الأحد، 25 أكتوبر 2026 10:42 م

جماعة الإخوان الإرهابية وتجارة الأوهام بالأرشيف القديم.. إعادة تدوير الصور والفيديوهات خارج سياقها الزمنى لتزييف الوعى وصناعة أزمات وهمية وتضليل الرأى العام وإيهام الجمهور بوقائع لا تعكس حقيقة الأحداث

جماعة الإخوان الإرهابية وتجارة الأوهام بالأرشيف القديم.. إعادة تدوير الصور والفيديوهات خارج سياقها الزمنى لتزييف الوعى وصناعة أزمات وهمية وتضليل الرأى العام وإيهام الجمهور بوقائع لا تعكس حقيقة الأحداث الاخوان
الأحد، 25 أكتوبر 2026 09:00 م
كتب – هشام عبد الجليل
 
 
تعتمد جماعة الإخوان الإرهابية في بعض أساليب خطابها الإعلامي على إعادة تدوير المحتوى القديم وتقديم صور ومقاطع مصورة سبق تداولها في سياقات زمنية مختلفة، بما يجعلها تبدو وكأنها توثق أحداثًا جديدة. ويقوم هذا الأسلوب على إعادة نشر المادة خارج سياقها الزمني، بما قد يصنع انطباعات مضللة عن الأوضاع ويثير الالتباس لدى الجمهور.
 
وتقوم هذه الممارسة على استغلال قدرة الصورة على التأثير في المتلقي، مع إغفال المعلومات التي تساعده على تحديد تاريخ الواقعة ومكانها والظروف المحيطة بها، وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أن المادة المصورة قد تكون حقيقية في أصلها، لكنها تُستخدم بطريقة تغير معناها أو توحي بحدوث تطورات لا تثبتها، فالفيديو الذي يوثق واقعة قديمة يمكن أن يتحول، عند إعادة نشره دون توضيح تاريخه، إلى مادة لإثارة القلق أو تقديم صورة غير دقيقة عن الواقع، وهنا لا يكون التلاعب بالضرورة في الصورة ذاتها، بل في السياق الذي توضع فيه والمعلومات التي تحذف منها أو تضاف إليها.
 
وتكشف هذه الآلية عن أهمية التمييز بين صحة المحتوى وصحة الرسالة المصاحبة له؛ فوجود تسجيل حقيقي لا يعني أن التعليق الذي يرافقه صحيح، كما أن انتشار المقطع على نطاق واسع لا يثبت أنه يعبر عن حدث وقع في التوقيت الذي يزعمه ناشره.
 
وتعتمد عملية إعادة تدوير الأرشيف على مجموعة من الممارسات، أبرزها إعادة نشر المقاطع دون الإشارة إلى تاريخها الأصلي، واستخدام عناوين توحي بوقوع أحداث جديدة، واقتطاع أجزاء من التسجيلات بما يغير دلالتها، وإعادة تقديم المادة نفسها ضمن روايات مختلفة بحسب الموضوع المراد التأثير فيه.
 
وقد يتضاعف تأثير هذه الممارسات عندما تتداول عدة حسابات المحتوى نفسه، مع اختلاف التعليقات والعناوين المصاحبة له، ويؤدي ذلك إلى خلق انطباع بوجود وقائع متعددة أو مصادر مستقلة، رغم أن المواد المتداولة قد تعود إلى أصل واحد، ومع استمرار إعادة النشر، قد يفقد المتلقي القدرة على التمييز بين تاريخ الواقعة وتاريخ ظهور المنشور الذي يعرضها.
 
ولا تقتصر المشكلة على إرباك الجمهور بشأن توقيت الأحداث، بل تمتد إلى بناء استنتاجات عامة اعتمادًا على مواد محدودة أو قديمة، فقد تُستخدم صور متفرقة لتقديم انطباع بوجود أزمة مستمرة، أو تُجمع مقاطع من فترات مختلفة لإظهارها باعتبارها مشهدًا واحدًا متصلًا، دون تقديم أدلة تثبت العلاقة بين هذه المواد.
 
