محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة الجنائية "هـ" - بمحكمة النقض – حكماً قضائياً فريداً من نوعه، يهم ملايين المهتمين بحقوق الملكية الفكرية، ويتصدى لظاهرة سرقة الأعمال الفنية والأدبية، ويفرق بين "الإقتباس" و"التقليد"، بتأييد إلغاء حكم حبس الفنانة التشكيلية المصرية غادة والي على حبسها 6 أشهر، وتأييد تغريمها 10 آلاف جنيه على خلفية اتهامها بسرقة بعض الرسومات الخاصة بفنان روسي "جورجى كوراسوف" واستخدامها في رسومات تعاقدت عليها داخل بعض محطات مترو الأنفاق.
تفاصيل الحكم والمبادئ القانونية التي أرستها المحكمة:
1-تأييد الإدانة الجنائية: رفضت محكمة النقض دفاع "غادة والي" الذي دفع بأن اللوحات مستوحاة من الفن المصري القديم "ملك عام"، وأكدت المحكمة أن ما قامت به هو "تقليد" وليس اقتباساً مشروعاً، وأن التصميمات المترو بمحطة كلية البنات تضمنت اعتداءً صريحاً على الحق المالي والأدبي للمؤلف الروسي، الذي ينتمي لدولة عضو في منظمة التجارة العالمية.
2-لا يشترط حضور المتهم أمام "لجنة الخبراء": حسمت المحكمة جدلاً قانونياً مهماً، حيث أكدت أن عدم حضور المتهم أو محاميه أمام لجنة الخبراء المنتدبة من النيابة العامة لا يبطل تقريرها، لأن عمل الخبير في مرحلة التحقيق الابتدائي هو إجراء استشاري لا يشترط فيه حضور الخصوم، عكس مرحلة المحاكمة.
3-حماية المبدع الأجنبي: شدد الحكم على أن قانون حماية الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 يحمي المصريين والأجانب على حد سواء، طالما أن المبدع ينتمي لدولة عضو في المعاهدات الدولية، وهو ما يبعث برسالة طمأنة للمجتمع الفني العالمي.
4-تعديل "الغرامة المالية" (قانونية المحكمة): رغم تأييد الإدانة، قامت محكمة النقض بتعديل الحكم في شقه المالي فقط، حيث كان الحكم المطعون فيه قد قضى بغرامة عن 4 لوحات، بينما ثبت للمحكمة من واقع تقارير اللجنة الفنية أن التقليد انصب على ثلاث لوحات فقط (باعتبار أن اللوحة الرابعة لم يثبت تقليدها بشكل يقيني).
بناءً عليه: تم قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بتصحيح الحكم بجعل الغرامة المقضي بها على عدد (3) مصنفات فقط بدلاً من (4).

الخلاصة:
الرسالة القانونية واضحة: "حق المبدع في حماية نتاجه الذهني هو حق أبدي غير قابل للتقادم، وأن القضاء المصري بالمرصاد لأي محاولة للسطو على الإبداع تحت ستار الاقتباس".
صدر الحكم فى الطعن رقم 12117 لسنة 94 القضائية، برئاسة المستشار ربيع لبنة تائب، وعضوية المستشارين حموده نصار، وعمر عبد السلام، ومحمد ممدوح، ومحمد سلامة إبراهيم، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض جون وجدي، وأمانة سر مصطفى خالد.
الوقائع.. نزاع قضائى بين الفنانة التشكيلية غادة والى والفنان الروسى جورجى كوراسوف
اتهمت النيابة العامة الطاعنة "غادة والى" في القضية رقم 69 لسنة 2024 جنح اقتصادية القاهرة بوصف أنها في غضون شهر يوليو سنة 2022 - بدائرة قسم مصر الجديدة - محافظة القاهرة: تعدت على الحق المالي والأدبي للمؤلف المجني عليه "جورجى كوراسوف"؛ بأن قلدت المصنف - أربع رسومات فنية - نتاج عمله المبتكر، بأن وضعته على رسومات فنية بجدران محطة مترو كلية البنات ونسبتها لنفسها مع علمها بأمر تقليده على النحو المبين بالتحقيقات.
