التقى اليوم الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب، وذلك في مقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، بحضور المستشار هاني حنا، وزير شئون المجالس النيابية، في أول لقاء بهم بعد انطلاق الفصل التشريعي الثالث للمجلس.
وفي مستهل اللقاء، رحب رئيس مجلس الوزراء بالسادة رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب، مُوجهاً لهم التهنئة بمناسبة شهر رمضان المُبارك، وبدء دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث للمجلس، وكذا انتخابهم لرئاسة اللجان النوعية، مُعربًا عن تمنياته لهم بالتوفيق في المُهام الموكلة إليهم.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي أن لقاء اليوم يأتي اتصالاً بنهج مجلس الوزراء القائم على مد جسور التعاون والتفاعل الدائم مع مجلس النواب، للتشارك دوماً في طرح ومُناقشة أهم القضايا التي تشغل الرأي العام وترتبط بمصالح الدولة المصرية، خاصة في خضم الأحداث المتلاحقة التي تشهدها المنطقة ككل، مُعتبراً أن هذا اللقاء فرصة أيضا للاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم بشأن العديد من الملفات والقضايا.
وعبَّر رئيس الوزراء عن خالص تقديره للدور المهم الذي يقوم به مجلس النواب، والتطلع للعمل على تنويع وتطوير أطر التواصل والتنسيق مع المجلس خلال الفترة المقبلة، في إطار من تعزيز التكامل المؤسسي والشراكة الإيجابية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والعمل على إعلاء مصالح الوطن وتلبية تطلعات المواطنين.
واتصالاً بذلك، أكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة تتابع بشكل دقيق المناقشات الجارية داخل جلسات واجتماعات اللجان النوعية بمجلس النواب حول مختلف التشريعات، وكذا الأدوات الرقابية التي يُقدمها السادة النواب، مُعرباً عن التقدير للدور المحوري الذي تلعبه اللجان النوعية بصفتها مركز صنع التشريعات والقوانين قبل مناقشتها في الجلسات العامة، ومشيراً إلى انفتاح الحكومة على كُلِ ما يطرحه مجلس النواب من مُقترحاتٍ وتوصياتٍ تحقق صالح الوطن وتخدم المواطنين.
ولفت رئيس الوزراء إلى أنه تم توجيه الوزراء والمحافظين كافة بتعزيز التواصل مع البرلمان والرد على طلبات السادة النواب، والالتزام بحضور الجلسات العامة واجتماعات اللجان النوعية بما يضمن إثراء النقاشات وتحقيق الاتساق مع السياسة العامة للدولة، مؤكداً استعداد الحكومة للمناقشة والرد على ما يطرحه السادة النواب بمنتهى الموضوعية والشفافية.
وخلال اللقاء، أكد رئيس الوزراء أن هذا اللقاء يتزامن مع حالة التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة وما تنطوي عليها من مخاطر اتساع دائرة الصراع، مشيراً إلى أننا أمام فترة دقيقة، تتطلب بالفعل التنسيق والعمل المشترك، وتكامل الجهود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، في ظل اصطفاف وطني خلف القيادة السياسية، بما يعزز قدرة الدولة المصرية وصلابتها في مواجهة التداعيات الاقتصادية والأمنية المُحتملة للأزمة الراهنة.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى مُحددات الموقف المصري الحكيم الذي عبر عنه فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، في كلمته الأخيرة.
واستعرض رئيس الوزراء أبرز الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للتعامل مع الموقف الراهن، والتي تضمنت عقد اجتماعات بمشاركة الوزارات والجهات المعنية لمتابعة تأثيرات الأزمة على الاقتصاد المصري، واتخاذ الإجراءات الضرورية للتعامل معها في ضوء السيناريوهات والخطط المعدة مسبقاً للتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية الطارئة، مع تفعيل وتنشيط غرفة الأزمات بمجلس الوزراء لمتابعة مستجدات الموقف بشكل لحظي بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية، إلى جانب متابعة موقف المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية والتأكد من أنها في الحدود الآمنة فضلاً عن مراقبة الأسعار وعدم السماح بأي ممارسات احتكارية، وكذا التأكد من استقرار الاحتياطات من المواد البترولية وانتظام تأمين الإمداد في ضوء السيناريوهات المعدة مسبقاً لتعزيز الجاهزية ودعم سرعة الاستجابة لأى متغيرات، فضلاً عن مراجعة موقف انتظام الشبكة القومية للكهرباء وتأمين إمدادات المحطات من الغاز الطبيعي مع وجود خطط لضمان استقرار التيار الكهربائي لمختلف الاستخدامات، بالإضافة إلى ذلك قامت وزارة الخارجية بتشكيل خلية عمل بالقطاع القنصلي لمتابعة أوضاع الجاليات المصرية المتواجدة بدول المنطقة المتضررة من التصعيد العسكري، وكذا متابعة وزارة الطيران المدني لتأثر حركة الملاحة الجوية بالوضع الراهن ورفع درجة الاستعداد بكافة المطارات والحفاظ على معدلات السلامة والكفاءة التشغيلية.
