السبت، 03 أكتوبر 2026 07:21 م

رئيس الوزراء: مصر تمتلك خبرة تنفيذية يمكن توظيفها بالتعاون مع الدول الأفريقية في تصميم وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة

 رئيس الوزراء: مصر تمتلك خبرة تنفيذية يمكن توظيفها بالتعاون مع الدول الأفريقية في تصميم وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة
السبت، 03 أكتوبر 2026 05:59 م
كتبت هند مختار - تصوير سليمان العطيفى
التكنولوجيا لم تعد عنصرًا تكميليًا في إدارة المدن بل أصبحت أداة لتحسين كفاءة استخدام الموارد وإدارة حركة المرور والطاقة والمياه وتحسين الخدمات الحكومية وتوفير بيانات تساعد صانع القرار على التخطيط والاستجابة بصورة أسرع وأكثر دقة
 
 
ألقى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، كلمة خلال الجلسة العامة حول المدن والتنمية العمرانية، على هامش فعاليات الدورة الأولى لمنتدى "العلمين – أفريقيا للأعمال"، المنعقد بمدينة العلمين الجديدة، بتشريف فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.
 
وفي بداية كلمته، أعرب الدكتور مصطفى مدبولي عن سعادته بالمشاركة في حوار حول مستقبل المدن والتنمية العمرانية في أفريقيا، في وقت تقف فيه المدن الأفريقية أمام تحول ديموغرافي واقتصادي غير مسبوق، يجعل من قضية التحضر إحدى أهم القضايا التي ستحدد ملامح مستقبل القارة خلال العقود المقبلة.
 
كما أشار رئيس الوزراء إلى أن القارة الأفريقية تشهد واحدًا من أسرع معدلات التحضر في العالم، ومع توقع تضاعف عدد سكان المدن الأفريقية بحلول عام 2050، فالأمر لا يتعلق بالتعامل والتصدي فقط لتحدٍ يرتبط بتوفير السكن والخدمات والبنية الأساسية، بل إننا أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الاقتصادات والمجتمعات، وجعل المدن محركات للنمو والإنتاجية والتصنيع وخلق فرص العمل.
 
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي - خلال كلمته – أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: كيف نستوعب النمو الحضري؟ وإنما كيف نحول هذا النمو إلى قوة دافعة للتنمية الشاملة والتحول الهيكلي في اقتصاداتنا؟، موضحًا أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في أن نبدأ بتغيير النظرة إلى المدينة؛ فالمدينة ليست مجرد تجمع سكاني أو مجموعة من المباني والطرق، وإنما هي منظومة اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة، تتفاعل فيها منظومات النقل والطاقة والإسكان والصناعة والخدمات والمياه والاتصالات والمساحات الخضراء، كما أن التخطيط الحضري في أفريقيا يجب أن ينتقل من التعامل مع هذه القطاعات بصورة منفصلة إلى تخطيط متكامل يضع الإنسان والاقتصاد والبيئة في قلب عملية التنمية.
 
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء أن سرعة التحضر التي تشهدها أفريقيا تفرض علينا أن نتحرك استباقيًا، وأن نتجنب النمو الحضري غير المخطط الذي يؤدي إلى اتساع الفجوات في الخدمات، وارتفاع تكاليف البنية الأساسية، وزيادة الضغوط على البيئة والموارد الطبيعية، لافتًا إلى أننا لا ننظر إلى الاستدامة باعتبارها قيدًا على التنمية، وإنما باعتبارها شرطًا لتعزيز قدرتها على الاستمرار؛ فالمدينة ـ التي لا تستطيع التعامل مع موجات الحرارة، أو الفيضانات، أو ندرة المياه، أو الضغوط على الطاقة ـ لن تكون قادرة على توفير بيئة مواتية للاستثمار والإنتاج والحياة الكريمة؛ حيث تصبح المرونة المناخية جزءًا أساسيًا من التخطيط العمراني منذ المراحل الأولى، وليس إجراءً تصحيحيًا يتم اللجوء إليه بعد وقوع الأزمات.
 
