الجمعة، 06 نوفمبر 2026 07:36 م

مخاطر الألعاب الإلكترونية فى خطبة الجمعة.. الأوقاف: الأصل فيها الإباحة إلا إذا أدت إلى إخراج الصلاة عن وقتها أو تضييع حقوق الوالدين أو الإخلال بالواجبات الدراسية والمهنية

مخاطر الألعاب الإلكترونية فى خطبة الجمعة.. الأوقاف: الأصل فيها الإباحة إلا إذا أدت إلى إخراج الصلاة عن وقتها أو تضييع حقوق الوالدين أو الإخلال بالواجبات الدراسية والمهنية خطبة الجمعة - صورة أرشيفية
الجمعة، 06 نوفمبر 2026 01:30 م
كتب لؤى على
حددت وزارة الاوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة عن مخاطر الألعاب الإلكترونية، موضحة يمثل الوقت رأس مال الإنسان في هذه الحياة، ووعاء أعماله ومسؤوليته، ومن أخطر آثار الإفراط في الألعاب الإلكترونية أن تستنزف الساعات الطويلة من أعمار الشباب والناشئة دون نفع معتبر، حتى ينساق اللاعب وراء جولات متتابعة لا يشعر معها بانقضاء الوقت، فيؤخر الصلاة، أو يهمل دراسته، أو يقصر في حقوق والديه وأسرته ومجتمعه، أو يعطل مصالحه وأعماله، وهنا تتحول وسيلة الترويح من نشاط مباح إلى سلوك مذموم، وقد تبلغ الحرمة إذا أفضت إلى تضييع واجب شرعي أو حق متعيَّن.
 
وقد حذّر القرآن الكريم من الغفلة عن الآخرة والانشغال باللهو عن مقتضيات الإيمان والعمل، فقال تعالى: { ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِی غَفۡلَةࣲ مُّعۡرِضُونَ ۝ مَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ} [الأنبياء: ١-٢]، وقال سبحانه في وصف أهل الإيمان: { رِجَالࣱ لَّا تُلۡهِیهِمۡ تِجَٰرَةࣱ وَلَا بَیۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِیتَاۤءِ ٱلزَّكَوٰةِ} [النور: ٣٧]، فإذا كانت التجارة، على ما فيها من مصالح ومنافع، لا ينبغي أن تشغل عن الصلاة وذكر الله، فإن اللهو أولى بألا يطغى عليهما.
 
وفي السنة النبوية، نبّه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قيمة الوقت وخطورة التفريط فيه، فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [رواه البخاري]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه...» [رواه الترمذي]، وفي ذلك تذكير بأن العمر أمانة، وأن الإنسان مسؤول عن توجيه وقته فيما ينفعه، لا أن يتركه يتبدد في عادات تستولي على إرادته.
 
وقد أكدت دار الإفتاء المصرية في فتواها المعنونة بـ: «ضوابط شرعية في الألعاب الإلكترونية الترفيهية المباحة» أن الأصل في الألعاب الإباحة ما لم تشتمل على محظور شرعي أو تُفْضِ إلى تضييع الواجبات والحقوق، وبناءً على ذلك، فإن إباحة اللعب لا تعني إطلاقه بلا حدود؛ فإذا أدى إلى إخراج الصلاة عن وقتها، أو تضييع حقوق الوالدين، أو الإخلال بالواجبات الدراسية والمهنية، لم يعد مجرد ترويح مباح، بل يُمنع بقدر ما يترتب عليه من مخالفة أو ضرر.
 
وقد صنفت منظمة الصحة العالمية هذا النمط بأنه مرض اضطراب الألعاب وعرَّفته بأنه نمط من سلوك الألعاب "الألعاب الرقمية" يتميز بضعف السيطرة على الألعاب، وزيادة الأولوية المعطاة للألعاب على الأنشطة الأخرى إلى الحد الذي تصبح فيه الألعاب لها الأولوية على الاهتمامات الأخرى والأنشطة اليومية، واستمرار الألعاب أو تصعيدها على الرغم من حدوث عواقب سلبية.
 
الإدمان الرقمي واستلاب العقل والصحة النفسية
يُعدُّ حفظ العقل من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية؛ إذ به يفهم الإنسان الخطاب، ويميز بين النافع والضار، ويدرك عواقب أفعاله، ويؤدي ما كُلِّف به من مسؤوليات، وإذا كانت الشريعة قد حرمت المسكرات لما تحدثه من تغييب العقل وإفساد الإدراك، فإنها كذلك تدعو إلى صيانة القدرات الذهنية والنفسية من كل ما يلحق بها ضررًا معتبرًا، أو يعطل الإنسان عن أداء واجباته وممارسة حياته على وجه متوازن.
 
