الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 06:31 م

9 سنوات على جريمة الواحات..كيف اغتال الإرهاب 16 من خيرة رجال الشرطة في كمين غادر وسقط حلم الإخوان في "ظهير صحراوي" لتهديد القاهرة وتهديد التنظيمات المسلحة بمحاولات مستمرة للنيل من الوطن وزعزعة الاستقرار

9 سنوات على جريمة الواحات..كيف اغتال الإرهاب 16 من خيرة رجال الشرطة في كمين غادر وسقط حلم الإخوان في "ظهير صحراوي" لتهديد القاهرة وتهديد التنظيمات المسلحة  بمحاولات مستمرة للنيل من الوطن وزعزعة الاستقرار الاخوان
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 05:00 م
كتب محمد عبد الرازق
 
 
 
 
تمراليوم ذكرى واحدة من أعنف المواجهات الأمنية في تاريخ مصر الحديث، وهي عملية الواحات الإرهابية التي وقعت في 20 أكتوبر 2017، والتي شكلت نقطة تحول فارقة في الحرب المصرية على الإرهاب، وكشفت بشكل مباشر عن ارتباط التنظيمات المسلحة التي خرجت من رحم جماعة الإخوان بالعمليات الإرهابية المنظمة في البلاد،وأنتهت إلى استشهاد 16 من قوات الأمن وإصابة 13آخرين، خلال مداهمتهم لبؤرة إرهابية على طريق الواحات البحرية.
 
 
في مساء ذلك اليوم، تحركت مأمورية أمنية  بعد معلومات عن وجود معسكر تدريب لعناصر إرهابية شديدة الخطورة في منطقة صحراوية متاخمة لطريق الواحات البحرية، على بعد حوالي 135 كيلومتر من مدينة السادس من أكتوبر، داخل الظهير الصحراوي لمحافظة الجيزة.
 
 
القوات كانت تستهدف خلية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة عمليات كبرى في القاهرة خلال الفترة المقبلة، وتضم عناصر أجنبية ومصرية مدربة على مستوى عال، لكن ما حدث هو أن القوات دخلت في كمين محكم، حيث تمركزت العناصر الإرهابية فوق تبة جبلية مرتفعة واستخدمت أسلحة ثقيلة وقذائف RPG وأحزمة ناسفة، وأمطرت القوات بالرصاص من مسافات بعيدة في منطقة صحراوية مكشوفة يصعب فيها المناورة.
 
وأسفرت المواجهة التي استمرت لساعات عن استشهاد 16 من رجال الشرطة، بينهم 11 ضابطا من الأمن الوطني والعمليات الخاصة، وهم المقدم محمد الحايس الذي تم أسره حينها ثم تحريره لاحقا، والعقيد أحمد فايز، والمقدم أحمد جاد، وعدد من أكفأ ضباط مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية.
 
لم تتأخر الدولة في الرد.ففي يوم 31 أكتوبر 2017، أي بعد 11 يوما فقط، شنت القوات المسلحة بالتنسيق مع الشرطة عملية ثأرية نوعية في نفس المنطقة، أسفرت عن مقتل 15 إرهابيا وتحرير النقيب محمد الحايس مصابا، وتدمير معسكر الإرهابيين بالكامل وضبط كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات.
 
حيث تم الدفع بالمزيد من القوات مدعومة بمروحيات قتالية ودعم لوجيستي من القوات المسلحة لضبط العناصر الإرهابية، حيث تمكنت المروحيات من قصف وتدمير سيارتي دفع رباعي بمن فيهما، إضافة إلى تمشيط محيط موقع الحادث طوال الليل، وألقي القبض على الإرهابي عبد الرحيم محمد مسماري، ليبي الجنسية، شارك في الثورة الليبية ضد نظام معمر القذافي سنة 2011، وتدرب وعمل تحت قيادة الإرهابي المصري المتوفى عماد الدين أحمد، وشارك في العملية الإرهابية التي استهدفت رجال الشرطة بالواحات، واختطاف النقيب محمد الحايس.
 
وكشفت التحقيقات والبيانات الرسمية لوزارة الداخلية أن الخلية التي تم القضاء عليها هي خلية مرتبطة بشكل مباشر بتنظيم "أنصار بيت المقدس" الذي بايع داعش لاحقا، ويقودها الإرهابي عماد الدين أحمد الملقب بـ"عماد الدين عبد الحميد"، وهو ضابط سابق مفصول، يعد أحد أخطر العناصر التي انضمت للتنظيمات التكفيرية بعد عزل محمد مرسي.
 
