تخوض المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي واحدة من أعقد وأشرس مواجهاتها السياسية والقانونية منذ تأسيسها، بعدما فتحت الإدارة الأمريكية النار عليها بسلسلة عقوبات حاسمة وتهديدات صريحة بالتفكيك، لتتحول أروقة العدالة الدولية إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي تتجاذبها أطراف قوة متعددة.
بدأت شرارة الأزمة بإعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن فرض عقوبات مشددة تهدف إلى قطع مصادر تمويل المحكمة المباشرة وتقويض قدرتها الميدانية على الحركة والعمل، مؤكداً أن الرئيس دونالد ترامب لن يسمح مطلقاً برؤية مواطنين أمريكيين أمام منصات التحقيق القضائي الدولي. ووصف روبيو الجنائية الدولية بـ"المحكمة المارقة"، موجهاً تحذيراً شديد اللهجة للحلفاء المطالبين بحمايتهم بضرورة "كبح جماحها"، ومشدداً على أن عدم ضبط بوصلتها سيدفع الولايات المتحدة للاستمرار في إجراءات تفكيكها نهائياً.
نتنياهو يشيد بعقوبات ترامب وروبيو ضد المحكمة الجنائية الدولية
ولم يتأخر الدعم الإسرائيلي للموقف الأمريكي؛ حيث سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالإشارة والإشادة بقرارات ترامب وروبيو، مشيراً إلى أن الخطوة الأمريكية تعبر عن قرارات حاسمة لحماية سيادة الدول وديمقراطيتها. وجدد نتنياهو هجومه على المؤسسة الدولية مؤكداً أنها تجردت من كونها محكمة عدل وتحولت إلى "هيئة سياسية" تشكل تهديداً مباشراً للدول الملتزمة بالقانون.
المحكمة الجنائية الدولية تتحدى عقوبات أمريكا: لن تردعنا ومستمرون فى رسالتنا
في المقابل، أبدت المحكمة الجنائية الدولية صلابة واضحة في مواجهة الضغوط المالية والسياسية؛ إذ أعلنت نائبة المدعي العام نزهة شاميم خان أن المحكمة مستمرة في تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية ولن تثنيها إجراءات الترهيب أو محاولات التعطيل.
وشددت المحكمة على أن المعركة الحالية لا تقتصر على الدفاع عن هيئة منفردة، بل هي دفاع عن منظومة العدالة والنظام الدولي برمته، معتبرة أن العقوبات تستهدف تقويض القانون الدولي ومؤكدة أن التاريخ هو من سيحكم على هذه اللحظة.
المفوضية الأوروبية تستنكر العقوبات الأمريكية وتتمسك بدعم الجنائية الدولية
وعمقت الأزمة الانقسام داخل الجبهة الغربية؛ إذ أعلنت المفوضية الأوروبية عن أسفها الشديد للإجراءات الأمريكية، مجددة التزام التكتل الأوروبي بنظام روما الأساسي. وأكدت بروكسل أنها تعمل بشكل مباشر مع المحكمة لضمان استمرار أعمالها، وجاهزيتها لاتخاذ كافة التدابير الكفيلة بتمكين الجنائية الدولية من أداء مهامها القضائية لملاحقة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مما يضع أزمة لاهاي في قلب تحولات النظام الدولي وصياغة قواعده القانونية القادمة.