وفي البيئة الرقمية، قد تتجاوز بعض الألعاب الإلكترونية حدود الترفيه المعتدل، فتستحوذ على انتباه اللاعب، وتدفعه إلى مواصلة اللعب رغم التعب أو الضرر، وتجعله يجد صعوبة في التوقف أو التحكم في الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، وتستعين بعض الألعاب بآليات تحفيزية، مثل المكافآت المتتابعة والتعزيز غير المنتظم والمنافسة المستمرة، لتشجيع المستخدم على العودة إليها مرارًا، ولا يعني ذلك أن جميع الألعاب تسبب الإدمان، أو أن آثارها تماثل بالضرورة آثار الإدمان على المواد المخدرة؛ وإنما تكمن الخطورة في تحوُّل اللعب لدى بعض الأشخاص إلى سلوك قهري يضر بصحتهم النفسية، ويضعف قدرتهم على إدارة حياتهم.
 
ومن هنا، فإن حماية العقل في العصر الرقمي لا تقتصر على تجنب ما يغيّبه، بل تشمل أيضًا صيانة الانتباه، وضبط الرغبات، والمحافظة على التوازن النفسي، وعدم الاستسلام للعادات التي تنتقص من حرية الاختيار والقدرة على التحكم في السلوك.
 
نهى الله تعالى عن إلقاء النفس في أسباب الهلاك والضرر، فقال سبحانه: {وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ} [البقرة: ١٩٥]، والآية أصل في اجتناب أسباب الضرر، ويُستأنس بها في التحذير من الممارسات التي يثبت ضررها على الإنسان، متى تحولت من الترفيه المباح إلى سلوك يهدد صحته أو يعطل مصالحه الأساسية.
 
كما ذمَّ الله تعالى الغفلة وتعطيل مدارك الفهم والاعتبار، فقال سبحانه: { وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} [الأعراف: ١٧٩].
 
وفي السنة النبوية، أرشد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوة الإرادة وحسن توجيه الطاقة، فقال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» [رواه مسلم].
 
ومن مقتضى هذه الهداية أن يتعلم الإنسان ضبط رغباته، وألا يجعل متعته العاجلة مقدمة على صحته ومصالحه، وأن يطلب الترويح الذي يجدد نشاطه، لا الذي يستنزف طاقته ويضعف قدرته على ممارسة حياته بصورة متوازنة.
 
وقد أشار أحد مراكز معلومات التكنولوجيا الحيوية في دراسة حول تأثير إدمان الألعاب على الصحة النفسية والاجتماعية، إلى تأثير إدمان الألعاب على الدماغ والوظائف المعرفية، بحيث يتسبب في انخفاض عمليات التعلم ومهاراته، وضعف الذاكرة العاملة، خاصة لدى محترفي ألعاب إطلاق النار وألعاب تقمص الأدوار (وخاصة البصرية المكانية)، فضلا عن النشاط الدماغي المفرط، الذي يظهر خلال اللعب وهو ما يستنزف القوى العقلية، حيث يُظهر دماغ المدمن نشاطًا زائدًا في مناطق مسؤولة عن اتخاذ القرار، معالجة المكافآت، الانتباه، والتنظيم العاطفي والحركي.
 
الأضرار الجسدية وإرهاق البدن
جعلت الشريعة الإسلامية حفظ النفس وصيانة البدن من مقاصدها الكبرى، فالإنسان ليس مأذونًا له في إهمال جسده أو تعريضه للضرر، بل هو مسؤول عن رعايته والقيام بحقوقه، ومن ثمَّ، فإن الإفراط في ممارسة الألعاب الإلكترونية، وما يصاحبه من جلوس طويل أمام الشاشات، وسهر متكرر، وقلة في الحركة، قد يفضي إلى اضطراب النوم، وإجهاد العينين، وآلام الرقبة والظهر، فضلًا عن تقليل النشاط البدني اللازم لصحة الإنسان، وتزداد الخطورة حين تتحول هذه الممارسات إلى نمط يومي مستمر يؤثر في سلامة البدن وجودة الحياة.
 
وقد أرشد القرآن الكريم إلى ما أودعه الله في نظام الحياة من توازن بين السكون والحركة، والراحة والعمل، فقال سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِبَاسࣰا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتࣰا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورࣰا} [الفرقان: ٤٧]، فالليل للسكن والراحة، والنوم ضرورة لاستعادة البدن نشاطه، والنهار مجال للسعي والعمل، ومن ثمَّ، فإن اتخاذ اللعب الإلكتروني سببًا للسهر المتكرر والإخلال بالنوم ينافي التوازن الذي يحتاج إليه الإنسان في حياته، ويعرّض صحته لأضرار يمكن الوقاية منها.
 
