وخلال الزيارة، التي تحظى باهتمام كبير داخل دوائر السياسة فى واشنطن، لاسيما بعدما نظر إلى قمة ألاسكا بأنها نجاح لبوتين الذى لم يوقف الحرب حتى بعد لقاء ترامب، سيحضر بوتين قمة منظمة شنغهاي للتعاون، ويجرى محادثات نظيره الصينى، مع شي جين بينج، ويحضر العرض العسكري في بكين بمناسبة يوم النصر، الذي يُقام بمناسبة مرور 80 عامًا على هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، حيث من المقرر أن يكون بوتين ضيف الشرف إلى جانب زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، وزعماء إيران وكوبا.
ويقول محللون إن من أهم أهداف الزيارة التى من المتوقع أن تستمر قرابة أسبوع - وهي زيارة طويلة على غير العادة بالنسبة للزعيم الروسي - أن ينسق بوتين وشي مواقفهما بشأن الحرب في أوكرانيا وسط الجهود الأمريكية لإنهاء القتال.
وقال ألكسندر جابويف، مدير مركز كارنيجي لروسيا وأوراسيا: "إنه وقت مهم للطرفين للحديث عن مسار الحرب واحتمالية توقفها في المستقبل القريب".
وأضاف جابويف أن موسكو تريد معرفة ما إذا كان بإمكانها توقع أي مساعدة إضافية من الصين، وكيف سترد بكين إذا طلبت الولايات المتحدة منها الضغط على روسيا لإنهاء القتال.
وقال: "على الزعيمين مقارنة وجهات النظر والتأكد من توافقهما. هذا مهم لأن الحرب أصبحت أحد الركائز الأساسية لعلاقتهما".
وبرزت الصين كشريان حياة اقتصادي لروسيا خلال الحرب في أوكرانيا، وقد زادت كييف صراحةً من تصريحاتها بشأن ما تصفه بالمساعدة الصينية المباشرة للمجهود الحربي لموسكو، وفقا لصحيفة "الجارديان".
وارتفع حجم التجارة الثنائية إلى أكثر من 240 مليار دولار العام الماضي، أي أعلى بمقدار الثلثين مما كان عليه قبل الحرب فى أوكرانيا عام 2022. وبكين الآن هي المشتري الرئيسي للنفط والفحم الروسيين، وستتجاوز أوروبا قريبًا كسوق رئيسية للغاز الطبيعي لموسكو.
وقال جابويف إنه من غير المرجح أن يزول اعتماد روسيا على الصين حتى مع توقف القتال. وأضاف: "تريد روسيا معرفة ما إذا كانت الصين ستشتري المزيد من النفط والغاز على المدى الطويل".
وفي حين أن التجارة بلغت مستوى قياسيًا في عام 2024، إلا أنها تراجعت منذ ذلك الحين وسط تراجع صادرات النفط الروسية إلى الصين، وهو اتجاه سيسعى بوتين جاهدًا لعكسه في بكين. ومن المتوقع أن يناقش الجانبان على وجه التحديد خط أنابيب الغاز "قوة سيبيريا 2" المقترح منذ فترة طويلة، وخطط توسيع خط النفط الحالي إلى الصين.
ومن المرجح أيضًا أن تتناول المحادثات تعميق التعاون العسكري بين بكين وموسكو، وهو تطور أثار قلق الحكومات الغربية.
وفي حين امتنعت الصين عن تقديم مساعدة عسكرية مباشرة، يقول مسئولون أمريكيون إن بكين زودت روسيا بحوالي 70% من الأدوات الآلية و90% من أشباه الموصلات التي تحتاجها لإعادة بناء آليتها الحربية. وفي المقابل، يُعتقد أن الصين تتلقى مساعدة في تقنيات دفاعية حساسة.
وتؤكد الصين أنها وسيط محايد في الحرب في أوكرانيا.
