه ضد الهجمات الخارجية.
 
 
تحرك أوروبي.. هل يحدث الصدام؟
على الجانب الأخر، نقلت صحيفة التليجراف، نقلا عن مسئولين بريطانيين في 11 يناير، أن تجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين بشأن نشر قوة عسكرية في جرينلاند، حيث تبحث مع ألمانيا وفرنسا لبدء الاستعداد لنشر قوة في الجزيرة، بعدها بأيام أعلنت النرويج إرسال قوة عسكرية مؤلفة من جنديين اثنين فقط، لمواجهة واشنطن، لتؤكد وزارة الدفاع الألمانية في 14 يناير، إرسالها قوة عسكرية مكونة من 13 فردا عسكريا عبر طائرة نقل من طراز إيرباص بدعوة من الدنمارك كجزء من مهمة استطلاع عسكري، والهدف دراسة الظروف العامة لمشاركة عسكرية محتملة كجزء من مساعدة كبونهاجن في ضمان الأمن في المنطقة.
 
جاءت تلك التحركات بالتزامن مع تصريحات ترامب خلال تلك الفترة عندما أكد في 9 يناير  أنه سيفعل شيئا ما بشأن جرينلاند، سواء أعجب الأوروبيين ذلك أم لا، موضحا أنه يود إبرام الصفقة بالطريقة السهلة، وإذا لم تنفع الطريقة السهلة، فسيتم ذلك بطريقة صعبة، وبعدها بثلاثة أيام تطرق إلى حلف الناتو وأهمية واشنطن فيه، بقوله إن الحلف كان سيختفي لو لم يصبح – أي ترامب - رئيسا للولايات المتحدة واعتبار نفسه منقذا للحلف، ليتبعها بيومين فقط قوله إن بلاده تحتاج للجزيرة لأغراض الأمن القومي، وهي ضرورية لبرنامج القبة الذهبية الدفاعي الصاروخي.
 
وحاول ترامب الربط بين خطته للسيطرة على الجزيرة وبين تخويف أوروبا من موسكو وبكين، عندما قال إن على حلف شمال الأطلسي الناتو أن يقود الجهود كي تحصل أمريكا على جرينلاند، وإذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث، وأن الناتو سيصبح أشد بأسا عندما تكون الجزيرة في يد واشنطن.
 
ورد ماكرون على تصريحات ترامب في 15 يناير، بتأكيده أن فرنسا قررت الانضمام إلى المناورات التي أعلنتها الدنمارك وأطلقتها بشكل سيادي ومستقل، وأن على باريس والأوروبيين مواجهة تهديد مصالحهم دون تصعيد ولكن بحزم لا يقبل المساومة بشأن السيادة الإقليمية، مشيرا إلى أن أوروبا تمتلك أدوات يجب استخدامها عندما لا يتم احترامها، ليتبعه في 18 يناير بيان مشترك لـ 8 دول أوروبية، يعلنون التضامن بشكل كامل مع كوبنهاجن وجرينلاند وتؤكد الاستعداد للحوار القائم على مبادئ السيادة
 
ويتوقع محمد حامد، الخبير في شئون العلاقات الدولية، استمرار الخلاف الأمريكي الأوروبي وسعى دول القارة العجوز لحماية الجزيرة بعيدا عن ترامب وتكوين جيش لحماية استقلال القارة وسيادتها بدون الاعتماد على الإدارة الأمريكية، بالإضافة اتجاهها إلى الاستغناء عن الغاز الروسي وبناء قدرات عسكرية وحدات مشتركة من قوات الجيوش الأوروبية لمواجهة المخاطر المحدقة بالقارة سواء من واشنطن أو في مواجهة التحديات وتهديدات موسكو خاصة بعد غزوها لأوكرانيا.
 