وتطرق الدكتور مصطفى مدبولي، خلال كلمته، إلى التحول الرقمي، موضحًا أن التكنولوجيا لم تعد عنصرًا تكميليًا في إدارة المدن، بل أصبحت أداة لتحسين كفاءة استخدام الموارد، وإدارة حركة المرور والطاقة والمياه، وتحسين الخدمات الحكومية، وتوفير بيانات تساعد صانع القرار على التخطيط والاستجابة بصورة أسرع وأكثر دقة.
 
وأوضح رئيس الوزراء أن مصر تنظر إلى هذه التحديات من واقع تجربة عملية ممتدة في التخطيط العمراني وإعادة توزيع التنمية على المستوى الجغرافي، مشيرًا إلى تبني مصر خلال السنوات الماضية سياسة للتوسع في إنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة، بهدف استيعاب النمو السكاني، وتخفيف الضغوط عن المدن القائمة، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية، مشيرا إلى أن هذه السياسة تأتي في إطار رؤية أوسع ترتكز كذلك على تحسين الاتصال بين المدن، وتطوير منظومة متكاملة من المدن، وتعزيز الحوكمة وإدارة الأراضي والتنمية الاقتصادية المحلية، حيث اعتمدت مصر في نهاية عام 2023 سياسة وطنية جديدة للتنمية العمرانية تقوم على هذه المحاور.
 
وفيما يتعلق بمفهوم مدن الجيل الرابع، لفت الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن هذا المفهوم أصبح جزءًا مهمًا من هذه التجربة؛ حيث لا يقتصر الهدف على إنشاء تجمعات سكنية جديدة، لكنه يستهدف بناء مدن متكاملة قادرة على استضافة الأنشطة الاقتصادية والخدمية والصناعية والسياحية، وربطها بشبكات النقل والطاقة والمرافق والاتصالات الحديثة.
 
وفي هذا الإطار، أشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن هذه التجربة تجسد مجموعة من المشروعات الكبرى التي أصبحت نماذج عملية لتكامل التخطيط العمراني مع البنية الأساسية والتنمية الاقتصادية وفي مقدمتها (العاصمة الجديدة)، بما تضمه من مكونات حكومية واقتصادية وخدمية وبنية رقمية متطورة، ومدينة "العلمين الجديدة" باعتبارها نموذجًا لمدينة متكاملة تعمل على مدار العام وتجمع بين الاستخدامات السكنية والسياحية والتعليمية والاقتصادية، ومدينة "المنصورة الجديدة"، التي تم تطويرها وفق توجهات الاستدامة وكفاءة الطاقة والتحول الرقمي والقدرة على التكيف مع المتغيرات المناخية، حيث تمثل هذه المشروعات، إلى جانب عشرات المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة، حصيلة خبرة مصرية تراكمت على مدى عقود في التخطيط والتنفيذ وتوفير المرافق والخدمات وإدارة التنمية العمرانية.
 
ولفت رئيس الوزراء إلى أن هذه الخبرة المصرية لا تقتصر على تنفيذها داخل مصر فقط، بل بدأت تمتد إلى القارة الأفريقية من خلال ما تنفذه الشركات المصرية من مشروعات كبرى للبنية الأساسية والخدمات، بما يبرهن على قدرتها على العمل في بيئات مختلفة ونقل الخبرات الفنية والإدارية إلى شركائنا الأفارقة. 
 
وساق الدكتور مصطفى مدبولي عددا من أبرز هذه النماذج مثل: مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، الذي شارك في افتتاحه نيابة عن فخامة السيد رئيس الجمهورية، والذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، إلى جانب مشروعات الطرق والجسور التي نفذتها الشركات المصرية في أوغندا، ومن بينها طريق وجسر "ساكا"، وكذلك مشروعات البنية الأساسية والطرق في غانا، التي تشمل أعمالًا نفذتها شركة المقاولون العرب، من بينها طريق "وينيبـا – تاكورادي" ومشروعات تطوير وتوسعة عدد من المنشآت الرياضية. 
 