وفى تلك الأثناء - أحالتها إلى محكمة جنح القاهرة الاقتصادية ، وطلبت عقابها بالمواد 138، 139/1، 140/بند 9، 134، 147، 181/ فقرة 1 بند سابعاً من القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن إصدار قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، وادعى المجني عليه مدنياً - بوكيل عنه - بمبلغ مليون جنيه وواحد على سبيل التعويض المدني المؤقت.

محكمة أول درجة تقضى بحبس غادة والى 6 أشهر مع الشغل والكفالة لإيقاف التنفيذ وغرامة
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً بتوكيل في 30 من يناير لسنة 2024 بحبس المتهمة 6 أشهر مع الشغل وكفالة 10 آلاف جنيه لإيقاف التنفيذ موقتاً وتغريمها مبلغ 10 آلاف جنيه عن كل مصنف مقلد وعددهم أربع مصنفات وإلزامها بأن تؤدي للمدعي بالحق المدني جورجى كوراسوف مبلغ مائة ألف جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
غادة والى تستأنف الحكم لإلغاءه
فاستأنفت المحكوم عليها هذا الحكم، وقيد استئنافها برقم 285 لسنة 2024 جنح مستأنف اقتصادية القاهرة، وفي 9 من يونيه لسنة 2024، قضت محكمة جنح مستأنف القاهرة الاقتصادية – بهيئة استئنافية - حضورياً، وعملاً بذات المواد التي طلبت النيابة العامة تطبيقها، بقبول الاستئناف شكلاً، وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف بإلغاء عقوبة الحبس المقضي بها والتأييد فيما عدا ذلك.
"الاستئناف" تلغى الحبس وتؤيد الغرامة.. والمتهمة تطعن أمام النقض
فقررت المحكوم عليها بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض في 7 من أغسطس لسنة 2024، بعد سدادها الكفالة المقررة قانوناً، وأودعت مذكرة بأسباب الطعن في ذات التاريخ موقع عليها من محمد حسام المحامي.
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: من حيث إن الطاعنة تنعي على الحكم المطعون فيه أنه إذ دائها بجريمة التعدي على الحق المالي والأدبي لمؤلف شخص طبيعي ينتمي إلى دولة عضو في منظمة التجارة العالمية بتقليد مصنفه برسومات فنية ووضعها على جدران محطة مترو كلية البنات مع علمها بتقليدها، قد شابه القصور، والتناقض في التسبيب، والخطأ في تطبيق القانون، وفي الإسناد، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأن الحكم لم يبين واقعة الدعوى بياناً تتحقق به أركان الجريمة، ورغم تمسكها بأن لوحاتها منقولة من جدران المقابر والمعابد المصرية القديمة وهي من الملك العام والتي يباح الاقتباس منها بشرط الإشارة إلى المصدر، وليست تقليداً للوحات المدعي بالحقوق المدنية.
وتابعت "مذكرة الطعن": وأن شكواه انصبت على ثلاث لوحات من الفن الروماني ومنقولة من الفن المصري القديم ولا تتمتع بحماية حق المؤلف، ويكون بذلك معتدياً على الحق الأدبي للفنان المصري القديم وبدون إذنه والذي تباشره وزارة الثقافة، ومستدلة على ذلك بتقارير استشارية وبما يكون معه فعلها بمنأى عن التأثيم، إلا أن المحكمة ردت على دفاعها بما لا يصلح، وعولت في إدانتها على تقرير وأقوال لجنة الخبراء المنتدبة من النيابة العامة رغم عدم أهلية أعضائها، ومباشرتهم المأمورية في غيبتها، ودون دعوتها للحضور، وبالمخالفة لنص المادة 146 من قانون الإثبات، ولم تجبها لطلبها بمناقشة واضعي التقارير الاستشارية، وأعضاء اللجنة المشكلة من الشركة الفرنسية لمترو الأنفاق، وانتهى الحكم إلى إدانة الطاعنة بتقليد أربع لوحات رغم أن الثابت بتقرير اللجنة أن التقليد انصب على لوحة واحدة نسخت ثلاث مرات، وأزالت هيئة مترو الأنفاق اللوحة الرابعة.