ويؤكد في تصريحات خاصة لـ، أن السنوات القادمة ستشهد وحدة الجيوش الأوروبية بشكل فعال وزيادة نسبة التسليح والإنفاق على تقوية قوتها العسكرية وشراء الأسلحة والذخيرة وهذا سيؤدي إلى تغير أولويات الاقتصاديات دول القارة العجوز وستعيد تلك الجيوش حساباتها بالكامل خاصة في كيفية التجنيد ونظم إنتاج الأسلحة والذخائر بكافة أنواعها.
 
وتؤكد الدكتورة ليلى همامى أستاذة العلوم السياسية بجامعة لندن، والخبيرة السياسية التونسية أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية تشكلت نظرا لتداعيات الحرب العالمية الثانية، والتى مكنت واشنطن استحداث مؤسسات منها "بروتن وودز" والأمم المتحدة، فى سياق تقاسم الأدوار مع البلدان الأوروبية، لكن يظل التفوق الاستراتيجى أمريكى عسكريا وماليا فى ظل اعتماد الدولار كعملة عالمية، مما يجعل العلاقة بين واشطن والقارة العجوز ليست مجرد علاقة تجارية أو علاقة استثمارية عرضية أو جزئية.
 
وتضيف أن المظلة العسكرية الأمريكية هى التى تشكل محور وعمود حلف الناتو، والذى يتمحور حول القوة العسكرية لواشنطن، موضحة أن هذا التفوق الاستراتيجى لايزال قائما على مستوى التكنولوجيات المتقدمة، والميزانيات المرصودة للبحث في التكنولوجيا المتقدمة.
 
وتشير إلى أن الولايات المتحدة اليوم فى وضع تفوّق، والتبعية التجارية لأوروبا تجاه السوق الأمريكية تبعية أكبر من تبعية الأخيرة للسوق الأوروبية، إلا أن هناك إعادة ترتيب لأولويات التحالف لدى الرئيس دونالد ترامب، مما يجعلنا أمام نموذج جديد فى العلاقات الدولية، لافتة إلى أن الرئيس الأمريكى لا يعتبر أن الاتحاد الاوروبى حليف من الدرجة الأولى، كما يعتبر أن المواجهة مع الصين والمنافسة من أجل قيادة العالم تفترض التخلص من أعباء كثيرة أبرزها التحالف مع شريك ضعيف مكلف ماليا، ومن شأنه أن يعطل واشنطن فى مسيرتها نحو تثبيت قيادتها للعالم وتثبيت وجودها كإمبراطورية.
 
وتوضح أن ترامب يعمل على نموذج جديد أساسه المردودية الاقتصادية والمالية وبالتالى يعتبر أن قضية "جرينلاند" هى اختبار واستفزاز أيضا للشريك الأوروبى، مؤكدة أن التطورات لن تذهب فى اتجاه حرب أو تدخل عسكرى، لكن هناك ضغط وابتزاز من قبل الإدارة الأمريكية الذى يعتمد على الضغط الذى يليه التفاوض.
وتؤكد أن ترامب سيثابر فى الضغط على الاتحاد الأوروبى من خلال الحواجز الجمركية ثم سيكون اكثر استعدادا للضغط من خلال مراجعة هذه التحالفات ومن خلال مراجعة الميزانيات ومساهمة الولايات المتحدة الأمريكية فى الناتو، مشيرة إلى أن الساحات السياسية الأوروبية الآن تعيد الاعتبار للملف العسكرى والاستراتيجى وهناك إعادة تفكير فى قوة مستقلة عن المظلة الامريكية.
 
 
الرسوم الجمركية ورقة ضغط
مع تصاعد التهديدات بين واشنطن ودول القارة العجوز بدأ ترامب يجنح نحو ممارسة ضغوط اقتصادية لعلها تدفع أوروبا إلى التراجع عن موقفها المتشدد ضد خططه، ليعلن في 17 يناير أنه سيرتفع الرسوم الجمركية على جرينلاند إلى 25% اعتبارا من الأول من يونيو، واستمرارها إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن شراء الولايات المتحدة للجزيرة، كما أكد أيضا أنه سيرفع الرسوم الجمركية على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا في ذات الشهر إذا لم يتم التوصل لحل.
 
