يُمثل تنظيم إجراءات القبض وتقييد الحرية محورا أساسا في قانون الإجراءات الجنائية الصادر برقم 172 لسنه 2025، إذ يسعى المشرع من خلال المواد (37–46) إلى وضع إطار واضح يضمن احترام الحقوق الدستورية للمواطنين، وفي الوقت ذاته يتيح لجهات إنفاذ القانون ممارسة اختصاصاتها دون تعسف.
ويظهر هذا التوازن جليا في تسلسل هذه المواد بقانون الإجراءات الجنائية، التي لا تعد مجرد أحكام متفرقة بل سلسله مترابطة تبدأ بضمان الحق في الحرية ثم تحديد الضوابط العامة للقبض، وتضع قيودا على سلطات الضبط القضائي، وتؤكد دور المجتمع، ثم تختتم بإرساء رقابة قضائية صارمة وآليات فعالة للشكاوى، وهو ما يشكل منظومة متكاملة تعزز دولة القانون وتحمي المواطن من أي استخدام غير مشروع للسلطة.
أولا: حماية الحرية الشخصية كأساس لبقية المواد
تبدأ المادة (37) بوضع قاعدة ذهبية تستند إليها جميع المواد التالية، وهي تحريم القبض أو التفتيش أو الحبس بغير أمر قضائي مسبب، مع التشديد على صون كرامة المحتجز وحظر الإكراه، وهذا المبدأ يمثل الأساس الذي تُبنى عليه بقية النصوص.
وتنص المادة القانونية، "فيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. وكل من يقبض عليه أو يُحبس أو تقيد حريته، تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه ولا ترهيبه ولا إكراهه ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويا.
وللمتهم حق الصمت، وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم، أو التهديد بشيء منه، يهدر ولا يعول عليه".
وانطلاقا من هذا الأساس، جاءت المادة (38) لتحدد الإطار المكاني المشروع للاحتجاز، بحيث لا يجوز تقييد حرية أي شخص إلا داخل مراكز الإصلاح والتأهيل المخصصة، وهو ما يمنع عمليا أي صورة من صور الاحتجاز السري أو غير القانوني.
وتنص المادة علي أنه " لا يجوز حجز أو تقييد حرية أي شخص إلا في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل أو أماكن الاحتجاز المخصصة لذلك، ولا يجوز لمدير مركز الإصلاح والتأهيل أو القائم على أماكن الاحتجاز قبول أي شخص فيها إلا بمقتضى حكم أو أمر قضائي مسبب موقع عليه من السلطة المختصة، ولا يجوز أن يبقيه فيها بعد المدة المحددة بالحكم أو بالأمر القضائي".
ثانيا: انتقال التشريع إلى تنظيم حالات التلبس وضبط المتهم
وبعد أن وضع القانون القواعد العامة للقبض، انتقل بشكل منطقي إلى تنظيم الاستثناءات المرتبطة بحالة التلبس، والتي تعد من أخطر الظروف التي تتيح القبض بغير أمر قضائي.
فالمادتان (39) و(40) تضعان حدودا دقيقة لاستخدام سلطة مأمور الضبط القضائي، سواء كان المتهم حاضرا أو غائبا، وتربطان هذه الإجراءات بضرورة وجود دلائل أو قرائن جدية، مع التأكيد على دور النيابة العامة كجهة رقابية لا غنى عنها.
وتنص المادة ( 39 ) علي أنه "يجوز لمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات أو بالجنح التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر أن يأمر بالقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه"، أما المادة (40) تنص علي إذا لم يكن المتهم حاضرا في الأحوال المبينة في المادة 39 من هذا القانون جاز المأمور الضبط القضائي أن يصدر أمرًا بضبطه وإحضاره، ويثبت ذلك في المحضر .
وفي غير الأحوال المبينة في المادة 39 المشار إليها، إذا وجدت قرائن كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد ومقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة، وأن يطلب فورا من النيابة العامة أن تصدر أمرا بالقبض عليه.وفي جميع الأحوال، تنفذ أوامر الضبط والإحضار والإجراءات التحفظية بواسطة أحد معاوني التنفيذ أو بواسطة رجال السلطة العامة“.
ويُكمل هذا التنظيم ما ورد في المادة (41)، إذ يفرض القانون على مأمور الضبط تمكين المتهم من معرفة حقوقه والتهم الموجهة إليه وتمكينة من الاتصال بذوية ومحامية، مما يربط بين سلطة الضبط والضمانات المقررة لمواجهة أي تجاوز.
وتقضي المادة بأنه "يجب على مأمور الضبط القضائي أن يبلغ فورًا المتهم المضبوط بسبب تقييد حريته، وبالتهم المنسوبة إليه، وأن يسمع أقواله، وأن يحيطه بحقوقه كتابة، وأن يمكنه من الاتصال بذويه وبمحاميه. وإذا لم يأت المتهم بما ينفي التهمة عنه، يرسله مأمور الضبط القضائي خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته إلى سلطة التحقيق المختصة".
