تتسع موجة الإنذارات الكاذبة بوجود قنابل على متن الطائرات في أوروبا مع دخولها يوما جديدا من الاضطرابات، بعدما امتدت التهديدات من مطار براغ وروما ولشبونة إلى رحلات عابرة للمجال الجوى الفرنسي والمجرى، ودخلت المقاتلات العسكرية على خط تأمين الطائرات المدنية ، في مشهد يعكس حجم الاستنفار الأمني الذى تشهده القارة.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على تغيير مسار طائرة أو تأخير رحلة، إذ اضطرت سلطات عدة دول إلى إخلاء ركاب وإجراء عمليات تفتيش واسعة، بينما استهدفت البلاغات شركات طيران أوروبية مختلفة، بينها «رايان إير» و«ويز إير» و«إير لينجوس» و«إيبيريا» و«لوت» و«فين إير».
وبحسب صحيفة الباييس الإسبانية فقد تلقت تسع رحلات تهديدات مرتبطة بمطار براغ الجمعة، بينها رحلات قادمة من الدنمارك وإسبانيا وبريطانيا، وأخرى مغادرة إلى هولندا وقبرص ورومانيا وإيطاليا وبريطانيا. وفي المقابل، أشارت تحديثات وتقارير محلية إلى أن عدد الرحلات التي شملتها الإنذارات في المطار وصل إلى 11 رحلة، ما يعكس اختلاف حصيلة البلاغات باختلاف توقيت التحديث ونطاق الرصد.
مقاتلات ترافق طائرات مدنية من المجر إلى بلغاريا
من أبرز مشاهد التصعيد تدخل المقاتلات العسكرية لمرافقة طائرات الركاب بعد تلقي تهديدات بوجود قنابل. ففي المجر، أعلن وزير الدفاع أن مقاتلات بلاده رافقت طائرة مدنية أثناء عبورها المجال الجوي المجري، عقب إنذار أمني يتعلق بوجود قنبلة على متنها.
وشملت الوقائع طائرة من طراز «إيرباص إيه 321» تابعة لشركة «ويز إير»، كانت تسير على خط بروكسل – صوفيا، حيث رافقتها مقاتلات خلال عبورها الأجواء المجرية، قبل أن تواصل رحلتها باتجاه بلغاريا وتهبط بسلام في مطار صوفيا، دون الإعلان عن وقوع إصابات.
وامتدت إجراءات المرافقة العسكرية إلى رحلات أخرى مرتبطة بمطار براغ، إذ وردت بلاغات بشأن طائرتين متجهتين إلى قبرص وبوخارست، وسط إجراءات أمنية لمرافقة الرحلات والتأكد من سلامتها. كما شهدت بلغاريا خلال موجة التهديدات السابقة مرافقة ثلاث طائرات تابعة لشركة «رايان إير» كانت متجهة إلى صوفيا من مدريد وكوبنهاجن ولندن، بواسطة مقاتلات بلغارية؛ هبطت اثنتان في صوفيا، بينما حُوّل مسار الثالثة إلى مطار بلوفديف.
وتوضح هذه التحركات أن الإنذارات لم تعد مجرد إجراءات تفتيش أرضية، بل دفعت القوات الجوية في أكثر من دولة إلى التدخل لمتابعة الطائرات وتأمين وصولها، رغم أن عمليات الفحص لم تكشف عن وجود متفجرات.
براغ في قلب الإنذارات.. 11 رحلة تحت الفحص الأمني
تحول مطار فاتسلاف هافيل في براغ إلى إحدى أبرز نقاط الاستنفار، بعدما تلقت السلطات التشيكية بلاغات عن وجود قنابل على متن رحلات قادمة ومغادرة. ووفق ما نقلته صحيفة الموندو الإسبانية عن متحدثة باسم المطار، شملت التهديدات تسع رحلات الجمعة، بينما أوردت تحديثات محلية حصيلة بلغت 11 رحلة.
وتوزعت الرحلات المستهدفة بين طائرات قادمة من الدنمارك وإسبانيا وبريطانيا، وأخرى مغادرة إلى هولندا وقبرص ورومانيا وإيطاليا وبريطانيا. وأكدت السلطات أن الإجراءات الأمنية كان تأثيرها محدودًا على التشغيل المعتاد للمطار، ولم يجر الإعلان عن إلغاء الرحلات أو تحويلها بسبب هذه البلاغات.