الرد الأوروبي خرج في نفس اليوم، عندما رد أولف كريسترسون، رئيس وزراء السويد، بأنه لن يسمح بابتزاز بلاده والدنمارك وجرينلاند وحدهما تقرران في القضايا التي تخصهما، معلنا إجراء مناقشات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي من أجل رد موحد، كما رد ماكرون بقوله إن التهديدات الأمريكية غير مقبولة والقارة العجوز سترد عليها بشكل موحد إذا تأكدت، مضيفا أنه لا يمكن لأي ترهيب أو تهديد أن يؤثر على بلاده لا في أوكرانيا ولا في الجزيرة، كما ردت ألمانيا أيضا بأنها تتواصل مع الشركاء الأوروبيين وسيتم اتخاذ قرار مشترك في الوقت المناسب.
 
فيما تصدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، لتهديدات الرئيس الأمريكي بتأكيده أن الاتحاد الأوروبي أظهر قدرته على التصرف بسرعة ولن يرضخ مجددا للتهديد بالرسوم الجمركية، وأضاف في تصريحات نقلتها وسائل إعلام ألمانية في 29 يناير، أن من يريد التأثير على أوروبا سياسيا بالتهديدات الاقتصادية فليدرك أننا قادرون على الدفاع عن أنفسنا ونمد يد التعاون دائما للولايات المتحدة بصفتنا حلفاء لا تابعين.
 
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل لوحت دول أوروبية بإمكانية الاتجاه نحو الصين – العدو اللدود للولايات المتحدة – من أجل مواجهة هذه الضغوط الاقتصادية الأمريكية، عندما دعا ماكرون في 20 يناير بكين بالاستثمار في أوروبا، وهو ما يمثل ضربة كبرى لواشنطن والتي قد تخسر أقوى حليف لها لصالح التنين.
 
ارتفاع شعبية الصين مقابل أمريكا في الناتو
بينما وفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة جالوب في 16 يناير ونقلته مجلة نيوزويك، تراجعت صورة الولايات المتحدة بين دول الناتو خلال العام الماضي، بينما ازدادت  الموافقة على الصين في جميع أنحاء الحلف، بعدما أظهر استطلاع رأي  الدول الأعضاء في حلف الناتو ارتفاعا في متوسط تأييد القيادة الصينية وانخفاضا في تأييد واشنطن، وشمل استطلاع رأي أشخاصا في 31 دولة عضو في حلف الناتو.
 
وارتفع متوسط تأييد قيادة بكين ثماني نقاط إلى 22 %، وهو أكبر مكسب سنوي لها على الإطلاق، وهذا أعلى بنسبة نقطة مئوية واحدة من نسبة الـ 21% في الولايات المتحدة التي انخفضت معدلات تأييدها بنسبة 14% عن العام السابق.
 
انخفضت نسبة تأييد القيادة الأمريكية بما لا يقل عن 10 نقاط في 18 دولة عضو في حلف الناتو، ولكن في ثلاث دول فقط من هذه الدول - إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا - شهدت الصين زيادات مكونة من رقمين في نسبة التأييد، مع تغيير طفيف في معظم الدول الأعضاء الأخرى.
 
ويوضح إسلام شحته، الخبير في الشؤون الآسيوية، أن واشنطن، خاصة في ظل إدارة ترامب، ترى أن السيطرة على جرينلاند ليست مجرد رغبة في التوسع، بل ضرورة وقائية لقطع الطريق على طريق الحرير القطبي الصيني، وذلك بسبب محاولة بكين سابقا الاستثمار في مطارات ومناجم في الجزيرة، وهو ما جعل الولايات المتحدة تعتبر أن امتلاك الجزيرة أو فرض وصاية أمنية كاملة عليها ينهي أي فرصة للتنين الصيني للحصول على موطئ قدم استثماري يمكن تحويله مستقبلا إلى نفوذ عسكري أو لوجستي.
 
