الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 12:03 ص

فاتورة الغضب تلتهم أوروبا.. فرنسا تقترب من خسائر بمليار يورو وإيطاليا تتكبد الملايين.. نهب المتاجر وإحراق الممتلكات يشعلان أزمة أمنية.. ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال في دائرة الاضطرابات والاعتقالات

فاتورة الغضب تلتهم أوروبا.. فرنسا تقترب من خسائر بمليار يورو وإيطاليا تتكبد الملايين.. نهب المتاجر وإحراق الممتلكات يشعلان أزمة أمنية.. ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال في دائرة الاضطرابات والاعتقالات فرنسا
الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 11:01 م
كتبت فاطمة شوقى
تدفع أوروبا ثمنا اقتصاديا وأمنيا متزايدا جراء موجة الاحتجاجات وأعمال الشغب التي اجتاحت عددا من عواصمها ومدنها خلال أكتوبر وبداية نوفمبر، بعدما تحولت بعض المظاهرات المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وخفض الأسعار وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، صاحبتها عمليات نهب للمتاجر وإحراق للممتلكات العامة والخاصة وتدمير واجهات المحال التجارية، في مشهد أعاد إلى الأذهان موجات الاضطرابات التي شهدتها القارة خلال السنوات الماضية.
 
وتتصدر فرنسا المشهد من حيث حجم الخسائر الاقتصادية المقدرة، بعدما اقتربت فاتورة أعمال العنف التي شهدتها يومي 17 و18 أكتوبر من حاجز المليار يورو، فيما تواجه إيطاليا خسائر بملايين اليورو جراء الاشتباكات التي شهدتها عدة مدن، بينما سجلت ألمانيا وبلجيكا اعتقالات وإصابات في صفوف الشرطة، وامتدت تداعيات التوتر إلى إسبانيا والبرتغال، وإن بدرجات متفاوتة من العنف.
 
 
فرنسا.. فاتورة تقترب من 1.1 مليار يورو
تعد فرنسا صاحبة النصيب الأكبر من الخسائر المادية المسجلة خلال موجة الاضطرابات الأخيرة، بعدما قدرت مؤسسة «إيفراب» البحثية إجمالي الفاتورة بنحو 1.1 مليار يورو، تشمل الأضرار المادية وخسائر الأنشطة التجارية، في تقدير مرتفع ومشروط لم يصدر باعتباره حصيلة رسمية نهائية.
 
وتشير التقديرات إلى أن الأضرار المادية وحدها تقترب من 910 ملايين يورو، بينما تبلغ خسائر الأنشطة التجارية نحو 190 مليون يورو، نتيجة توقف العمل والإغلاق الاضطراري للمتاجر وتراجع المبيعات، إلى جانب تكاليف إصلاح الممتلكات التي تعرضت للتخريب.
 
وكانت أعمال العنف التي اندلعت خلال احتجاجات 17 أكتوبر قد طالت ما لا يقل عن 3 آلاف متجر، وفقا لتقديرات حكومية نقلتها المؤسسة، فيما سجلت مدن باريس وبوردو ومارسيليا وليون وليموج عمليات نهب وتخريب واسعة.
وكان من أبرز الخسائر إحراق مبنى بلدية ليموج التاريخي، الذي تعرض لدمار كبير، إلى جانب إحراق مكتب السياحة في ليون واقتحام مبانٍ عامة في مدن أخرى.
 
ووفقا للتقديرات نفسها، فإن شركات التأمين قد تتحمل نحو 800 مليون يورو من الفاتورة، بينما تقع قرابة 300 مليون يورو على عاتق التجار والأسر والبلديات والدولة، وهو ما يوضح حجم العبء الذي خلفته أعمال الشغب على الاقتصاد الفرنسي.
 
ولم تتوقف التداعيات عند الخسائر المالية، إذ تجاوز عدد الموقوفين 2300 شخص خلال الأيام الأولى من الاضطرابات، فيما أعلنت السلطات إصابة مئات من أفراد الشرطة والدرك وأجهزة الإنقاذ، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تعزيز الانتشار الأمني والاستعداد لجولات جديدة من الاحتجاجات.
 