واستطردت "مذكرة الطعن": وتعارض التقرير مع أقوال عضو اللجنة رمضان السيد عبد المقصود المتضاربة؛ إذ بعد أن قرر بتقليد الطاعنة للوحتين، عاد وقرر أن المدعي بالحقوق المدنية يمتلك لوحة واحدة، وأنه قد باع الأولى والثانية، ولا يمكن الجزم بالتقليد من عدمه كما تناقضت أقواله مع أقوال وديع أبو شيحة عضو اللجنة أن لوحة واحدة تم نسخها أربع مرات، وأزيلت اللوحتان الثالثة والرابعة احتياطاً، وأخيراً فإن الطاعنة ممثلة لشخص اعتباري لا تسأل جنائياً من تقليد اللوحات والتي صممها العاملون لديها. كل ذلك، يعيب الحكم، ويستوجب نقضه.
حماية حقوق الملكية الفكرية
والمحكمة ردت على تلك الأسباب في حيثيات الحكم حيث قالت: ومن حيث إن المستفاد من الجمع بين المواد 138، 139/1، 140/بند 9، 143، 147، 149 من القانون رقم 82 لسنة 2002 في شأن حماية حقوق الملكية الفكرية أن المشرع قد حرص على أن تشمل الحماية المقررة لحقوق المؤلف المصريين والأجانب من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين ينتمون إلى إحدى الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، وأن هذه الحماية تشمل مصنفات الرسم بالخطوط أو بالألوان، والنحت والطباعة على الحجر، وعلى الأقمشة وآية مصنفات مماثلة في مجال الفنون الجميلة.
وبحسب "المحكمة": وأن المؤلف للمصنف وخلفه العام من بعده يتمتع بحقوق أدبية أبدية غير قابلة للتقادم أو للتنازل عنها، وأنه يتمتع بحق استشاري في الترخيص أو المنع لأي استغلال لمصنفه بأي وجه من الوجوه، ولا يكون لغيره مباشرة حقه في الاستغلال على أية صورة دون الحصول على إذن كتابي سابق منه حال حياته أو ممن يخلفه بعد وفاته، وتعاقب المادة 181 من القانون ذاته على تقليد المصنف وطرحه التداول بدون إذن كتابي مسبق من المؤلف بالحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتتعدد العقوبة بتعدد المصنفات، ومصادرة النسخ محل الجريمة أو المتحصلة منها والمعدات والأدوات المستخدمة في ارتكابها، ونشر ملخص الحكم في جريدة يومية على نفقة المحكوم عليه .

"غادة والى" قلدت 3 لوحات فنية ابتكارية للمؤلف الروسي "جورجي كوراسوف" بدون إذن كتابي
وتضيف "المحكمة": لما كان ذلك، وكانت الطاعنة لا تجادل في عدم حصولها على إذن كتابي سابق من المدعي بالحقوق المدنية، وكان الحكم الطعون فيه قد أثبت بالأدلة السائغة التي أوردها أن الطاعنة قلدت 3 لوحات فنية ابتكارية للمؤلف الروسي "جورجي كوراسوف" بدون إذن كتابي سابق منه والذي ينتمي إلى دولة عضو في منظمة التجارة العالمية ونشرتها في التصميمات الجدارية بمحطة مترو كلية البنات، فإن الحكم إذ انتهى إلى إدانة الطاعنة يكون قد أصاب صحيح القانون، ويجزئ في الرد على دفاعها بأن لوحاتها منقولة من جدران المقابر والمعابد المصرية القديمة، وليست مقلدة من لوحات المدعي بالحقوق المدنية، وأن فعلها بمنأى عن التأثيم، ولا يعدو ما تثيره في هذا الصدد أن يكون محاولة لتجريح أدلة الدعوى على وجه معين تأدياً من ذلك إلى مناقضة الصورة التي ارتفعت في وجدان المحكمة بالدليل الصحيح ، وهو ما لا يقبل إثارته أمام محكمة النقض.