 
ويضيف في تصريحات خاصة، أن وقوع الجزيرة في موقع استراتيجي يراقب حركة العبور من القطب الشمالي إلى المحيط الأطلسي، والسيطرة عليها تعني أن الولايات المتحدة يمكنها مراقبة أو عرقلة حركة السفن الصينية والروسية في حال نشوب نزاع، مشيرا إلى أن بكين ترى القطب الشمالي جزءا أصيلا من مبادرة الحزام والطريق، وكل رحلة تجارية عبر الممر القطبي تعزز النفوذ السياسي والعملياتي الصيني.
 
ويوضح أن الصين تعتبر أي محاولات أمريكية لزيادة النفوذ في القطب الشمالي، مثل ضم جرينلاند أو تعزيز قواعدها العسكرية هناك، تهديدا مباشرا لاستراتيجيتها في المنطقة، كما يعكس هذا منافسة أوسع بين بكين وواشنطن على الموارد البحرية، والسيطرة على الممرات التجارية، والأمن البحري، حيث كل طرف يسعى لضمان تفوقه الاقتصادي والاستراتيجي، مشيرا إلى أن التنافس هنا ليس فقط اقتصاديا، بل له بعد سياسي وجيوستراتيجي طويل المدى.
 
ويؤكد أن بكين لن تعتبر ضم جرينلاند مجرد نزاع بل جزء من تحدي أكبر لنفوذها في القطب الشمالي، مما يجعلها تستمر في تعزيز شراكتها مع موسكو لتطويره وتحقيق أهدافها.
 
روسيا ومراقبة التطورات
على الجانب الأخر تشاهد روسيا التطورات الخاصة بتوتر العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة عن بعد، وهو سلطت عليه الضوء مجلة نيوزويك، بأن الكرملين يراقب عن كثب الوضع الاستثنائي المحيط بإقليم جرينلاند، وأعلنت موسكو في نفس الوقت أنها ستعزز قدراتها الدفاعية وبنيتها التحتية في القطب الشمالي، وفي 16 يناير، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، متحدثا عن أزمة جرينلاند :الوضع غير عادي إنه استثنائي من وجهة نظر القانون الدولي الذي لا يمثل أي أولوية بالنسبة لترامب، وسنراقب، مع العالم أجمع، أي مسار سيسلك، مشيرا إلى أن وضع الجزيرة متناقض للغاية.
 
وفي هذا السياق يؤكد الدكتور رامى القليوبى أستاذ زائر بكلية الاستشراق بالمدرسة العليا في موسكو، أن هناك مؤشرات تظهر جدية ترامب في ضم جرينلاند، وهذا يندرج ضمن الشعارات "لنجعل أمريكا عظمى مرة أخرى"، إلا أنه على أرض الواقع هذا لا يتم، وحتى الرئيس الأمريكي في بعض الأحيان يلوح ويهدد بدعم المحتجين في إيران ولكن هذا لا يترجم إلى أعمال على أرض الواقع، نفس الشيء بالنسبة إلى الجزيرة .
 
ويوضح في تصريحات خاصة، أن روسيا تفهمت كثيرا الموقف الأمريكي من ضم جرينلاند وشبهته بضم شبه جزيرة القرم، حيث يمكن اعتبار أن ذلك يندرج ضمن سلسلة من تبادل رسائل إيجابية بين موسكو وواشنطن، خاصة أن موسكو تسعى لإصدار رسائل إيجابية لترامب الذي ساعدها في الخروج من العزلة التي فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة، مشيرا إلى أن هناك مبالغة كبيرة في التعامل مع قضية الجزيرة.
 
 
واسطة بريطانية ورفض جمهوري وتراجع ترامب
الخوف من صدام عسكري أو انهيار العلاقة بين الحليفين - واشنطن وأوروبا – دفع بريطانيا لمحاولة الوساطة لحل الأزمة، وهو ما دفع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لإجراء محادثات هاتفية مع رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين  والأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، وترامب في 18 يناير ، ويؤكد لهم أن الأمن في أقصى الشمال يمثل أولوية لجميع حلفاء الناتو لحماية المصالح الأوروبية الأطلسية، وفرض رسوم جمركية على الحلفاء سعيا لتحقيق الأمن الجماعي لحلفاء الناتو هو أمر خاطئ.
 
