منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، تحولت مصر إلى خط إمداد رئيسي للقطاع، واستقبلت المساعدات القادمة من الخارج، وسخرت الهلال الأحمر المصري لتنسيق جهود الإغاثة، وفتحت مستشفياتها أمام الجرحى والمرضى الفلسطينيين، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي متواصل لوقف الحرب والوصول إلى تهدئة.
والأمم المتحدة وثقت الدور المصري في الاستجابة الإنسانية، وأكدت أن الحكومة المصرية والهلال الأحمر المصري كانا في قلب جهود إدخال المساعدات إلى غزة، كما أشادت بسخاء المصريين الذين شاركوا في حملات الإغاثة.
لكن الإخوان اختاروا لأنفسهم دورا مختلفا، فمصر تتحرك بالشاحنات، وهم يتحركون بالميكروفونات، مصر تفتح المستشفيات، وهم يفتحون منصات الهجوم، مصر تدخل المساعدات، وهم يدخلون في معركة جديدة لتشويه القاهرة.
مصر في الميدان.. والإخوان في معركة التشويه
من العريش إلى رفح، كانت مصر تتعامل مع الأزمة باعتبارها كارثة إنسانية تتطلب تحركا عمليا، المساعدات تصل إلى الأراضي المصرية، والهلال الأحمر يعمل على تنسيقها إلى جانب المساعدات التي قدمتها الدولة المصرية والتي تمثل أغلب المساعدات التي تم تقديمها لأهالى غزة، والجرحى يعبرون للعلاج، فيما تتحرك القاهرة سياسيا لوقف إطلاق النار.
وفي الوقت نفسه، كانت منصات الإخوان تدفع برواية مختلفة، تختزل المشهد كله في اتهام مصر وتحميلها مسؤولية ما يجري في غزة وكأن آلاف الشاحنات التي تحركت عبر الأراضي المصرية لم تكن موجودة، وكأن المستشفيات المصرية لم تستقبل الجرحى، وكأن الجهود الدبلوماسية المصرية لم تكن جزءا أساسيا من مسار الأزمة، فالحقيقة على الأرض كانت تتحرك في اتجاه، وماكينة الإخوان الإعلامية كانت تحاول دفع الصورة في الاتجاه المعاكس.
شريان الحياة
معبر رفح أصبح خلال الحرب أحد أهم المسارات الإنسانية المرتبطة بإدخال المساعدات إلى القطاع، فيما تحولت العريش إلى نقطة تجمع رئيسية للمساعدات الدولية، فالأمم المتحدة أكدت أن مطار العريش ومعبر رفح يمثلان شريانين أساسيين لإيصال المساعدات المنقذة للحياة، وأشادت بالدور المصري في الاستجابة الإنسانية والسياسية.
لكن خطاب الإخوان لم يتوقف عند حدود النقد، بل ذهب إلى محاولة تقديم مصر وكأنها صاحبة القرار الوحيد في كل ما يتعلق بحركة المعبر، متجاهلا تعقيدات الحرب والسيطرة العسكرية الإسرائيلية والتطورات الميدانية.
المفارقة الكبرى.. وقفة في تل أبيب ضد مصر
ثم جاءت الصورة التي تختصر جانبا كبيرا من هذه المفارقة، في يوليو 2025، نظمت عناصر من جماعة الإخوان الإرهابية وقفة أمام السفارة المصرية في تل أبيب، ووجه المشاركون انتقادات إلى مصر وطالبوا بفتح معبر رفح، بينما كانت السلطات الإسرائيلية توفر الحماية الأمنية للوقفة، غزة تحت القصف، وأهلها ينتظرون المساعدات، والوقفة تقام في تل أبيب لكن الرسالة موجهة إلى القاهرة فبدلا من أن تكون الأولوية هي الضغط من أجل وقف الحرب وإدخال المساعدات، تحولت المأساة إلى منصة جديدة للهجوم على الدولة المصرية.
تبرعات غزة.. من النصرة إلى نهب الأموال
وإذا كان الإخوان يتحدثون عن نصرة غزة، فهناك ملف آخر أكثر حساسية وهو التبرعات التي جمعت باسم أهل القطاع، فقد خرج للعلن فضيحة كبرى من قلب الجماعة الإرهابية تؤكد استيلائهم على التبرعات التي جمعوها من المفترض أن تتوجه لغزة والتي وصلت لـ 500 مليون دولار من خلال "وقف الأمة".
الإخوان تاجروا بالقضية الفلسطينية
المفارقة الأكبر أن الإخوان يتصرفون أحيانا وكأن الحديث عن فلسطين حكر عليهم، وكأن كل من يختلف مع خطابهم أصبح تلقائيا ضد الفلسطينيين، لكن تاريخ مصر مع القضية الفلسطينية لا يحتاج إلى شهادة من الجماعة الإرهابية.
والتاريخ خير شاهد على أن مصر خاضت حروبا من أجل القضية، واستقبلت الفلسطينيين، وفتحت أبوابها للمساعدات، وتحركت في كل جولات التفاوض والتهدئة، واستمرت في لعب دور الوسيط رغم تعقيدات المشهد.
وفي حرب 2023 وما بعدها، لم يكن الدور المصري مجرد بيانات تضامن، وإنما ظهر في صورة مساعدات وشاحنات ومستشفيات وجرحى واتصالات سياسية وتحركات دبلوماسية، أما الجماعة الإرهابية فكان لديها منتج آخر: خطاب مرتفع النبرة، حملات إلكترونية، اتهامات ضد القاهرة، ووقفة في تل أبيب.
غزة لا تأكل الشعارات
لا يحتاج أهل غزة إلى من يرفع صوتا أعلى من غيره، وإنما إلى من يقدم لهم شيئا يمكن لمسه، الغذاء لا يصل عبر الميكروفون، والدواء لا يخرج من شاشة الهاتف، والمال لا يصل إلى طفل فلسطيني بمجرد نشر منشور يحمل صورة غزة، ولهذا فإن السؤال الذي يطارد خطاب الإخوان ليس: من تحدث أكثر عن فلسطين؟ السؤال هو: من فعل؟ ومن دفع؟ ومن أرسل؟ ومن عالج؟ ومن أدخل المساعدات؟
غزة تحتاج إلى من يحمل عنها شيئا من الألم، لا من يحمل مأساتها إلى استوديوهات الخارج ليتاجر بها من أجل نهب المزيد من أموال المساعدات، تحتاج إلى شاحنة مساعدات، لا وقفة أمام سفارة مصر في قلب تل أبيب أي من قلب المحتل والمعتدي وتحت حماية الاحتلال الذي يقتل في أطفال غزة ويهدم مبانيها وبدلا من أن يعلو صوتهم منددين بما يرتكبه الاحتلال من مجازر في حق أهل غزة وقفوا في أحضانه يهتفون ضد الدولة المصرية ليكن المشهد ليس فقط دليل على خيانتهم للقضية الفلسطينية وهو ما اعتادوا عليه ولكنها دليل أكبر على غبائهم.
ووسط كل هذا فالتاريخ خير شاهد أن الدولة المصرية حملت على أعناقها القضية الفلسطينية والحفاظ عليها ولم تتدخر وقتا أو جهدا من أجل الحفاظ على فلسطين وأشقائنا في فلسطين.