الأحد، 04 أكتوبر 2026 10:55 ص

طرد دبلوماسيين وإغلاق سفارات وتهديد بالنيل والبحر الأحمر.. والدبلوماسية المصرية ترفض توظيف النيل لمكاسب سياسية.. ومصر تمتلك المادة 51 ولن تنتظر للأبد.. وأستاذ قانون دولي يفند المشروع الإثيوبي التخريبى.. (حوار)

طرد دبلوماسيين وإغلاق سفارات وتهديد بالنيل والبحر الأحمر.. والدبلوماسية المصرية ترفض توظيف النيل لمكاسب سياسية.. ومصر تمتلك المادة 51 ولن تنتظر للأبد.. وأستاذ قانون دولي يفند المشروع الإثيوبي التخريبى.. (حوار) سد النهضة - أرشيفية
الأحد، 04 أكتوبر 2026 10:00 ص
كتب علاء رضوان

>>على هامش العلمين السيسي يرفض توظيف النيل لمكاسب سياسية ومهران: الملتزم بالقانون الدولي يقف دائماً على أرض أصلب

 

>>مهران: ادعاء إثيوبيا أن السد العالي بُني بلا موافقتها مقارنة مغلوطة قانونياً وتاريخياً والفارق بين الاثنين واسع كالفارق بين الملكية والاحتلال

 

>>خبير دولي يُنذر: صمت الاتحاد الأفريقي عن انتهاكات النيل تأييد ضمني لمنطق فرض الأمر الواقع ومصر تمتلك المادة 51 ولن تنتظر إلى الأبد

 

>>أستاذ قانون دولي: حقوق مصر المائية قضية وجودية لا تفاوضية والسيسي أمام الاتحاد الأفريقي احرج إثيوبيا التي لا تعترف بالقانون الدولي

 

>>مهران: كلمة الرئيس اليوم أمام رئيس الاتحاد الأفريقي ترجمة دقيقة للقانون الدولي للمياه الذي ترفض إثيوبيا الاعتراف به

 

>>خبير دولي يُفنّد الحجة الإثيوبية: السد العالي بُني على أرض مصرية وسد النهضة بُني على نهر مشترك والخلط بينهما ليس جهلاً بل مراوغة

 

>>مهران: الفرق بين السد العالي وسد النهضة هو الفرق بين من يبني في بيته ومن يبني في بيت جاره بلا إذن

 

>>أستاذ قانون دولي: الأمن المائي أصبح أمناً دولياً والمجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي إما موقف عادل وحازم أو شراكة في الجريمة المائية

 

أشاد عربية ودولية بكلمة الرئيس السيسي التي جاءت على هامش منتدى العلمين أمام رئيس الاتحاد الأفريقي، والذى أكد خلالها أنها تُجسّد بدقة المبدأين الجوهريين اللذين يرسيهما القانون الدولي للمجاري المائية وهما مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول الذي يستوجب مراعاة مصالح جميع دول الحوض ومبدأ عدم الإضرار الجسيم المنصوص عليه في المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، حيث أن تأكيد الرئيس على أن حقوق مصر المائية قضية وجودية لا تقبل التفاوض ورفضه توظيف ملف المياه لتحقيق مكاسب سياسية يُعبّر عن التزام قانوني دولي حقيقي وليس مجرد موقف سياسي، لأن الدولة التي تطالب بحقوقها وفق مبادئ القانون الدولي وترفض في الوقت ذاته توظيفها ورقة ابتزاز تقف على أرضية قانونية وأخلاقية أمتن بكثير من الدولة التي تُعلن السيادة المطلقة على نهر دولي مشترك.

 

واستحضار وزير المياه والطاقة الإثيوبي "هبتامو إيتيفا" السد العالي المصري في الدفاع عن سد النهضة ومقارنة الاثنين بذريعة أن مصر بنت سدها دون موافقة إثيوبيا، وأن المشروع تسبب في اضطرابات اجتماعية واسعة هي حجة قانونية معكوسة تُسقطها حقيقة واحدة جوهرية لا تقبل الجدل، وهي أن السد العالي بُني على أرض مصرية بمياه تجري داخل الحدود المصرية بينما سد النهضة بُني على النيل الأزرق بنهر دولي مشترك يُعدّ الشريان المائي الوحيد لمئة مليون مصري والفارق بين الاثنين هو الفارق بين حق الدولة في تطوير مواردها داخل أراضيها وحق الدولة في التصرف أحادياً في مورد مشترك بين عدة دول.   

