** تخزين الكهرباء وتطوير الشبكات الذكية ركيزتان لاستيعاب الطاقة المتجددة وضمان استقرار الإمدادات
** كفاءة استخدام الطاقة تسهم في خفض تكلفة الإمدادات وتوفير قدرات إضافية لدعم التوسع الصناعي
أكد الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، أن مفهوم أمن الطاقة في مصر يشهد تحولًا استراتيجيًا يتجاوز تأمين الاحتياجات المحلية من الكهرباء، ليشمل تنويع مصادر الإنتاج، ورفع كفاءة الاستهلاك، وتطوير الشبكات، والتوسع في تكنولوجيات التخزين، وتعزيز الربط الكهربائي مع دول الجوار، بما يدعم تنافسية الاقتصاد المصري ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي لتبادل الطاقة.
جاء ذلك في مقال رأي للوزير نشره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، ضمن العدد الثامن من دوريته نصف السنوية «آفاق الطاقة»، استعرض خلاله ثمانية محاور رئيسية لتعزيز أمن الطاقة المصري، في إطار استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة.
وأوضح الوزير أن مصر تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى نحو ٤٥٪ بحلول عام ٢٠٢٨، بدلًا من المستهدف السابق البالغ ٤٢٪ بحلول عام ٢٠٣٠، بالتوازي مع تحديث استراتيجية الطاقة حتى عام ٢٠٤٠، بالتنسيق مع وزارة البترول والثروة المعدنية.
وأشار إلى أن هذا التحول يستهدف تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والمازوت في توليد الكهرباء، والحد من التأثر بتقلبات أسعار الوقود العالمية، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، لافتًا إلى أهمية مشروعات الطاقة الشمسية في بنبان بأسوان، وطاقة الرياح في خليج السويس ورأس غارب، باعتبارها نماذج للتوسع في مصادر الطاقة النظيفة.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية، أكد الوزير أن ضمان أمن الطاقة لا يتوقف على زيادة قدرات التوليد، وإنما يتطلب شبكة كهربائية قوية ومرنة قادرة على نقل الطاقة وتوزيعها بكفاءة. وأوضح أن الدولة استثمرت مئات المليارات من الجنيهات في تحديث شبكات النقل والتوزيع، وإنشاء محطات المحولات وخطوط نقل الكهرباء، إلى جانب الاستمرار في الدراسات اللازمة لتطوير الشبكة القومية.
وحول تحول مصر إلى مركز إقليمي لتبادل الطاقة، أوضح الوزير أن مشروعات الربط الكهربائي تمثل أحد المحاور الاستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، وفي مقدمتها مشروع الربط مع اليونان (GREGY)، الذي يستهدف فتح آفاق لتصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، ومشروع الربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية بقدرة تبادل تصل إلى ٣٠٠٠ ميجاوات، فضلًا عن تعزيز الربط مع الأردن والعراق، ودعم التعاون الكهربائي مع دول القارة الإفريقية.
وأشار إلى أن هذه المشروعات تستهدف توسيع فرص تبادل الكهرباء بين الدول، والاستفادة من اختلاف أوقات الذروة وتنوع مصادر الإنتاج، بما يعزز كفاءة استخدام القدرات المتاحة ويدعم التكامل الإقليمي في مجال الطاقة.
وفي محور التحول التكنولوجي، أكد الوزير أن الانتقال إلى الشبكات الذكية أصبح ضرورة لضمان استقرار الإمدادات، موضحًا أن مصر تعمل على تطوير مراكز التحكم القومية والإقليمية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التنبؤ بالطلب وإدارة تدفقات الكهرباء.
كما أشار إلى أهمية دمج مصادر الطاقة الموزعة، مثل الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل والمصانع، بما يتيح للمستهلك أن يصبح منتجًا للكهرباء في الوقت نفسه، وهو ما يتطلب تطوير البنية الرقمية للشبكات لاستيعاب تدفقات الطاقة في الاتجاهين.
وفيما يتعلق بالطاقة النووية، أوضح الوزير أن مشروع محطة الضبعة، الذي يضم أربع مفاعلات بقدرة إجمالية تبلغ ٤٨٠٠ ميجاوات، يمثل أحد المكونات المهمة لتنويع مزيج الطاقة، من خلال توفير مصدر مستقر ومستمر للكهرباء منخفضة الانبعاثات، بما يدعم تكامل مصادر التوليد المختلفة ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وأضاف أن المشروع يسهم كذلك في نقل التكنولوجيا النووية السلمية وبناء القدرات البشرية المصرية في المجالات الهندسية والفنية المتخصصة.
وفي محور الاستثمار، أكد الوزير أهمية توسيع مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة، مشيرًا إلى دور التشريعات المنظمة للقطاع ونموذج البناء والتملك والتشغيل (BOO) في جذب الاستثمارات، وإتاحة إضافة قدرات إنتاجية جديدة دون تحمل الموازنة العامة كامل التكلفة الرأسمالية الأولية لهذه المشروعات.
ولفت إلى أهمية التعاون مع المؤسسات التمويلية الدولية، وفي مقدمتها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية، في دعم الاستثمارات والتحول نحو الطاقة النظيفة.
وشدد الوزير على أن تحسين كفاءة استخدام الطاقة يمثل أحد أكثر المسارات أهمية لتعزيز أمن الإمدادات وخفض التكلفة، موضحًا أن ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الأجهزة والمعدات والتوسع في الإضاءة الموفرة للطاقة يمكن أن يحد من نمو الطلب على الكهرباء، ويقلل الحاجة إلى إنشاء قدرات توليد إضافية، بما يتيح توجيه موارد أكبر لدعم النشاط الصناعي.
وأشار إلى أن تحسين كفاءة الطاقة لا يقتصر على خفض الاستهلاك، بل يمتد أثره إلى تعزيز تنافسية الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، وفي مقدمتها الحديد والصلب والألومنيوم، من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
وفي محور الآفاق المستقبلية، أكد الوزير أن تخزين الكهرباء يمثل أحد التحديات الرئيسية التي تعمل مصر على مواجهتها خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع التوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية والرياح، اللتين تتسمان بتغير الإنتاج وفقًا للظروف الطبيعية.
وأوضح أن تكنولوجيات التخزين تتيح الاستفادة من فائض الكهرباء في أوقات انخفاض الطلب، وإعادة ضخها إلى الشبكة خلال فترات الذروة، مشيرًا إلى مشروع محطة جبل عتاقة للضخ والتخزين، إلى جانب دراسة التوسع في استخدام أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS)، بما يعزز مرونة الشبكة واستقرارها وقدرتها على استيعاب المزيد من الطاقة المتجددة.
واختتم الدكتور محمود عصمت مقاله بالتأكيد على أن مسيرة مصر نحو تأمين الطاقة المستدامة عملية مستمرة ومتطورة؛ فبعد التوسع في بناء البنية التحتية وقدرات التوليد، تتجه المرحلة الحالية نحو تعظيم كفاءة المنظومة، وتنويع مصادر الإنتاج، وتطوير الشبكات وتكنولوجيات التخزين، بما يدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر ويعزز قدرة قطاع الكهرباء على تلبية احتياجات التنمية الاقتصادية والصناعية.
وأكد أن أمن الطاقة الكهربائية لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما يعد أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز مكانة مصر في أسواق الطاقة الإقليمية والدولية.