ايجارات - أرشيفية
حال تصديق رئيس الجمهورية على قانون الإيجارات الاستثنائية رقم 4 لسنة 2025 وقرب دخوله حيّز التنفيذ، تتصاعد التساؤلات حول مصير بعض الأحكام الخاصة التي كانت منصوصًا عليها في القوانين الملغاة، وعلى رأسها المادة 17 من القانون 136 لسنة 1981، والتي نظّمت امتداد عقود الإيجار في حالة المستأجرين الأجانب، فهل يُلغى هذا الامتداد تلقائيًا؟ أم يظل قائمًا خلال المرحلة الانتقالية التي حددها القانون الجديد بـ7 سنوات؟
أثار الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في مصر بشأن عدم دستورية بعض مواد قانون الإيجارات القديمة تساؤلات واسعة، خاصة في ما يتعلق بمدى استفادة غير المصريين – أي الأجانب المقيمين والعاملين في مصر – من هذه التعديلات الجوهرية في بنية العلاقة الإيجارية، خاصة وأن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية استمرار العمل بالقوانين القديمة التي كانت تنظم العلاقة الإيجارية وتمنح امتيازات غير متوازنة للمستأجر على حساب المؤجّر، مما أدى إلى صدور تشريعات جديدة تنظم العلاقة بشكل أكثر عدالة وتوازنًا، خاصة فيما يتعلق بالأماكن المؤجرة لغير غرض السكن.
الأجانب بين الامتداد القانوني والفراغ التشريعي
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على حزمة من التساؤلات في ظل القانون 4 لسنة 2025، تتمثل في وضعية الأجانب بين الامتداد القانوني والفراغ التشريعي، فوفقًا لصيغة القوانين الجديدة، فإنها تطبق على جميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، دون تمييز بين المصري والأجنبي، طالما توافرت الشروط الموضوعية والقانونية للعلاقة الإيجارية، وبالتالي، فإن الأجانب المقيمين والعاملين في مصر، والذين تربطهم عقود إيجار خاضعة للنظام القديم، يمكنهم الاستفادة من المزايا التي أتاحها القانون الجديد، سواء من ناحية تحرير العلاقة الإيجارية أو إقرار حقوق جديدة في التفاوض والتجديد وتحديد القيمة الإيجارية وفقًا للواقع السوقي - بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض الدكتور حازم عبدالحاكم العيسوى.
المادة 17 الملغاة: استثناء أم قاعدة؟
نصت المادة 17 من القانون 136 لسنة 1981 على أن: "ينتهي عقد إيجار المستأجر الأجنبي بانتهاء مدة إقامته القانونية أو بوفاته، ولا يمتد العقد إلا للزوجة المصرية وأولادها منه المقيمين معه بالعين المؤجرة ولم يغادروا البلاد نهائيًا"، وقد أرست محكمة النقض مبادئ واضحة في هذا الشأن، نذكر منها:
1-الطعن رقم 2413 لسنة 52 قضائية، والصادر بجلسة 13 فبراير 1989: أكدت المحكمة أن عقد الإيجار للمستأجر الأجنبي ينتهي بانتهاء مدة إقامته القانونية، ولا يمتد إلا للزوجة المصرية وأولادها المقيمين معه، بشرط عدم مغادرتهم البلاد نهائيًا.
2-الطعن رقم 313 لسنة 56 قضائية – جلسة 28 يناير 1991: قضت المحكمة بأن انتهاء إقامة المستأجر الأجنبي يُنهي العلاقة الإيجارية بقوة القانون، ولا يُعتد بأي إجراءات لاحقة مثل تجديد الإقامة أو قبض الأجرة.
3-الطعن رقم 121 لسنة 62 قضائية – جلسة 18 أكتوبر 1995: قررت المحكمة أن المادة 17 تسري على جميع غير المصريين دون استثناء، حتى من لا يخضعون لقيود الإقامة، باعتبار أن النص جاء عامًا ومطلقًا.
4-الطعن رقم 8108 لسنة 65 قضائية: قضت المحكمة بأن قبض الأجرة بعد انتهاء إقامة المستأجر الأجنبي لا يُنشئ علاقة إيجارية جديدة، ولا يُعد قبولًا ضمنيًا بالامتداد.
5-الطعن رقم 16720 لسنة 91 قضائية، الصادر بجلسة 16 أبريل 2024: أكدت المحكمة أن الامتداد لا يسري على الورثة الأجانب، حتى لو اكتسبوا الجنسية المصرية لاحقًا.
القانون الجديد: إلغاء صريح وغموض ضمني
ينص مشروع القانون الجديد على إلغاء القانونين 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981 فور سريانه، مع منح فترة انتقالية مدتها سبع سنوات تنتهي بعدها العلاقة الإيجارية القديمة، ولكن النص لم يتعرض صراحة لحالات الامتداد الخاصة بالأجانب، ولا لمصير المادة 17 خلال هذه المرحلة.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري:
هل تُلغى آثار المادة 17 فورًا؟ أم تظل سارية لحين انتهاء المرحلة الانتقالية؟
تحليل قانوني: بين الأثر الفوري والحقوق المكتسبة
من حيث المبدأ، لا تسري القوانين بأثر رجعي، خاصة إذا كانت تمس مراكز قانونية قائمة، لكن المادة 17 تتعلق بالنظام العام، وقد اعتبرتها محكمة النقض كذلك، مما قد يبرر تطبيقها الفوري، وفي غياب نص صريح، يُحتمل أن تظل المادة 17 سارية خلال المرحلة الانتقالية، باعتبارها تنظّم وضعًا قائمًا لا يُلغى إلا بنص واضح أو بلائحة تنفيذية تفسّر ذلك.
النتيجة: فراغ تشريعي ينتظر الحسم
إن غياب معالجة صريحة لهذه الحالات في مشروع القانون الجديد يفتح الباب لاجتهادات قضائية متباينة، ويضع المستأجرين الأجانب وأسرهم في حالة من الغموض القانوني.
فهل تتدخل اللائحة التنفيذية لسد هذا الفراغ؟ أم ننتظر أول نزاع قضائي ليحسم المسألة؟
وفي الحالتين، يظل السؤال قائمًا:
هل نُشرّع من منطلق السيادة وحدها، أم نُراعي أيضًا العدالة والوضوح والاستقرار القانوني؟