ويرى رئيس الوزراء أن هذه الخبرات تؤكد بلا شك أن مصر لا تطرح نموذجًا نظريًا، لكنها تمتلك خبرة تنفيذية يمكن توظيفها، بالتعاون مع الدول الأفريقية، في تصميم وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة وفقًا لاحتياجات كل دولة وخصوصياتها.
 
كما شدد الدكتور مصطفى مدبولي على أن مصر مستعدة لتوسيع نطاق هذا التعاون، ليس فقط من خلال تنفيذ المشروعات، بل من خلال نقل المعرفة والخبرات في مجالات التخطيط العمراني، وتصميم المدن، وإدارة المرافق، والبنية الأساسية، والحوكمة الحضرية، وبناء القدرات الوطنية، بما يتيح للدول الأفريقية الاستفادة من التجربة المصرية وتطوير حلولها الخاصة التي تتناسب مع ظروفها وأولوياتها. 
 
كما أكد أن مصر مستعدة لنقل خبراتها في إنشاء المدن الجديدة والبنية الأساسية إلى عدد من الدول الأفريقية، بما يعكس توجهًا أوسع نحو مشاركة الخبرة المصرية مع الأشقاء في القارة، موضحًا أن التجربة المصرية تعلمنا أيضًا أن إنشاء مدينة جديدة ليس هو الهدف في حد ذاته؛ فالهدف الحقيقي هو خلق مجتمع نابض بالحياة تتوافر فيه فرص العمل والخدمات والتعليم والرعاية الصحية ووسائل النقل، وتتوافر فيه البيئة المناسبة للاستثمار والابتكار، مضيفا: ولهذا، فإن نجاح المدن الجديدة يقاس بقدرتها على التحول من مشروعات عمرانية إلى مراكز إنتاج ومعرفة وخدمات، وبقدرتها على الاندماج مع منظومة الاقتصاد الوطني والإقليمي.
 
وسرد رئيس الوزراء عددا من التحديات التي تواجه المدن الأفريقية التي من أهمها التمويل، شارحًا أن الفجوة في تمويل البنية الأساسية والإسكان والخدمات الحضرية لا يمكن للدولة وحدها أن تسدها، وهو ما يتطلب تطوير نماذج أكثر ابتكارًا للشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل التنموي والمستثمرين طويلي الأجل.
 
وفي هذا السياق، أشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أهمية توجيه جزء أكبر من رؤوس الأموال طويلة الأجل، بما في ذلك صناديق الاستثمار والمؤسسات الاستثمارية، نحو مشروعات الإسكان والبنية الأساسية الحضرية القابلة للاستدامة، مع توفير الأطر التنظيمية التي تخفض المخاطر وتزيد القدرة على جذب الاستثمار، فضلًا عن أن الاهتمام بتطوير آليات تمويل الإسكان الميسر، حتى لا يتحول النمو الحضري إلى عامل يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية أو زيادة معدلات السكن غير الرسمي.
 
وأضاف: من واقع التجربة المصرية، فإن التنمية العمرانية ارتبطت كذلك بتوسيع نطاق مشروعات الإسكان بمختلف أنواعه، مع استمرار الدولة في تنفيذ مشروعات للإسكان الاجتماعي، وتطوير خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، والتوسع في المجتمعات العمرانية الجديدة، مشيرًا إلى أنه في خطة العام المالي 2025/2026، استهدفت الحكومة المصرية إطلاق 310 آلاف وحدة سكنية جديدة، منها 285 ألف وحدة للإسكان الاجتماعي.
 