بينما عارض الحزب الجمهوري – الذي ينتمى له الرئيس الأمريكي – مخطط ترامب لأي خطوة عسكرية للاستيلاء على جرينلاند، بعدما أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة CBS نيوز وشركة يوجوف في الفترة من 14 إلى 16 يناير أن أغلبية كبيرة من الديمقراطيين والمستقلين والجمهوريين يعارضون هذه الخطوة.
 
وصوت 70 % من الجمهوريين ضد استخدام ترامب للقوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة، وبلغت هذه النسبة 97% بين الديمقراطيين، بينما وصلت إلى 90% بين المستقلين، كما عارض 86% من البالغين الأمريكيين نفس الأمر، كما عارض 70% من البالغين خطة شراء الإقليم من الدنمارك.
 
تراجع ترامب عن الاحتلال العسكري
إزاء هذه التطورات الخطيرة بدأت لهجة الرئيس الأمريكي تتراجع بشكل كبير، ليعلن في 21 يناير أنه لن يستخدم القوة للاستحواذ على جرينلاند، وأنه لا يمكن الدفاع عن الجزيرة إذا استمر الوضع الحالي، مشيرا إلى أن ما يطالب به هو قطعة جليد ولكنها قادرة على حماية السلام العالمي، بينما واصل هجومه على الناتو بقوله إن بلاده مولت الحلف لسنوات طويلة ولم تحصل منه على شيء، متابعا :" الدول الأوروبية لا تواجه أي تهديد لأن جيشنا موجود، ولدى الدنمارك الخيار فإما أن تقبل باستحواذنا على غرينلاند أو سترفض ولن ننسى لها ذلك".
 
 
هل يتفكك حلف الناتو؟
أزمة جرينلاند لا تختبر فقط قدرة الناتو على إدارة الخلافات بين أعضائه، بل تعيد طرح أسئلة أعمق حول مستقبل التحالف نفسه، هل لا يزال قائما على مبدأ الدفاع المشترك أم بات رهينة لحسابات القوة والمصالح الوطنية الضيقة؟ وهل يمكن لتحالف بني على وحدة الرؤية أن يصمد أمام عالم متعدد الأقطاب تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة الجليد الذائب في الشمال؟ من هنا، لا تبدو أزمة الجزيرة مجرد خلاف عابر، بل مرآة تعكس ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم شكل الحلف وربما تحدد ما إذا كان يتجه نحو التجدد أم نحو التفكك البطيء.
 
 
بنظرة سريعة إلى أعضاء الناتو فبحسب تقارير صحفية أجنبية بينها مجلة نيوزويك الأمريكية التي قارنت بين القوى العسكرية للدول الأعضاء، سنجد أنه يضم 32 دولة من أوروبا وأمريكا الشمالية، وقوته العسكرية تصل إلى  3.4 مليون عسكري نشط، و22,300 طائرة قتالية، و1,143 سفينة حربية، و11,500 دبابة، وتعد الولايات المتحدة هي العمود الفقري القتالي، حيث تضم 1.3–1.4 مليون جندي نشط داخل الحلف، و4,640 دبابة، وأكثر من 13,000 طائرة، و470 وحدة بحرية، بجانب أسلحة نووية هي الأكبر في العالم، تليها تركيا بـ355,200 جندي، و2,238 دبابة، ثم فرنسا بـ202,200 جندي نشط وأسلحة نووية، و111000 مركبة قتالية برية، وبعدها ألمانيا بـ179,850 جندي نشط، و83000 مركبة قتالية، و580 طائرة عسكرية.
 
تأتى بعد ذلك بولندا بـ164,100 جندي نشط، وإيطاليا بـ 161,850 جنديا، و700 طائرة عسكرية، ثم بريطانيا بـ141100 جندي، وأسلحة نووية وبرية، واليونان بـ 132,000 جندي نشط مع طائرات وأسلحة برية متوسطة، وإسبانيا بـ122,200 جندي نشط، فيما تقدر ميزانية الدفاع المجمعة للحلف بأكثر من 1.4 تريليون دولار سنويا، وتشكل الولايات المتحدة الجزء الأكبر منها.
 