وفي سياق آخر، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، التزام الحكومة بتنفيذ تكليفات السيد رئيس الجمهورية الواردة في خطاب التكليف للحكومة بتشكيلها المُعدل والتي تمثل الركيزة الأساسية لأولويات أجندة عمل الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وفى مقدمتها الاستمرار في تنفيذ محاور التكليف الرئاسي الصادر عند تشكيل الحكومة في يوليو 2024 والمتمثلة في "الأمن القومي والسياسة الخارجية"، و"التنمية الاقتصادية"، و "الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي"، و "المجتمع وبناء الإنسان"، مع وضع خطط عمل لكل وزارة تتضمن المستهدفات والإجراءات ومدة التنفيذ والتمويل ومؤشرات قياس الأداء، والمتابعة الدورية والدقيقة لها.
واستعرض الدكتور مصطفى مدبولي أمام رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب، أبرز مؤشرات الوضع الاقتصادي الراهن، مُشيراً إلى أن الاقتصاد المصري سجل أعلى معدل نمو بلغ (5.3%) خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري وهى الزيادة الأكبر منذ الربع الثالث للعام المالي (2021-2022)، وذلك بالرغم من وجود تحديات دولية وإقليمية غير مسبوقة؛ مضيفاً أن ركائز مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026-2027 تتمثل في تعميق الشراكة القائمة مع مجتمع الأعمال بما يسهم في تعزيز الثقة، إلى جانب تحقيق التوازن بين زيادة معدلات النمو وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني والحفاظ على الانضباط المالي، وتطبيق استراتيجية متكاملة لاستدامة المالية العامة وتحسين مؤشرات المديونية، فضلاً عن خلق حيز مالي موجه لتعزيز الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية وتحسين مستويات المعيشة.
كما تطرق رئيس الوزراء خلال اللقاء إلى أبرز محاور حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة التي وجه فخامة السيد رئيس الجمهورية بتنفيذها بشكل عاجل، مشيراً إلى أن تكلفة الحزمة المقرر تنفيذها حتى نهاية العام المالي الحالي تقدر بحوالي 40 مليار جنيه تم تدبيرها من فوائض مالية حققتها الحكومة، بما يُؤكد نجاحها في جني ثمار الإصلاح الاقتصادي وتعزيز شعور المواطن المصري بمردود تلك السياسات.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن الحزمة المُرتقبة تتضمن بنداً يستهدف تسريع وتيرة العمل وإنجاز مشروعات المبادرة الرئاسية حياة كريمة بمبلغ 15 مليار جنيه، بما يعزز ما تمثله تلك المبادرة من أولوية قصوى للدولة المصرية، كأحد أهم المشروعات القومية التي تم تنفيذها بتوجيه ومتابعة من السيد رئيس الجمهورية، وتستهدف تحسين مستوى المعيشة لأكثر من 60 مليون مواطن من قاطني الريف المصري في أكثر من 4500 قرية، مضيفاً أنه جرت دراسة وحصر كافة التحديات التي واجهت تنفيذ المرحلة الأولى من المبادرة، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتلافى تلك المعوقات خلال تنفيذ المراحل التالية من المبادرة.
وخلال اللقاء، أعرب رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب عن ثقتهم البالغة في حكمة القيادة السياسية وقدرتها على إدارة المواقف الخارجية بهدف حماية مصر من الانزلاق إلى أي مواقف تؤثر سلباً على الدولة المصرية واستقرارها، مثمنين الرؤية الاستراتيجية في الحفاظ على ثوابت الأمن القومي.
كما أشاد الحضور بحزمة "الحماية الاجتماعية" التي وجه بها فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، مؤخراً، مؤكدين كذلك على الأهمية القصوى للمبادرة الرئاسية "حياة كريمة" وضرورة استمرار الحكومة في توفير التمويل اللازم لها؛ كونها تمثل حلاً جوهرياً للعديد من المشكلات المزمنة وتخدم قطاعاً عريضاً من المواطنين.
وعلى صعيد الملفات المحلية، استعرض رؤساء اللجان عدداً من القضايا ذات الأولوية في دوائرهم الانتخابية، لاسيما في القرى، وفي مقدمتها ملفا التصالح في مخالفات البناء وتقنين وضع اليد على أملاك الدولة؛ مؤكدين ضرورة التنسيق المشترك للوصول إلى حلول جذرية لهذه المشكلات.
كما أشاروا إلى أهمية تعزيز الشراكة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على المستوى المحلي، من خلال إيلاء عناية خاصة بتعزيز قدرات المحافظين الجدد ونوابهم على التواصل الفعال مع أعضاء البرلمان؛ باعتبارهم حلقة الوصل المُباشرة لنقل تطلعات ومطالب المواطنين، مؤكدين أن التنسيق في هذا الشأن يسهم في تذليل العقبات الميدانية وتسريع وتيرة حل المشكلات الجماهيرية التي تواجههم في بعض الأحيان.