 

images (2)

 

على طرد دبلوماسيين وإغلاق سفارات وتهديد بالنيل والبحر الأحمر

 

في الحوار التالي، يلقى "برلماني" الضوء على طرد دبلوماسيين وإغلاق سفارات وتهديد بالنيل والبحر الأحمر، وتصريحات الرئيس السيسي على  هامش العلمين الذى رفض فيه  توظيف النيل لمكاسب سياسية، حيث أن أن الحجة الإثيوبية تنهار أمام أربعة حقائق قانونية وتاريخية ثابتة، الأولى أن السد العالي أُنشئ خلال الخمسينيات والستينيات حين لم يكن القانون الدولي للمجاري المائية قد أرسى بعد منظومة الإخطار المسبق والتشاور الإلزامي التي صدرت مع اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بينما بنت إثيوبيا سد النهضة عام 2011 بعد أن باتت هذه المنظومة القانونية قائمة وراسخة وملزمة كقانون عرفي دولي – بحسب الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية.

 

والثانية أن السد العالي بُني داخل الأراضي المصرية في أقصى المصب بعد أن استنفدت دول الحوض كافة استخداماتها، ولا يحجز قطرة ماء واحدة عن دول المنبع، وعلى رافد لا يُغذّي أراضي إثيوبيا في حين أن سد النهضة بُني على النيل الأزرق الذي يُسهم بخمسة وثمانين بالمئة من إيراد النيل الواصل لمصر والسودان وهذا فارق جغرافي وهيدرولوجي جوهري، والثالثة أن مصر وقّعت مع إثيوبيا والسودان إعلان المبادئ عام 2015 وأعلنت التزامها بالتفاوض الجاد في حين أن إثيوبيا أجرت خمسة ملأت متتالية دون التوصل لاتفاق ملزم، والرابعة أن ذكر اضطرابات النوبيين الاجتماعية لا يُقوي الحجة الإثيوبية بل يُضعفها لأن مصر تحمّلت هذا الثمن على أراضيها الخاصة لا على حساب دول أخرى بينما إثيوبيا تُكلّف دولتَي المصب ثمناً مائياً لم تستشرهما فيه – وفقا لـ"مهران". 

 

images (4)

 

والخارجية المصرية ردّت على التصريحات الإثيوبية الأخيرة

 

والخارجية المصرية ردّت على التصريحات الإثيوبية الأخيرة بعبارة: "هي والعدم سواء"، وهو رد دبلوماسي بليغ يقول إن مصر تثق في موقفها القانوني ثقة تجعل الحجج المعاكسة لا تستحق الرد المطوّل وأن القانون الدولي الذي تستند إليه القاهرة يحتاج إلى تطبيق لا إلى دفاع، فلابد من التحرك الدولى والفورى والحازم للمجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي إزاء هذا الملف، حيث أن الأمر لم يعد خلافاً مائياً ثنائياً بل بات يمس الأمن والسلم الدوليين بمفهومهما الموسّع الذي يشمل الأمن البيئي والمائي الذي باتت تعترف به قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وثيقتا برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومؤتمرات المناخ الدولية المتعاقبة، كما أن الاتحاد الأفريقي مدعوٌّ اليوم قبل الغد لأن يُجسّد حياده الإيجابي بموقف عادل لا يُكافئ الطرف المُصعِّد على حساب الطرف الملتزم بالمسار القانوني – الكلام لـ"مهران".

 

وفى الحقيقة أي صمت أفريقي في هذه اللحظة سيُفهم حتماً تأييداً ضمنياً لمنطق فرض الأمر الواقع الذي إن نجح على النيل انتشر كنموذج في كل نهر دولي مشترك على القارة، ومصر التي تستنفد كل الوسائل الدبلوماسية والقانونية السلمية المتاحة تمتلك في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة حقاً صريحاً في الدفاع الشرعي عن أمنها الوجودي نظرا لأن التدفقات المائية باتت تُستخدم أداةً للضغط الممنهج وأن هذا الحق ليس تهديداً بل توثيقاً قانونياً لحدود الصبر الذي لا يعني الاستسلام – هكذا يقول "مهران". 

 

2021_2_27_2_4_1_78

 

ماذا يعني في القانون الدولي أن تطرد دولة دبلوماسياً دون أن تذكر سبباً واحداً؟

 

وخلال الساعات الماضية كتبت إثيوبيا أشد صفحاتها الدبلوماسية حدةً في تاريخها الحديث، طردت دبلوماسياً مصرياً وأغلقت سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين في يوم واحد دون أن تُبدي للدبلوماسي المصري سبباً واحداً، ردت مصر بالمثل فوراً وقطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا كلياً، وفي نفس الأسبوع وصف وزير الري المصري سد النهضة بأنه غير شرعي وسيبقى كذلك، وأعلنت إثيوبيا أن تصريحاته تجسيد لعقلية استعمارية وتجدد القتال في تيغراي وتعثرت المفاوضات مجدداً، الصورة مكتملة الأطراف والمشهد لم يصل بعد إلى نقطة الحسم، هكذا كان رد الدكتور "مهران".