وفي واقعة أخرى، اضطرت طائرة تابعة لشركة «ويز إير» كانت متجهة من براغ إلى روما إلى تغيير مسارها والهبوط في مدينة البندقية الإيطالية، بعدما تلقى برج المراقبة في مطار فيوميتشينو بلاغًا عن وجود قنبلة على متنها. وبعد الهبوط، أُخلي الركاب وبدأت الشرطة عمليات التفتيش، فيما أظهرت النتائج الأولية عدم العثور على أجسام مشبوهة، واستؤنفت حركة المطار بعد تعليقها مؤقتًا.
وكانت براغ قد شهدت الخميس أيضًا تهديدات استهدفت أربع طائرات متجهة إليها، بينها رحلات تابعة لشركات «إيزي جيت» و«رايان إير» و«سكاي إكسبريس»، وهبطت جميعها بسلام دون العثور على متفجرات.
إنذار جديد يربك رحلة رايان إير من روما إلى لشبونة
وفي البرتغال، استنفرت الشرطة بعد تلقي تهديد بوجود متفجرات على متن رحلة تابعة لشركة «رايان إير» قادمة من روما إلى لشبونة. وهبطت الطائرة في مطار هومبرتو دلجادو قبل الساعة الثامنة صباح الجمعة، لتبدأ السلطات إجراءات الفحص الأمني.
ووفق تقارير إعلامية برتغالية نقلتها «يورونيوز»، تلقت الشرطة اتصالًا هاتفيًا من شخص قدم نفسه باعتباره أحد أفراد أجهزة إنفاذ القانون، وأبلغ عن احتمال وجود عبوة ناسفة على متن الطائرة. وأشارت التقارير إلى أن الشرطة القضائية تحققت من هوية المتصل، فيما لم تؤكد السلطات البرتغالية رسميًا وجود متفجرات.
وأُخضع الركاب والأمتعة المخصصة للرحلة إلى روما لإجراءات تفتيش إضافية قبل استكمال السفر، بينما استمرت التحقيقات لتحديد مصدر الاتصال ومدى مصداقية التهديد.
وفي إيطاليا، كانت رحلة أخرى تابعة لشركة «ويز إير» متجهة من براغ إلى روما قد حُولت إلى البندقية، بعد تلقي برج المراقبة بلاغًا مجهولًا عن وجود قنبلة، ما جعل المطارات الإيطالية والبرتغالية في قلب موجة الإنذارات الجديدة.
فرنسا تواجه أربعة تهديدات جديدة وأيرلندا تخلي مقار إعلامية
لم تتوقف البلاغات عند مطارات وسط وجنوب أوروبا، إذ أعلن مكتب رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو تلقي أربعة تهديدات جديدة الجمعة بشأن وجود قنابل على متن طائرات كانت تحلق فوق الأراضي الفرنسية. وهبطت الطائرات بسلام، وبدأت فرق التخلص من المتفجرات عمليات التفتيش، دون إعلان العثور على مواد خطرة.
وفي أيرلندا، اتسعت دائرة الإنذارات لتصل إلى المؤسسات الإعلامية، بعدما أُخلي مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية «آر تي إي» في دبلن، إلى جانب مقار وسائل إعلام أخرى بينها «نيوز توك» و«توداي إف إم» و«فيرجن ميديا» و«آيرش إندبندنت»، إثر تلقي رسائل إلكترونية تتضمن تهديدات بوجود قنابل.
واضطرت «آر تي إي» إلى وقف بعض برامجها المباشرة مؤقتًا واستبدالها بمواد مسجلة، قبل عودة البث المعتاد لاحقًا، بينما انتشرت الشرطة في محيط المؤسسات المعنية وبدأت عمليات الفحص.
وقال رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن إن هذه التهديدات توضح كيف يمكن لأنشطة غير تقليدية أن تعطل الحياة اليومية وتثير الخوف والقلق، معلنًا استعداد بلاده لتنفيذ عملية أمنية كبيرة مع استضافة دبلن اجتماعات أوروبية الأسبوع المقبل.
إسبانيا تفتح تحقيقًا دوليًا لكشف مصدر البلاغات
وفي إسبانيا، أكد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس استمرار التحقيقات التي تجريها قوات الأمن والسلطات المختصة بالتعاون مع وكالات دولية ودول حليفة، بهدف تحديد مصدر الاتصالات والرسائل التي تضمنت تهديدات بوجود قنابل على متن الرحلات.