وأدلى المتهم عبد الرحيم محمد مسماري بمعلومات تفصيلية عن معسكرات لتنظيم "داعش" داخل ليبيا، كما اعترف بأن الهدف كان استهداف الأقباط في الفيوم والجيزة، وقيل أن هذا الرجل كان مسئول الدعم والمعيشة ومتابعة الأسرى بخلية الواحات، وأنه كُلِّف بتدريب عناصر الخلية على حمل السلاح وتصنيع المتفجرات، وقال إنه دخل مصر مع 14 شخصًا من جنوب درنة، فتنقلوا بين عدة محافظات بالصعيد، منها الظهير الصحراوي لمحافظات قنا وسوهاج وأسيوط، قبل الاستقرار بمنطقة الواحات في شهر يناير 2017، وأمضت المجموعة 10 أشهر في المنطقة المذكورة، وانضم إليها خلالها 6 عناصر جديدة، وهم المجموعة التي نفذت هجوم دير الأنبا صموئيل بالمنيا.
 
المسمارى اعترف فى التحقيقات، أنه يحارب الشرطة والجيش في مصر، وذلك لأنه لديه قناعة منهجية تابعة لتنظيم القاعدة، وأن ضميره لم يؤنبه بعد مقتل أفراد الشرطة في حادث الواحات، وأن الهدف من ذلك "تحكيم شرع الله في الأرض، وإقامة دين الله في الأرض، والخلافة الإسلامية".
 
وكشفت تحقيقات نيابة أمن الدولة، أن المتهم تلقى تدريبات بمعسكرات داخل الأراضي الليبية على كيفية استخدام الأسلحة الثقيلة، وتصنيع المتفجرات، وتسلل إلى مصر لتأسيس معسكر تدريب بالمنطقة الصحراوية بالواحات كنواة لتنظيم إرهابي، تمهيدًا لتنفيذ سلسلة من العمليات العدائية تجاه دور العبادة المسيحية وبعض المنشآت الحيوية.
 
أسندت الجهات المختصة للمتهم الإرهابي عبد الرحيم محمد المسمارى الذى أرتكب وأخرون 11 اتهاماَ كالتالى:
 
 
أولاَ: الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، بأن انضموا إلى جماعة – كتائب ردع الطغاة والتى تتبع تنظيم الفتح الإسلامية – إحياء لتنظيم المليشيات المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي بدولة ليبيا .
 
ثانياَ: الاشتراك فى اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جرائم إرهابية بأن أتحدت إرادتهم على ارتكاب جرائم قتل ضباط القوات المسلحة والشرطة المدنية وإتلاف أسلحتهم ومعداتهم واستهداف المنشأت العامة والحيوية فى الدولة المصرية.
 
ثالثاَ: قتل عمداَ مع سبق الإصرار والترصد 16 من ضباط وأفراد الشرطة المدنية من قوة مأمورية مداهمة الواحات البحرية بتاريخ 20 أكتوبر 2017 بأن بيتوا النية وعقدوا العزم على إزهاق روح المجنى عليهم وكل من عساه أن يتواجد من قوات المداهمة لمكان تمركزهم بمنطقة الواحات البحرية، وأعدوا لذلك أسلحة نارية وذخيرة ومفرقعات – وترقبوا وصول المجنى عليهم فى أماكن مرتفعة أعلى التباب بمنطقة الحادث، وما أن ظفروا بهم حتى أمطروهم بوابل من الطلقات النارية والقذائف من مختلف الأسلحة حيازتهم قاصدين إزهاق أرواحهم، وقد اقترنت تلك الجنايات بأخرى عاصرتها وهى شروعهم فى قتل 12 من ضباط وأفراد الشرطة المدنية عمداَ مع سبق الإصرار والترصد.
 
رابعا: خطف وأحتجز وأخرون المجنى عليه نقيب شرطة مدنية محمد علاء الحايس، رهينة بغية التأثير على السلطات العامة فى أداء أعمالها وبغية الحصول منها على ميزة بإرغامها على إبداله بأحد التكفيريين المقبوض عليهم والمتحجزين قانونياَ والذى تم تحريره بواسطة قوات مكافحة الإرهاب.
 
امساَ: سرقا بالإكراه أسلحة وذخيرة ومهمات قوات الشرطة المدنية لمعسكر العناصر الإرهاربية بمنطقة الواحات البحرية والمملوكة لوزارة الداخلية.
 
سادساَ: حازا وأحرز أسلحة نارية وبنادق ألية وذخائر لا يجوز الترخيص بحيازتها أو إحرازها بقصد استعمالها فى الإخلال بالأمن والنظام العام والمساس بنظام الحكم فى الدولة المصرية.
 
سابعاَ: خرب عمداَ أموالاَ منقولة مملوكة لوزارة الداخلية وهى أسلحة ومهمات ومعدات ومركبات قوات مأمورية الشرطة المدنية فى مداهمة منطقة الواحات البحرية.
 
ثامناَ: استخدام القوة والعنف والتهديد بغرض الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع ومصالحه وأمنه للخطر وإيذاء الأفراد وإلقاء الرعب بينهم وتعريض حياتهم وحرياتهم وحقوقهم العامة والخاصة للخطر.
 
تاسعا: تعدى على القائمين على تنفيذ وتطبيق أحكام القانون بالقوة والعنف .
 