وفي سياق متصل، طالب رؤساء اللجان بتكثيف الرقابة على الأسواق خلال هذه الفترة، لاسيما في ظل التحديات الراهنة؛ مؤكدين أنه على الرغم من انتهاج الدولة لسياسة الاقتصاد الحر، إلا أن الدور الرقابي للأجهزة المعنية يبقى ضرورة قصوى، كما أن تدخل الدولة في أوقات الأزمات يعد واجباً لضبط الأسواق وحماية المستهلك.
كما دعوا إلى توجيه الاستثمارات اللازمة وتوفير التمويل المطلوب لرفع كفاءة الطرق الداخلية واستكمال مشروعات البنية التحتية بالمحافظات؛ بما يضمن تعزيز جودة الحياة ودعم حركة التنمية المحلية.
وفيما يخص قطاع الطاقة، أكد رؤساء اللجان الحضور أهمية إدراج عددٍ من المحاور الحيوية ضمن أولويات العمل، وفي مقدمتها تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، وتحسين كفاءة الطاقة، ومواصلة الجهود لتقليل الفقد في الشبكات.
كما أشادوا بالخطوات الاستباقية التي اتخذتها الدولة في ملفي الأمن الغذائي والمائي، لاسيما الجهود المبذولة في إنشاء صوامع التخزين التي ساهمت في تأمين وزيادة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وهو ما ظهر جلياً في ظل الأزمة الحالية.
كما أكد رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب أهمية وضع ملفي السياحة والطيران المدني على أجندة الأولويات، والتعامل المرن مع أي مُستجدات تطرأ في هذا الصدد، مع المطالبة بتفعيل منظومة متكاملة لـقياس الأثر التشريعي والاجتماعي للقوانين والقرارات الصادرة؛ لتقييم مدى فاعليتها وتحديد ما إذا كانت تتطلب تعديلات لمواكبة الواقع الفعلي.
وفي ملف التعليم، أشاروا إلى أهمية تحقيق التكامل والترابط بين وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، مع ضرورة تقييم التوسع في أنماط التعليم قبل الجامعي بحيث يتم إجراء تقييم مستمر للنماذج التعليمية المطبقة حالياً لضمان جودة المخرجات.
كما طالب رؤساء اللجان الحضور بضرورة تعزيز الاهتمام الخاص من جانب الحكومة لتوفير رعاية فائقة لذوي الهمم والأسر الأكثر احتياجاً، لاسيما في أوقات الأزمات، مع التركيز على دعم المشروعات متناهية الصغر التي تستفيد منها هذه الأسر وتمثل ركيزة أساسية لدخلها.
وأكد رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب، فاعلية نهج المصارحة والمكاشفة الذي تتبعه الحكومة مع المواطنين، خاصة في أوقات الأزمات، مثلما يحدث حالياً في ظل التصعيد العسكري الراهن، ومن ثم أشاروا إلى أهمية المؤتمرات الصحفية التي يحرص رئيس الوزراء على انتظام عقدها لاطلاع الرأي العام على المستجدات والبرامج المختلفة.
وأكدوا أهمية تداول المعلومات المختلفة، واتاحتها، كما عرضوا بعض الملفات الثقافية الملحة، ومن بينها ضرورة الاهتمام بإعادة إحياء قصور الثقافة نظراً لدورها المهم.
وفي نهاية مداخلاتهم، أعرب رؤساء اللجان عن خالص شكرهم وتقديرهم لرئيس مجلس الوزراء على توجيهاته الصادرة للوزراء بضرورة الالتزام بحضور اجتماعات اللجان النوعية والجلسات العامة بمجلس النواب؛ وهو ما يعكس حرص الحكومة على تعزيز التعاون البناء مع السلطة التشريعية، وتفعيل آليات الرقابة والمُتابعة بما يخدم الصالح العام.
وفي ختام الاجتماع، عقَّبَ الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، على مداخلات رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب، والتي وصفها بالمُثمرة، مؤكداً أن الحكومة منفتحة على أي مقترحات واقعية تنهي مشكلة التصالح في مخالفات البناء، ومشدداً: "نريد غلق هذا الملف نهائياً، وحل المشكلات السابقة، لكن أي تعدٍ جديد لن نسمح به".
وأشار رئيس الوزراء إلى توافقه مع ما تم طرحه من مقترحات لأن تكون هناك آلية لقياس أثر القوانين، وترحيبه بمراجعة أي متطلبات في هذا الشأن.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي، أن هناك تكليفات لكل المسئولين بتكثيف الرقابة على الأسواق، مشدداً على أن الحكومة لن تسمح باحتكار أي سلعة، والدولة ستتدخل بآلياتها، فما يشغل الحكومة أولاً وأخيراً هو المواطن، وأي شبهة لممارسة احتكارية ستواجه بتدخلات حاسمة.
كما أجاب الدكتور مصطفى مدبولي عن عددٍ من الأسئلة والمطالب التي طرحها رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب خلال الاجتماع، مشيراً إلى أن ما تم طرحه في مجمله يرتبط بملفات مهمة، وأن هذه الملفات ستشهد تعاوناً وتنسيقاً فاعلين بين الحكومة ومجلس النواب.