 
وكشفت صحيفة آي بيبر الإلكترونية البريطانية في 20 يناير، أن العلاقات داخل شمال الأطلسي تشهد واحدة من أخطر أزماتها منذ عقود، بعدما دفعت تهديدات ترامب إلى تقييد تبادل المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة، في تطور غير مسبوق يهدد تماسك التحالف الغربي.
 
وذكرت أن مقترحات ترامب، التي يبررها باعتبارات الأمن القومي الأمريكي، أدت إلى تآكل الثقة بين الحلفاء الأوروبيين وواشنطن، وسط مخاوف من استخدام المعلومات الاستخبارية في دعم خطة عسكرية محتملة للسيطرة على الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار مملكة الدنمارك، موضحة أن  العلاقات الأمنية بين لندن وواشنطن وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ خمسينيات القرن الماضي، في سابقة لم تشهدها العلاقة الخاصة التي امتدت أكثر من 70 عاما، وشكلت ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغربي.
 
في نفس اليوم خرج ألكسندر ستوب رئيس فنلندا بتصريحات مغايرة، حيث أكد أن أوروبا في طور بناء ناتو أقوى مما كان عليه منذ الحرب الباردة والحلف يزداد قوة، معربا عن أمله في حل الخلافات بشأن جرينلاند بالطرق الدبلوماسية
 
تصريحات رئيس فنلندا تتشابه مع تصريحات ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي التي قالها في 28 يناير ، بأن الولايات المتحدة لا تزال تستفيد من الناتو لكن لابد من إعادة تصور الحلف فيما يتعلق بالواجبات، متابعا :" حلفاؤنا يفهمون أهمية حضور واشنطن في الحلف ولا ناتو من دون بلادنا".
 
وأضاف حينها أن الولايات المتحدة أكدت لحلفائها أنها لا تركز فقط على أوروبا فلديها احتياجات دفاعية في الشطر الغربي وفي منطقة الهندي والهادئ، متابعا :"يجب أن يرغب الحلفاء في الاضطلاع بدور أكبر ويكونون قادرين على ذلك وبكل صراحة الكثير منهم لا يقوم ذلك".
 
من جانبه يتوقع نيكولاس ويليامز المسئول السابق فى الناتو، ألا يؤدي ضم الولايات المتحدة لجرينلاند إلى انهيار فوري للناتو، إلا أنه يوضح أن يُصاب الحلف بشلل سياسي نتيجة معارضة حلفاء شمال أوروبا والكنديين لواشنطن، وهذا سيؤدي إلى إضعاف هذا التحالف بشكل كبير، ويصبح منظمة مهووسة بديناميكياتها الداخلية وتناقضاتها.
 
ويضيف ويليامز المسئول السابق فى الناتو، في تصريحات خاصة، من بروكسيل، أنه إذا قررت الولايات المتحدة ضم جرينلاند بالقوة، فلن يكون أمام الناتو أي خيار للمقاومة، لأن واشنطن تمتلك حق النقض "الفيتو" على أي عمل عسكري يقوم به الحلف. ولأن الأوروبيين يخشون انهيار الحلف ، ذلك من المرجح أن يحل النزاع دبلوماسيا بما يخدم مصالح الإدارة الأمريكية، ولكنه يحفظ ماء وجه أوروبا والدنمارك.
 