 
إيطاليا.. ملايين اليورو بسبب نهب المتاجر وإغلاق المحال
وفي إيطاليا، تحولت اشتباكات 17 أكتوبر إلى خسائر اقتصادية مباشرة في ميلانو وتورينو وبولونيا وبرجامو، بعدما تعرضت متاجر وممتلكات عامة للتخريب، وأجبر التوتر أصحاب الأنشطة التجارية على إغلاق محالهم مبكرا لتجنب عمليات النهب.
 
وقدرت مؤسسة «أونيمبريزا» الإيطالية، من خلال مركز الدراسات التابع لها، الخسائر الأولية في المدن الأربع بما يتراوح بين 1.1 و1.6 مليون يورو، بمتوسط يقارب 1.3 مليون يورو.
 
واستحوذت ميلانو على الجزء الأكبر من هذه الفاتورة، بخسائر قدرت بين 730 ألفا ومليون يورو، شملت تحطيم واجهات المتاجر والسرقات وتراجع الإيرادات نتيجة إغلاق نحو 850 نشاطا تجاريا مبكرا.
 
ولم تقتصر الأضرار على القطاع الخاص، بل امتدت إلى المرافق العامة ومحطات النقل واللافتات وأعمال الإنشاءات، بينما سجلت بولونيا وتورينو خسائر إضافية نتيجة التخريب وإغلاق بعض المناطق التجارية لساعات.
 
 
وتكشف هذه الأرقام أن العبء الأكبر لم يكن بالضرورة في الممتلكات المحطمة وحدها، وإنما في المبيعات التي فقدتها المتاجر والمطاعم خلال ساعات الإغلاق، وهي خسائر لا تتمكن جميع الشركات الصغيرة من تعويضها، خاصة أن بعض وثائق التأمين لا تشمل أضرار الشغب والاضطرابات الاجتماعية.
 
 
ألمانيا.. فرانكفورت تسجل إصابة أكثر من 100 شرطي
وفي ألمانيا، انتقلت الاضطرابات إلى الشوارع خلال احتجاجات الأول من نوفمبر، التي شهدت مشاركة عشرات الآلاف في مدن مختلفة للمطالبة بتحسين التعليم والرعاية الصحية وخفض تكاليف المعيشة، إلى جانب رفض العودة إلى التجنيد العسكري الإلزامي.
 
وشهدت فرانكفورت أكثر المواجهات حدة، بعدما تحولت بعض التجمعات إلى أعمال عنف شملت إلقاء الزجاجات والألعاب النارية والمقذوفات على الشرطة، وإحراق ممتلكات وتخريب متاجر.
 
وأسفرت المواجهات عن إصابة أكثر من 100 شرطي، واعتقال 54 شخصا تتراوح أعمارهم بين 13 و29 عاما، فيما تضرر 17 متجرا وتعرضت خمسة متاجر للنهب، وفقا لما نقلته رويترز عن السلطات الألمانية.
 
واستعانت الشرطة بنحو 1300 عنصر أمني لاحتواء الموقف، بينما توعد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت باتخاذ إجراءات صارمة بحق المتورطين في أعمال العنف.
 
وامتدت بعض أعمال الاضطراب إلى مدن أخرى، بينها كولونيا وبرلين، وسط مخاوف من انتقال المواجهات إلى مناطق تجارية جديدة.
 
 
بلجيكا.. نحو 200 اعتقال في بروكسل ولييج
وفي بلجيكا، شهدت العاصمة بروكسل ومدينة لييج مواجهات خلال احتجاجات أكتوبر، بعدما استخدم بعض المشاركين الحواجز وألقوا المقذوفات وأشعلوا النيران في دراجات وسكوترات بالقرب من محطة قطارات بروكسل ميدي.
 
كما تعرضت سيارات للحرق في حي مارول، وتحطمت نوافذ مقر اتحاد الحزب الاشتراكي في بروكسل، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين.
 