ثالثا: دور المجتمع ورجال السلطة العامة في إطار منضبط
وينتقل القانون بعد ذلك إلى تنظيم دور الأفراد ورجال السلطة العامة في التعامل مع الجريمة المتلبس بها؛ حيث تقرر المادة (42) حق أي شخص في تسليم الجاني المتلبس، وهو حق مقيد بشروط تهدف إلى منع الفوضى، ليأتي بعده مباشرة تنظيم سلطة رجال السلطة العامة في المادة (43) لضمان عدم إساءة استخدام هذا الحق.
ويأتي هذا التسلسل ليؤكد أن القانون لا يمنح سلطات الضبط إلا وفق سلسلة مترابطة من الشروط والضوابط، وأن كل خطوة تتكامل مع ما قبلها وتستند إلى قاعدة احترام الحرية الشخصية.
وتنص المادة (42 ) علي أنه "لكل من شاهد الجاني متلبسًا بجناية أو جنحة يجوز فيها قانونا الحبس الاحتياطي، أن يسلمه إلى أقرب رجل سلطة عامة دون حاجة إلى أمر بضبطه"، فيما تقضي المادة (43) بأنه "لرجال السلطة العامة، في أحوال التلبس بالجنايات، والجنح التي يجوز الحكم فيها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر أن يحضروا المتهم ويسلموه إلى أقرب مأمور ضبط قضائي.ولهم ذلك أيضًا في الجرائم الأخرى المتلبس بها إذا لم يمكن لهم التثبـت مـن شخصية المتهم".
رابعا: احترام نظام الشكوى وتحديد حالاته
وفي هذا الإطار، تأتي المادة (44) لتوضح أن السلطة العامة رغم صلاحياتها لا يمكنها القبض على المتهم في الجرائم التي تستوجب شكوى إلا بعد تقديمها ممن يملك الحق، بما ينسجم مع الفلسفة العامة للقانون في حماية الروابط الاجتماعية والعائلية التي بني عليها نظام الشكاوى.
وتقضي المادة (44 ) بإنه فيما عدا الأحوال المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 11 من هذا القانون، إذا كانت الجريمة المتلبس بها مما يتوقف رفع الدعوى الجنائية عنها على شكوى فلا يجوز القبض على المتهم إلا إذا صرح بالشكوى من يملك تقديمها، ويجوز في هذه الحالة أن تكون الشكوى لمن يكون حاضرًا من رجال السلطة العامة.
خامسا: الرقابة القضائية كضمانة عليا
وبعد أن تناول القانون جميع مراحل القبض والاحتجاز والتلبس، ينتقل إلى مرحلة أكثر عمقا تمثل صمام الأمان لحقوق المتهمين، وهي مرحلة الرقابة القضائية والنيابية على أماكن الاحتجاز.
فالمادة (45) تمنح النيابة والقضاة حق الدخول المفاجئ لمراكز الإصلاح والتأهيل، فحص الدفاتر، مقابلة النزلاء، والاستماع لشكاواهم، وهو ما يشكل حلقة مكملة لمنظومة الضمانات السابقة، وتكتمل هذه الحلقة بالمادة (46) التي تمنح النزيل نفسه الحق في تقديم شكاوى مباشرة، وتلزم النيابة العامة بالتحرك الفوري عند الإخطار بوجود احتجاز غير قانوني، بما يضمن حماية فعلية وليست مجرد نصوص.
وتنص المادة (45 ) بأنه "يجوز للنائب العام ولأعضاء النيابة العامة ولرؤساء محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية دخول مراكز الإصلاح والتأهيل أو أماكن الاحتجاز المخصصة لإيداع المحبوسين الكائنة في دوائر اختصاصهم، وذلك للتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية، ومن أن أوامر التحقيق وأحكام وقرارات المحاكم يجرى تنفيذها على الوجه المبين بها وطبقا للأحكام المقررة قانونا، ولهم أن يطلعوا على الدفاتر، وعلى أوامر التنفيذ، والقبض، والحبس، وأن يأخذوا صورًا منها، وأن يتصلوا بأي نزيل، ويسمعوا منه أي شكوى، ويجب أن تقدم لهم كل مساعدة للحصول على المعلومات التي يطلبونها. ويكون لقضاة التحقيق فيما يباشرونه من تحقيقات السلطات المبينة بالفقرة الأولى من هذه المادة"
أما مادة (46 ) فتنص علي أنه يجوز لكل نزيل في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل أو الأماكن المشار إليها في المادة 38 من هذا القانون أن يقدم في أي وقت للقائم على إدارته شكوى كتابة أو شفاهة، ويطلب منه تبليغها للنيابة العامة، وعلى الأخير قبولها وتبليغها في الحال بعد إثباتها في سجل يعد لذلك.
ويجوز لكل من علم بوجود محتجز أو نزيل بصفة غير قانونية أو في محل غير مخصص للحبس أن يُخطر أحد أعضاء النيابة العامة وعليه بمجرد إخطاره أن ينتقل فورا إلى المحل الموجود به النزيل وأن يقوم بإجراء التحقيق وأن يأمر بالإفراج عن النزيل الموجود بصفة غير قانونية وعليه أن يُحرر محضرًا بذلك".