وأرسى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعدة عظيمة في دفع الضرر، فقال: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه ابن ماجه]، وهو أصل من أصول الأحكام الشرعية.
 
كما أكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق البدن والعين في الراحة والرعاية، فقال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «إنَّ لجسدك عليك حقًّا، وإنَّ لعينيك عليك حقًّا، وإنَّ لزوجك عليك حقًّا» [رواه البخاري]، فإذا كان الشرع قد راعى حق البدن والعين، حتى لا ينهك الإنسان نفسه في العبادة النافلة، فمن باب أولى ألا يفرط في صحته، أو يستنزف طاقته في لهو يتجاوز حد الاعتدال.
 
وقد اعتنى الفقهاء بقاعدة «الضرر يزال»، وهي من القواعد الفقهية الكبرى المستندة إلى نصوص الشريعة ومقاصدها، وقرروا بها وجوب دفع الضرر بحسب الإمكان، ومنع الممارسات التي يثبت ضررها على النفس أو الغير.
 
وقد بيَّن الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" أن الشريعة قائمة على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وأن الأحكام الشرعية تدور مع ما يترتب على الأفعال من مصالح ومضار معتبرة، ويقتضي هذا النظر ألا تُقدَّم متعة عابرة على سلامة البدن متى ثبت أن الإفراط فيها يلحق به ضررًا معتبرًا.
 
كما تناول الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله قاعدة «الضرر يزال» في كتابه "الأشباه والنظائر"، وبيَّن مكانتها واتساع تطبيقاتها في أبواب الفقه، وهي قاعدة تصلح أصلًا في معالجة الإفراط في الألعاب الإلكترونية، حين يؤدي إلى أضرار صحية يمكن تجنبها، أو يفضي إلى الإخلال بحقوق الإنسان الأساسية.
 
وترصد الأبحاث الطبية طيفًا واسعًا من الإصابات البدنية والاضطرابات الفسيولوجية الناتجة عن الإدمان الرقمي؛ منها:
 
تدمير جودة النوم واضطراب الساعة البيولوجية، فقد أظهرت دراسة ميدانية منشورة عام ٢٠٢٤ في مجلة (PMC) أُجريت على طلاب الطب لقياس علاقة إدمان ألعاب الفيديو بجودة النوم أن ٩٢% من المفرطين في الألعاب الإلكترونية يعانون من سوء جودة النوم (مقارنة بغير المدمنين)، مع ارتفاع ذلك إحصائيًا في زمن كمون النوم (صعوبة الدخول في النوم)، وزيادة الاعتماد على الأدوية المنومة، والخلل الوظيفي النهاري، كما أثبتت مراجعة منهجية "وتحليل تلوي" [وهو أسلوب إحصائي يُستخدم لجمع نتائج عدة دراسات علمية تناولت سؤالًا بحثيًا واحدًا أو موضوعًا متشابهًا، ثم تحليلها معًا للوصول إلى نتيجة أكثر دقة وشمولًا من نتائج كل دراسة على حدة] حول اللعب الإشكالي والنوم أن التعرض المستمر للضوء الأزرق والاستثارة العصبية قبل النوم يقللان من مدة النوم وكفاءته ويرفعان معدلات الأرق المزمن.
 
الإصابات العضلية الهيكلية وإجهاد العيون: وقد وثّقت الأبحاث الطبية المنشورة في PMC عام ٢٠٢٦ ارتباط إدمان الألعاب بانخفاض النشاط البدني، وإهمال النظافة الشخصية، والإصابة بآلام الظهر والرقبة المزمنة، وإجهاد العين الرقمي (Computer Vision Syndrome)، ومتلازمة النفق الرسغي (Carpal Tunnel Syndrome) جراء الاستخدام المتكرر لوحدات التحكم ولوحات المفاتيح
ولا يعني ذلك أن كل جلوس طويل أمام الشاشة يوجب التحريم، أو أن جميع الألعاب الإلكترونية تضر بالبدن؛ وإنما يتحدد الحكم بحسب مقدار الاستخدام، وطبيعة الضرر، ودرجة ثبوته، وما يترتب عليه من آثار، فإذا غلب على الظن وقوع ضرر معتبر، وجب اتخاذ الأسباب اللازمة لدفعه، وكان الاستمرار في السلوك المؤذي مخالفًا لمقصد الشريعة في حفظ النفس وصيانة البدن.
 