وسجلت السلطات في بروكسل ولييج نحو 200 عملية اعتقال، بينها أكثر من 25 قاصرا، في مؤشر على اتساع المواجهات المرتبطة بالاحتجاجات الاجتماعية والاعتراض على إجراءات التقشف والأوضاع التعليمية.
 
وتأتي هذه الأحداث بعد أسابيع من تحركات طلابية ونقابية شهدتها البلاد، ما يضع السلطات أمام تحدي احتواء الاحتجاجات دون اتساع دائرة المواجهات.
 
 
 
إسبانيا.. اعتقالات واشتباكات في برشلونة
أما إسبانيا، فقد شهدت اضطرابات متفرقة، خاصة في إقليم كتالونيا، حيث استعدت الشرطة لرفع مستوى التأهب في برشلونة بعد دعوات للتجمع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
 
وشهدت احتجاجات سابقة في المدينة مواجهات أسفرت عن اعتقال نحو 130 شخصا، معظمهم من القاصرين، وفقا لما نقلته تقارير صحفية، بينما تعرض عدد من أفراد الشرطة للإصابة خلال الاشتباكات.
 
لكن المشهد الإسباني لا يمكن اختزاله في أعمال الشغب، إذ تركزت غالبية التحركات المرتبطة بأزمة السكن وارتفاع الإيجارات في مدريد ومدن أخرى على الاعتصامات والمخيمات الاحتجاجية، دون تسجيل مستوى مماثل من التخريب الذي شهدته فرنسا وإيطاليا.
 
 
البرتغال.. أزمة السكن والأجور تشعل الشارع
وفي البرتغال، تصاعدت الاحتجاجات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، حيث خرج عشرات الآلاف إلى شوارع لشبونة ومدن أخرى للمطالبة بزيادة الأجور والمعاشات وتحسين فرص الحصول على مساكن بأسعار مناسبة.
 
وشهدت العاصمة إقامة مخيمات احتجاجية في ساحات عامة، كما امتدت التحركات إلى بورتو وكويمبرا، وسط اعتراضات على ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات والإصلاحات المتعلقة بقوانين الإيجار.
 
ورغم استمرار التوتر، ظلت هذه الاحتجاجات أقل عنفا في معظمها مقارنة بما شهدته فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ولم تتوافر تقديرات موثوقة لخسائر مادية واسعة النطاق مماثلة للفواتير المسجلة في تلك الدول.
 
 
فاتورة تتجاوز الزجاج المحطم
وتكشف المقارنة بين الدول الأوروبية أن الخسائر لا تتوقف عند تكلفة إصلاح المباني والسيارات والمتاجر، بل تشمل أيضا توقف الأنشطة التجارية وتراجع الإيرادات وتكاليف الانتشار الأمني وإعادة تأهيل المرافق العامة.
 
كما أن اختلاف طبيعة الاحتجاجات وتوقيتها وحجم العنف بين دولة وأخرى يجعل جمع جميع الأرقام في فاتورة أوروبية واحدة أمرا غير دقيق، خاصة أن بعض التقديرات أولية وبعضها لم يصدر رسميا حتى الآن.
 
وبينما تواجه فرنسا تحديا ماليا ضخما بسبب الأضرار التي اقتربت من مليار يورو، تحاول إيطاليا احتواء خسائر التجار، فيما تتجه ألمانيا وبلجيكا إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وتواصل إسبانيا والبرتغال التعامل مع موجات الغضب المرتبطة بالسكن والأجور وتكاليف الحياة.
 
وهكذا تتحول احتجاجات الغضب الاجتماعي في أوروبا إلى اختبار مزدوج للحكومات، بين حماية حق التظاهر السلمي ومنع التخريب والنهب، وبين معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى الشوارع، حتى لا تتحول الخلافات المعيشية إلى فاتورة جديدة يدفعها الاقتصاد الأوروبي والمواطنون معا.
 
 

الأكثر قراءة



print