عاشراَ: استولى بالقوة والعنف والتهديد والترويع على وسيله من وسائل النقل البرى – مركبات الشرطة المدنية من قوة مأمورية مداهمة منطقة الواحات البحرية ومعداتها ووسائل إدراتها، وذلك لاستخدامها ضد القوات المداهمة لوكرهم وتسهيل فرارهم.
 
الحادى عشر: حاز وأحرز بالذات والواسطة مواد تعتبر فى حكم المفرقعات معدة ومجهزة للانفجار وهى 20 عبوة كبيرة الحجم من المفرقعات وعدد من القنابل اليدوية.
 
وفى 13 أكتوبر 2019، أحالت المحكمة المختصة الليبى عبدالرحيم المسماري، المتهم الرئيسى فى قضية كمين الواحات، إلى مفتى الجمهورية، لاستطلاع الرأى الشرعى فى إعدامه، وفى غضون 17 نوفمبر 2019 قضت المحكمة المختصة بالسجن المؤبد لـ 5 متهمين، والسجن المشدد 15 سنة لمتهم واحد، والسجن المشدد 10 سنوات لـ 9 متهمين، والسجن 5 سنوات لمتهم واحد، والمشدد 3 سنوات لـ 6 متهمين، وبراءة 20 متهما، والسجن المؤبد والمشدد غيابيا لعشرة متهمين، وفى غضون 27 يونيو 2020، نفذت السلطات المصرية، حكم الإعدام في الإرهابي عبد الرحيم محمد المسماري المتهم الرئيسي في العمل الإرهابي
 
الصلة المباشرة بحركات الإخوان المسلحة
 
أهمية حادث الواحات لم تكن فقط في حجمه العسكري، بل في ما كشفه من خريطة جديدة للتنظيمات الإرهابية في مصر بعد عام 2013، حيث أكدت التحقيقات الأمنية والنيابية أن هناك ثلاث حركات مسلحة رئيسية خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، تبنت العنف المسلح كمنهج.
 
وهذه الحركات هي
 
 حركة حسم:
 
وهي اختصار لـ"حركة سواعد مصر"، والتي أعلنت عن نفسها في يوليو 2016، وكانت هي الذراع المسلحة الرئيسية لجماعة الإخوان في الداخل. تبنت أكثر من 20 عملية اغتيال وتفجير، من بينها محاولة اغتيال النائب العام المساعد المستشار زكريا عبد العزيز، واغتيال المقدم ماجد العزازي، واستهداف كمين الهرم. وكشفت وزارة الداخلية أن عددا من عناصر خلية الواحات كانوا على صلة مباشرة بعناصر حسم، وكانوا يتلقون التمويل والتدريب عبر نفس الشبكات.
 
لواء الثورة:
 
 وهي حركة أعلنت في أغسطس 2016، وتبنت اغتيال العميد عادل رجائي، والهجوم على كمين زاوية أبو مسلم. واعترف عناصرها المقبوض عليهم بأنهم يتبعون تنظيميا لجماعة الإخوان، وأنهم كانوا يتلقون تكليفات من قيادات هاربة في تركيا وقطر.
 
 تنظيم المرابطون وأنصار بيت المقدس:
 
 وهو التنظيم الذي انتمت له خلية الواحات بشكل مباشر، ويقوده هشام عشماوي، الضابط المفصول أيضا. وقد أثبتت التحقيقات أن عشماوي وعماد الدين عبد الحميد كانا على تواصل مع قيادات إخوانية في ليبيا، وأن معسكر الواحات كان يدار بدعم لوجستي من عناصر إخوانية هاربة إلى مدينة درنة الليبية، والتي كانت آنذاك معقلا للجماعات المتطرفة.
 
التحقيقات كشفت أن الخيط الجامع بين كل هذه الحركات هو جماعة الإخوان، فالجماعة بعد سقوط حكمها لجأت إلى استراتيجية "العنف المدار" عبر واجهات مسلحة لا تحمل اسمها مباشرة لتجنب الملاحقة الدولية، بينما توفر لها الغطاء السياسي والدعائي والتمويل عبر الجمعيات والشركات التابعة لها في الخارج.
 
هجوم الواحات كشف أيضا عن التحول في تكتيك هذه الجماعات، من العمليات الفردية داخل المدن إلى إنشاء معسكرات تدريب في الصحراء الغربية على غرار ما يحدث في سيناء، ومحاولة إنشاء ما يسمى بـ"الظهير الصحراوي" لتهديد العاصمة والقاهرة الكبرى من العمق، وهو المخطط الذي تم إجهاضه تماما بعد عملية الواحات.
 
ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن، نجحت الأجهزة الأمنية المصرية في تفكيك أكثر من 90% من البنية التنظيمية لحسم ولواء الثورة، والقضاء على قياداتهما، وهو ما انعكس في تراجع العمليات الإرهابية بشكل حاد منذ عام 2019، ليؤكد أن مواجهة الواحات كانت نقطة الانكسار الحقيقية لمشروع العنف الإخواني المسلح في مصر.

الأكثر قراءة



print