فيما يؤكد مالك فرانسيس، عضو حزب الجمهوري الأمريكي، أنه حال تفكك الناتو بسبب سياسات ترامب، فإن أوروبا ستتضرر أمنيا على المدى القصير، لكنها قادرة ولو بثمن باهظ على بناء قوة دفاع مستقلة، وربما أكثر تماسكا بعد التخلص من الشريك غير الموثوق، أما الولايات المتحدة، فهي الخاسر الأكبر تاريخيا واستراتيجيا، أنه بانهيار حلف شمال الأطلسي تفقد واشنطن أداة نفوذها الأساسية، وتتحول من قائد للنظام الدولي إلى قوة معزولة، متقلبة، لا يعتمد عليها، موضحا أن تفكيك الناتو والأمم المتحدة لن يجلب السلام، بل الفوضى، ولن يعزز الأمن، بل يفتح الباب أمام روسيا والصين لملء الفراغ.
 
 
خيارات أوروبا
من ناحيتها تتوقع الدكتور كاميلا زاريتا مستشارة الاتحاد الأوروبي، عدم انهيار الحلف، خاصة أن الناتو لم يصمم لإدارة النزاعات المسلحة الداخلية بين الحلفاء، وتعطي عقيدته الأولوية للتشاور وخفض التصعيد وآليات الحل السياسي، موضحة أن الخطوة الأولى في أي أزمة بين الحلفاء هي دبلوماسية ومؤسسية، وليست عسكرية.
 
وتكشف في تصريحات خاصة، من بروكسيل، طرق استعداد القارة العجوز لمواجهة أي توتر في العلاقات مع واشنطن، موضحة أن أوروبا استخلصت دروسا من السنوات الأخيرة، بعدما أعادت الحرب الروسية في أوكرانيا، والعمليات الهجينة، والإكراه في مجال الطاقة، وحملات التضليل الإعلامي، تشكيل الفكر الاستراتيجي الأوروبي بشكل جذري، ونتيجة لذلك، سارع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع تحول طويل الأمد يهدف إلى تعزيز القدرة على الصمود وتقليل الاعتماد الهيكلي.
 
وتوضح أن هذا التحول يشمل مبادرة الاتحاد الأوروبي للصناعات الدفاعية والفضائية والاستراتيجية، ودمج قطاعات الدفاع والفضاء والصناعات الاستراتيجية، والتعاون الهيكلي الدائم في مجال الدفاع، وتطوير القدرات المشتركة وتعزيز قابلية التشغيل البيني العسكري، وآليات التمويل الآمن لضمان استدامة الاستثمار في قطاع الدفاع، بالإضافة إلى الاستراتيجية الأوروبية للصناعات الدفاعية لإعادة بناء القدرة الإنتاجية داخل أوروبا.
 
وتشير إلى أن هناك قانون الرقائق الإلكترونية، وقانون الذكاء الاصطناعي، والإطار التنظيمي الرقمي لحماية السيادة التكنولوجية والحد من الاعتماد الاستراتيجي المفرط على الجهات الخارجية، لافتة إلى أن هذه الإجراءات لا تستهدف الولايات المتحدة، بل تهدف إلى ضمان قدرة أوروبا على العمل كشريك كفؤ وموثوق، لا كشريك تابع، ولا يعني الاستقلال الاستراتيجي، الانفصال عن أمريكا، بل يعني القدرة على تحمل المسؤولية عند الضرورة.
 
 
وتؤكد أن هذه الخطوات تنطبق أيضا على المجالين الاقتصادي والقانوني، حيث تخضع الشركات العاملة في السوق الأوروبية - بغض النظر عن جنسيتها أو انتماءاتها السياسية - لقانون الاتحاد الأوروبي، ولا مجال للتفاوض بشأن السلطة التنظيمية، مما يعكس تطورا أوسع نطاقا، حيث تعزز القارة العجوز دورها كوطن استراتيجي، تجمع بين الدفاع والأمن الاقتصادي والحوكمة القانونية.
 
 
وتوضح أن أزمة جرينلاند لا تعد نهاية للعلاقة عبر الأطلسية، بل فترة لإعادة تقييم تلك العلاقة في ظل ظروف انتقال القوى العالمية وتجدد التنافس بين القوى العظمى، مما يجعل الجزيرة بمثابة انعكاس لمدى جدية الاهتمام الذي يُولى مجددا للقطب الشمالي وشمال الأطلسي في تخطيط الأمن العالمي.
 

 


print