استنزاف المال والمخاطرة به في الألعاب الإلكترونية
يُعدُّ حفظ المال من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية؛ إذ اعتنت بصيانته من الضياع والتبذير، وحرَّمت اكتسابه أو استهلاكه بطرق تقوم على الباطل أو الظلم أو المخاطرة المحرمة، وفي ظل التطور المتسارع لصناعة الألعاب الإلكترونية، لم تعد المخاطر المالية مقتصرة على شراء الأجهزة والبرامج، بل ظهرت أنماط متعددة للإنفاق داخل الألعاب، من أبرزها المشتريات الدقيقة، وصناديق الغنائم أو الحظ (Loot Boxes)، التي يدفع اللاعب - من خلالها - مالًا حقيقيًّا للحصول على مكافأة عشوائية لا يعرف حقيقتها أو قيمتها قبل فتح الصندوق.
 
وتكمن الخطورة في أن هذه الآليات قد تدفع اللاعب إلى تكرار الدفع أملًا في الحصول على عنصر نادر أو مكافأة مرغوبة، فينفق مبالغ متزايدة دون أن يدرك حجم ما أنفقه، أو يواصل الشراء لتعويض ما دفعه من قبل، وقد يتجاوز إنفاقه قدرته المالية، ولا سيما لدى الأطفال والناشئة الذين لم تكتمل لديهم مهارات ضبط الرغبات وإدارة المال.
 
وقد حرَّم الله تعالى الميسر تحريمًا قاطعًا، وجعله قرينًا للخمر والأنصاب والأزلام، فقال سبحانه: {یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَیۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسࣱ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّیۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ۝ إِنَّمَا یُرِیدُ ٱلشَّیۡطَٰنُ أَن یُوقِعَ بَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَاۤءَ فِی ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَیۡسِرِ وَیَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: ٩٠-٩١].
 
وتدل الآيتان على حرمة الميسر وما يترتب عليه من مفاسد، منها إفساد العلاقات، وإشغال الإنسان عن واجباته، وتعريض المال للذهاب بغير طريق مشروع، ومن ثمَّ، فإن كل معاملة رقمية تتحقق فيها حقيقة القمار والميسر تدخل في عموم هذا التحريم، وإن اختلفت صورتها الحديثة عن صور الميسر المعروفة قديمًا.
 
كما نهى الله تعالى عن أكل الأموال بالباطل، فقال سبحانه: {یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضࣲ مِّنكُمۡۚ} [النساء: ٢٩]، فالتراضي وحده لا يجعل كل معاملة جائزة، بل لا بد من مشروعيتها وانتفاء المحظورات عنها، كما أن الإنفاق على الترفيه ينبغي أن يظل في حدود الاعتدال، وألا يتحول إلى تبديد للمال أو إضرار بحاجات الإنسان الأساسية، وقال في التحذير من التبذير: {وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا ۝ إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ} [الإسراء: ٢٦-٢٧].
 
وقد قرر العلماء أن الإنفاق المذموم هو صرف المال في غير وجهه المشروع، أو تجاوز حد الاعتدال بما يفضي إلى تضييع الحقوق والمصالح، ومن هذا المنطلق، فإن الإفراط في المشتريات الرقمية، ولو لم تبلغ المعاملة في ذاتها حد القمار، قد يكون مذمومًا أو محرمًا بحسب ما يترتب عليه من تضييع المال الواجب إنفاقه على حاجات الإنسان أو حقوق من تلزمه نفقتهم.
 
وفي السنة النبوية، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» [رواه مسلم]، قال الإمام النووي: " أما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع .، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة" [المنهاج ] ويدخل في دلالة هذا الحديث النهي عن المعاملات التي تتضمن جهالة مؤثرة في المعقود عليه أو مخاطرة غير مشروعة، وفق ضوابطها الفقهية.
 
كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن إضاعة المال، وهو أصل في وجوب صيانته وتوجيهه إلى ما فيه نفع معتبر، وعدم التفريط فيه فيما لا يحقق مصلحة مشروعة.
 
وبناءً على هذه الأصول، فإن دفع المال مقابل مكافأة مجهولة المحتوى والقيمة يستدعي النظر في حقيقة المعاملة؛ فقد يشتمل على غرر مؤثر، وقد يتحقق فيه معنى الميسر إذا قامت المعاملة على المخاطرة بالمال في سبيل الحصول على مكسب احتمالي، بحسب تفاصيلها، أما شراء سلعة رقمية محددة معلومة الثمن والمحتوى، فلا يُلحق بهذه الصورة لمجرد وقوعه داخل لعبة إلكترونية.

الأكثر قراءة



print