كما أوضح رئيس الوزراء أن التعاون الأفريقي في مجال التنمية العمرانية يجب أن يحتل مكانة أكبر في أجندة التعاون القاري، مشيرًا إلى أن مصر استضافت في القاهرة عام 2022 الدورة الرابعة للجنة الفنية المتخصصة للاتحاد الأفريقي المعنية بالخدمة العامة والإدارة المحلية والتنمية الحضرية واللامركزية، والتي شهدت اتخاذ قرار بإنشاء منتدى أفريقيا الحضري، ليكون منصة قارية للحوار رفيع المستوى حول مستقبل المدن الأفريقية والتحديات والفرص المرتبطة بالتحضر والتنمية العمرانية، وقد تطور المنتدى ليصبح منصة تجمع صناع السياسات والخبراء والشركاء وممثلي المدن؛ بهدف تعزيز تنفيذ أجندة 2063 وأهداف التنمية المستدامة والأجندة الحضرية الجديدة للأمم المتحدة، وتبادل الخبرات والممارسات القابلة للتطبيق بين المدن الأفريقية.
 
كما أكد الدكتور مصطفى مدبولي أن المنصة فرصة مهمة للانتقال من تبادل الخبرات إلى بناء شراكات ومشروعات مشتركة، خاصة في مجالات التخطيط الحضري، والإسكان الميسر، والمدن الذكية، وإدارة المياه، والنقل الحضري، والطاقة النظيفة، والتمويل الحضري، مؤكدًا أهمية تطوير التعاون الثنائي بين الدول الأفريقية، وتبادل الخبرات الفنية والمؤسسية، إلى جانب تعزيز التعاون متعدد الأطراف مع الاتحاد الأفريقي والمؤسسات المالية والتنموية والشركاء الدوليين.
 
وخلال كلمته، عبر رئيس الوزراء عن الاعتقاد بأن أفريقيا لا تحتاج إلى نموذج واحد للمدينة، وأنه لا ينبغي أن نسعى إلى استنساخ تجربة بعينها في جميع الدول؛ فلكل دولة ومدينة ظروفها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا على المشاركة في المبادئ والأدوات والخبرات، والتخطيط المتكامل، والاستخدام الكفء للأراضي، وربط التنمية العمرانية بالنشاط الاقتصادي، وتوفير الإسكان الميسر، وتعزيز النقل المستدام، والاستثمار في البنية الرقمية، ودمج اعتبارات المناخ والبيئة منذ البداية، مع الضمان أن تكون المدن الأفريقية مدنًا للفرص، التي تتيح للشباب العمل والابتكار وريادة الأعمال، وتوفر للمواطنين خدمات جيدة وحياة كريمة، وتمنح المستثمرين بيئة مستقرة وقابلة للنمو.
 
كما أوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن رؤية مصر تتمثل في أن تكون عملية التحضر في أفريقيا محركًا للتحول الاقتصادي، وليس مجرد نتيجة له، وأن تصبح مدننا منصات للإنتاج والتصنيع والابتكار، ومراكز لربط الأسواق، وجسورًا للتواصل بين الشعوب وللتكامل بين الاقتصادات الأفريقية.
 
واكد رئيس الوزراء أن مستقبل القارة الأفريقية سيكون في مستقبل مدنها، إذا تم استحسان التخطيط لهذا المستقبل، وتوفير التمويل المناسب، وتوظيف التكنولوجيا، بالإضافة إلى ربط التنمية العمرانية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مؤكدًا أن التحضر السريع الذي يمثل تحديًا اليوم يمكن أن يصبح واحدة من أعظم فرص القارة في القرن الحادي والعشرين.
 
وفي ختام كلمته، أكد رئيس الوزراء استعداد مصر لمواصلة تبادل الخبرات مع أشقائها الأفارقة، والعمل معهم ومع شركائها من مؤسسات التمويل والتنمية والقطاع الخاص؛ من أجل بناء مدن أكثر قدرة على الصمود، وأكثر تنافسية، وأكثر شمولًا، مدن تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، لجعل مدن أفريقيا محركات للنمو، ومن التخطيط العمراني أداة للتكامل، ومن الابتكار والتكنولوجيا وسيلة لتحسين حياة شعوبنا، ومن تعاوننا المشترك أساسًا لمدن أفريقية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

الأكثر قراءة



print