وتستمد الصورة جانبًا كبيرًا من تأثيرها من الطريقة التي تُعرض بها، فعندما تُنشر لقطة مصحوبة بعنوان يحدد تاريخًا ومكانًا وسببًا للواقعة، يميل المتلقي إلى فهمها في ضوء هذه المعلومات، وإذا كانت تلك البيانات غير دقيقة، فقد يتشكل لديه تصور خاطئ حتى لو كانت الصورة نفسها أصلية.
 
ولهذا، فإن تحليل المحتوى المضلل لا ينبغي أن يقتصر على البحث عن الصور المفبركة، بل يجب أن يشمل أيضًا الصور الحقيقية التي أُعيد استخدامها في سياقات غير صحيحة، فالتضليل قد يحدث من خلال حذف التاريخ، أو تجاهل نتيجة معلنة بشأن الواقعة، أو استخدام صورة قديمة للإيحاء بوجود تطور جديد، أو ربط مشهد لا صلة له بموضوع معين برسالة سياسية محددة.
 
ويؤدي التكرار دورًا إضافيًا في ترسيخ الانطباعات؛ إذ قد يتعامل بعض المستخدمين مع المعلومة باعتبارها صحيحة بسبب رؤيتها مرات متعددة، دون الرجوع إلى مصدرها الأول. لكن كثرة التداول لا تمنح الادعاء دليلًا جديدًا، ولا تحول المحتوى القديم إلى واقعة حديثة.
 
وتبدأ مراجعة أي محتوى مصور بتحديد مصدره الأول، والبحث عن أقدم نسخة متاحة منه، ومقارنة تاريخ نشرها بالتاريخ الذي يذكره المنشور المتداول، ويمكن الاستعانة بالبحث العكسي عن الصور، وفحص التفاصيل الظاهرة في المشهد، ومراجعة التغطيات الصحفية السابقة والبيانات الرسمية ذات الصلة.
 
وينبغي التمييز بين تاريخ تصوير المادة وتاريخ نشرها، لأنهما قد يختلفان، فضلًا عن ضرورة التحقق من أن المشهد يعود بالفعل إلى المكان والواقعة اللذين يذكرهما الناشر، ولا يجوز اعتبار غياب البيانات الوصفية دليلًا قاطعًا على التلاعب، إذ قد تُحذف هذه البيانات تلقائيًا عند تداول المحتوى عبر المنصات الرقمية.
 
وتتطلب المعالجة المهنية كذلك عدم الاكتفاء بوصف المحتوى بأنه مضلل، بل توضيح وجه التضليل تحديدًا،  هل يتعلق بالتاريخ، أم بالمكان، أم باقتطاع المشهد، أم بالاستنتاج الذي يحاول الناشر استخلاصه منه؟ فكلما كان التفنيد محددًا، أصبح أكثر قدرة على إقناع الجمهور.
 
والاعتماد المتكرر على مواد قديمة دون تقديم سياق واضح يضعف القيمة الإخبارية للمحتوى، ويثير تساؤلات حول قدرة الجهة الناشرة على تقديم معلومات حديثة قابلة للتحقق، وإذا تحولت إعادة تدوير الأرشيف إلى نمط متكرر، فإنها قد تسهم في تراجع الثقة في الرسائل التي تقدمها المنصات المعنية، خصوصًا عندما تكشف المقارنة بين النسخ المختلفة اختلافات جوهرية في التوقيت أو الدلالة.
 
ومع ذلك، فإن الحكم على أداء أي منصة يجب أن يستند إلى تحليل محتواها الفعلي، لا إلى تعميمات غير مدعومة، فالأرشيف أداة مشروعة في الصحافة، وتكمن المشكلة في استخدامه لإخفاء السياق أو تقديم انطباعات لا تسندها الأدلة.
 
وتظل مواجهة هذا النوع من التضليل مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والمستخدمين، من خلال التحقق من المصادر والتواريخ، وعدم إعادة نشر المواد المثيرة قبل مراجعتها، وإظهار التصحيحات بوضوح عند اكتشاف الأخطاء، فالحقيقة لا تتغير بتكرار عرض الصورة، لكن تصور الجمهور لها قد يتغير عندما تُنتزع من سياقها؛ ومن هنا تبدأ أهمية التوثيق بوصفه أساسًا لحماية الوعي العام من الروايات المصنوعة.
 
 

الأكثر قراءة



print