وتؤكد "المحكمة": لما كان ذلك، وكان نص المادة 85 من قانون الإجراءات الجنائية صريح في أنه يجوز للخبير أداء مأموريته بغير حضور الخصوم؛ إذ من المقرر أن عمل الخبير في التحقيقات الأولية في الدعاوى الجنائية لا يكون باطلاً إذا تم بغير حضور أحد من الخصوم، إذا كانت السلطة القضائية التي ندبت الخبير لم توجب حضور الخصوم معه أثناء مباشرة العمل، وذلك لأن هذه التحقيقات لا يشترط القانون لصحتها أن تكون قد بوشرت حتماً في حضرة الخصوم كما هو الحال في إجراءات المحاكمة أمام المحاكم، بل إن القانون صريح في إجازة منع الخصوم من الحضور أثناء مباشرة عمل أو أكثر من هذه الأعمال لسبب من الأسباب التي يقتضيها حسن سير التحقيق أو تفرضها الرغبة في ظهور الحقيقة لما كان ذلك، وكانت الطاعنة لا تدعي أن النيابة العامة أوجبت حضورها أمام لجنة الخبراء المنتدبة منها أثناء مباشرتها العمل، كما أن نصوص قانون الإجراءات الجنائية هي الواجبة التطبيق على الإجراءات في المواد الجنائية.
تقدير المحكمة لعمل أعضاء لجنة الخبراء
ومن ثم فإنه لا يصح الاستناد إلى ما ورد في المادة 146 من قانون الإثبات، فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الخصوص يكون على غير أساس لما كان ذلك، وكانت المحكمة - في حدود سلطتها التقديرية - قد أفصحت عن اطمئنانها إلى تقرير لجنة الخبراء المنتدبة من النيابة العامة، وأقوال أعضائها وحصلتها بما لا تناقض فيه، واستندت إلى رأيها الفني فيما استخلصته، فإن هذا يفيد أنها اطرحت التقارير الاستشارية، والمحكمة غير ملزمة من بعد بالرد عليها استقلالاً، فإن ما تنعاه الطاعنة بعدم خبرة أعضاء اللجنة، والمنازعة في القوة التدليلية لأقوال عضوين منها، لا يعدو أن يكون جدلاً في تقدير المحكمة لعمل أعضاء لجنة الخبراء، وهو ما لا يجوز الخوض فيه أمام محكمة النقض.
لما كان ذلك، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أمام محكمة أول درجة أن المدافع عن الطاعنة لم يطلب سماع أقوال معدي التقارير الاستشارية، وأعضاء اللجنة المشكلة من الشركة الفرنسية لمترو الأنفاق، فإن الطاعنة وإن أبدت طلب سماع هؤلاء الشهود أمام المحكمة الاستئنافية، فإنها تعتبر متنازلة عنه بسكوتها عن التمسك به أمام محكمة أول درجة، ومن ثم فإن ما تنعاه في هذا الشأن يكون غير سديد - لما كان ذلك - وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن الجريمة التي دان الطاعنة بها، وإن وقعت منها بصفتها مالكة لشركة ...." إلا أن الحكم دائها بصفتها المسئولة شخصياً عن وقوعها ، فإن ما تثيره في هذا الصدد يكون: كون بعيداً عن محجة الصواب .
تعدد الغرامة بقدر عدد المصنفات المقلدة
لما كان ذلك، وكانت المادة 181 سابعاً من القانون رقم 82 لسنة 2002 - المار بيانه - قد أوجبت تعدد الغرامة بقدر عدد المصنفات المقلدة، وكان الثابت من الحكم المطعون فيه والمفردات المضمومة أن الطاعنة قلدت ثلاثة مصنفات ، فإن الحكم إذ قضى بتعدد الغرامة لعدد أربعة مصنفات، يكون قد تجاوز الغرامة المنصوص عليها في هذه المادة وأخطأ في تطبيق القانون بما يوجب - إعمالاً لنص المادة 35/2 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقرار بقانون رقم 57 لسنة 1959 - تصحيحه بقصر تعدد الغرامة المقضي بها على ثلاثة مصنفات ، ورفض الطعن فيما عدا ذلك، ومصادرة الكفالة.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً، وتصحيح الحكم المطعون فيه بقصر تعدد الغرامة على عدد ثلاثة مصنفات، ورفض الطعن فيما عدا ذلك، ومصادرة الكفالة .