وأوضح ألباريس أن التحقيقات تستهدف معرفة ما إذا كانت البلاغات جزءًا من حملة منسقة أم حوادث منفصلة، مشيدًا بسرعة استجابة أطقم الطائرات والمطارات وأجهزة الأمن، ومؤكدًا تطبيق بروتوكولات الطوارئ بكفاءة لحماية الركاب.
وكانت السلطات الإسبانية قد تعاملت مع تهديدات طالت رحلات مرتبطة بمطار مدريد، بينها طائرتان تابعتان لشركة «إيبيريا» قادمتان من ميلانو وروما، وأخرى تابعة لشركة «إير أوروبا» كانت تستعد للإقلاع إلى باريس، قبل إيقاف عملية الإقلاع وإخلاء الركاب.
كما شملت موجة الخميس تهديدات لرحلات تابعة لشركة «رايان إير» متجهة إلى صوفيا، بينها رحلة انطلقت من مدريد، ورافقتها مقاتلات بلغارية قبل هبوطها أو تحويل مسارها.
وشددت الحكومة الإسبانية على أن البلاغات الكاذبة لن تمر دون عواقب، وأنها ستستخدم الإجراءات القانونية لملاحقة المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة.
ملايين اليوروهات فاتورة الإنذارات الكاذبة
وبعيدًا عن المخاطر الأمنية، تحولت التهديدات إلى عبء اقتصادي على شركات الطيران، بسبب تكاليف الوقود الإضافي ورسوم الهبوط في المطارات البديلة وتعويضات الركاب وإعادة ترتيب الرحلات.
ووفق تقديرات نقلها تقرير للتلفزيون الإسباني «آر تي في» عن بيانات المنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية «يوروكنترول»، يبلغ متوسط تكلفة تحويل مسار رحلة جوية نحو 55 ألف يورو، بينما تختلف التكلفة بحسب نوع الشركة والطائرة والوجهة البديلة.
كما تتراوح تعويضات الركاب في بعض حالات تغيير المسار بين 27 ألفًا و40 ألف يورو، وفق تقديرات نقلتها صحيفة «إل باييس»، وقد تضطر الشركات إلى توفير تذاكر بديلة وفنادق ووجبات ونقل بري للمسافرين الذين يفقدون رحلات الربط.
وتزداد الخسائر عندما تهبط الطائرة في مطار لا تتوافر فيه خدمات أرضية متعاقد عليها مع الشركة، أو عندما يؤدي التأخير إلى اضطراب جدول الرحلات التالية. ولا تشمل هذه الأرقام بالضرورة جميع التكاليف غير المباشرة التي تتحملها المطارات وشركات الطيران.
من يقف وراء موجة القنابل الوهمية؟
حتى الآن، لم تعلن أي حكومة أوروبية تحديد الجهة المسؤولة عن التهديدات، ولم يظهر دليل يربط جميع البلاغات بدولة أو جماعة واحدة. وظهرت في بعض الرسائل أسماء جماعات متطرفة، بينها حركة «مال ستيت»، لكن ذلك لا يثبت مسؤوليتها، كما نفت الحركة صلتها بالوقائع.
وتدرس أجهزة الأمن وخبراء الطيران احتمال أن تكون بعض التهديدات جزءًا من عمليات حرب هجينة تستهدف إرباك الخدمات الحيوية وزعزعة الثقة في المؤسسات، إلى جانب احتمالات أخرى مثل الدوافع الفردية أو تقليد البلاغات السابقة.
وحذر مفوض النقل الأوروبي أبوسـتولوس تزيتزيكوستاس من التسرع في الربط بين الحوادث، مؤكدًا أنه من المبكر الجزم بوجود علاقة بينها. كما شددت السلطات على ضرورة التعامل مع كل بلاغ بجدية حتى انتهاء عمليات التحقق.
وبينما لم تسفر عمليات التفتيش حتى الآن عن العثور على متفجرات، باتت أوروبا أمام اختبار أمني متواصل؛ فبلاغ مجهول واحد يمكن أن يغير مسار طائرة، ويستدعي مقاتلات عسكرية، ويوقف بث مؤسسة إعلامية، ويكبد شركات الطيران خسائر كبيرة. وتبقى الأولوية أمام الأجهزة الأوروبية هي كشف مصدر هذه الرسائل، وتحديد ما إذا كانت القارة تواجه سلسلة إنذارات منفصلة أم حملة منظمة تستهدف أمن الطيران وحركة السفر.