وطرحت روسيا مؤخرًا فكرة أن تكون بكين من بين الجهات الضامنة لأمن أوكرانيا، مُحييةً بذلك اقتراحًا طرحه المفاوضون الروس لأول مرة خلال محادثات في تركيا ربيع عام 2022. ومن المرجح أن تنظر كييف إلى هذه الفكرة بعين الريبة.
ولن تخلو الزيارة من الرمزية. من المتوقع أن يجلس بوتين إلى جانب شي في العرض العسكري في بكين في 3 سبتمبر، وهو انعكاس لاحتفالات يوم النصر في 9 مايو في موسكو، حيث تصدّر الزعيم الصيني المشهد بينما كانت القوات الصينية تسير في الساحة الحمراء إلى جانب نظرائها الروس.
ويقول محللون إن عرض ميدان تيانانمن، على غرار طقوس يوم النصر في روسيا، يسمح لبكين باستحضار ذكرى انتصاراتها في زمن الحرب كوسيلة لتأكيد مكانتها كقوة عظمى.
وقال فاسيلي كاشين، من معهد دراسات الشرق الأقصى التابع للأكاديمية الروسية للعلوم في موسكو: "تتشارك روسيا والصين رؤية متشابهة للتاريخ، حيث تُصوّران نفسيهما كقوتين منتصرتين في الحرب العالمية الثانية. هذا الشعور بالمصير المشترك يُشكّل الآن أساس شراكتهما".
وأضاف كاشين أن الاحتفالات، بحضور كيم، قد تُتيح فرصة لتهدئة أي توترات تحيط بتحالف موسكو المتنامي مع بيونج يانج، وهو تحول أثار استياء بكين.
ولطالما كانت الصين الحليف الأقرب لكوريا الشمالية، لكنها فقدت بعض نفوذها منذ بدء الحرب فى أوكرانيا. وأرسل كيم آلاف الجنود لدعم حرب موسكو، وفي المقابل، زودت روسيا الدولة المعزولة بتكنولوجيا متطورة للصواريخ والطائرات المسيرة.
وقال كاشين: "بناءً على دعوة كيم لزيارة بكين، فإن الصين تبحث عن سبل لاستعادة علاقاتها مع الكوريين الشماليين".
واعتبرت الصحيفة أن زيارة بوتين ستُراقب عن كثب في واشنطن، حيث روّج مسؤولو إدارة ترامب لسياسة محاولة إبعاد موسكو عن بكين وإعادتها إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يُستبعد معظم المحللين هذه الآمال. قال كاشين: "ستظل العلاقات بين روسيا والصين وثيقة دائمًا. من المستحيل أن تنقلب روسيا على الصين، أو الصين على روسيا".
ويلتقي الزعيمان في وقت يشعر فيه كل منهما بالجرأة. فقد نجحت الصين في درء حرب تجارية مع الولايات المتحدة، التي مددت في وقت سابق من هذا الشهر هدنتها مع بكين لمدة 90 يومًا أخرى، في محاولة من واشنطن لتجنب إعادة إشعال صراع هز الأسواق العالمية في الربيع. كما استعرضت بكين قوتها بفرض ضوابط صارمة على تصدير المعادن النادرة التي هددت التصنيع الأمريكي.
كما امتنع ترامب عن التهديد بفرض عقوبات ثانوية على بكين بسبب مشترياتها من النفط الروسي، واستهدف الهند بدلاً من ذلك.
وفي غضون ذلك، تجاهلت روسيا تهديدات ترامب بفرض عقوبات ما لم توقف الحرب، متمسكةً بمطالبها ومكثفةً حملتها ضد أوكرانيا.
ومن اللافت للنظر أن إدارة ترامب لم تمارس حتى الآن ضغطًا يُذكر على شي لدفع بوتين نحو إنهاء الحرب. وقال مراقبون إنه بينما تُفضل بكين توقف القتال في أوكرانيا، إلا أنها مستعدة لتحمل الصراع طالما أنها تستطيع إعطاء الأولوية للعلاقات التجارية والدبلوماسية مع موسكو وانتزاع شروط مواتية.