 

المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 - يؤكد "مهران" - تُجيز لأي دولة إعلان دبلوماسي أجنبي شخصاً غير مرغوب فيه دون إبداء الأسباب وهذا حق مشروع قانوناً، لكن حين تُمارسه إثيوبيا في نفس اليوم الذي تطرد فيه عشرة إريتريين وتغلق سفارتها في أسمرة يتحول هذا الحق من إجراء قانوني مشروع إلى رسالة عدوانية مقصودة، والصمت عن السبب هنا ليس احتراماً للقانون بل هو إدانة ذاتية لأن الدولة التي تمتلك مبرراً حقيقياً تُعلنه بكل ثقة. 

 

1502678_0

 

مصر ردت بالمثل فوراً، هل هذا الموقف صحيح قانونياً وسياسياً؟

 

يُجيب "مهران": قانونياً هو حق مكفول ومشروع يُعرف بمبدأ المعاملة بالمثل أو ما يُسميه القانون الدولي التدابير المضادة المشروعة، وسياسياً هو الرد الوحيد الذي يحفظ الكرامة الدبلوماسية المصرية دون انجرار لتصعيد خارج السيطرة، ومصر أعلنت صراحةً أن قرارها جاء تطبيقاً لهذا المبدأ وهو موقف يجمع بين الحزم القانوني والحكمة السياسية في آنٍ واحد لأنه لا يُصعّد الأزمة لكنه لا يتركها دون رد.

 

قبل يومين من هذا الطرد وصف وزير الري المصري سد النهضة بأنه غير شرعي، هل هذا توصيف قانوني حقيقي أم ورقة ضغط سياسية؟

 

هو الاثنان معاً والفصل بينهما مُضلِّل، القانون الدولي يدعم هذا التوصيف بالكامل لأن إثيوبيا بدأت البناء دون إخطار مسبق ودون إجراء دراسات مشتركة ودون الحصول على موافقة دولتَي المصب ودون اتفاق ملزم على آليات التشغيل في خمسة ملأات متتالية، وإثيوبيا نفسها ردت بأن تصريحات الوزير المصري تجسيد لعقلية استعمارية فجة وطالبت القاهرة بالتخلي عن أحلام الهيمنة التي عفا عليها الزمن، وهذا رد يفتقر لأي حجة قانونية ويلجأ للانفعال حين تنفد الحجج – كما أوضح "مهران". 

 

images (1)

 

ثلاث عقبات تمنع استئناف المفاوضات وفق تقارير اليوم، ما هي في رأيك؟

 

الأولى أن إثيوبيا ترفض أي اتفاق يُقيّد صلاحياتها في تشغيل السد مستقبلاً وهي تريد السيطرة الكاملة على أزرار التحكم دون أي رقابة دولية، والثانية أن الأزمة الداخلية الإثيوبية تمنع آبي أحمد من تقديم أي تنازل لأن المعارضة الداخلية ستُصوّر أي اتفاق مع مصر هزيمة في لحظة يعاني فيها من هشاشة سياسية حادة بعد تجدد مواجهات تيغراي في الرابع والعشرين من سبتمبر، والثالثة أن إثيوبيا أعلنت ثلاثة سدود جديدة دون إخطار أحد وهذا يعني أنها لا تنوي التفاوض من أساسه بل تسعى لفرض أمر واقع جديد قبل أن يُبنى الإطار القانوني الملزم – مثلما يرى "مهران".

 

إريتريا قطعت علاقاتها مع إثيوبيا اليوم وقالت إن أديس أبابا تريد غزو موانئها، هل هذا مرتبط بملف مصر؟

 

يؤكد "مهران": ارتباطاً عضوياً لأن كل خيوط السياسة الإثيوبية تلتقي في نقطة واحدة وهي الوصول للبحر الأحمر، إثيوبيا وقّعت مع صوماليلاند المنشقة عن الصومال في يناير 2024 اتفاقاً للحصول على عشرين كيلومتراً ساحلياً مقابل الاعتراف بها وهو انتهاك صريح لمبدأ سلامة الأراضي الصومالية، وهي تطمع في موانئ إريترية بحسب ما تقوله أسمرة، وهي تعتبر البحر الأحمر امتداداً طبيعياً لأراضيها كما صرح آبي أحمد علناً، وهذا المشروع البحري مرتبط مباشرة بملف النيل لأن الدولة التي تضغط على مصر مائياً من الجنوب وتتحرك نحو البحر الأحمر من الشرق تبني كماشة استراتيجية على القاهرة لا مجرد تنمية اقتصادية منفصلة. 

 

9770f46b-efb8-4ff4-ac80-4831c61a586d

الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية 

 

مصر تضع شروطاً لقبول وساطة ترامب بشأن السد وفق ما نُشر اليوم، ما هذه الشروط وما موقف القانون منها؟

 

الشروط المصرية المعلومة تتمحور حول ثلاثة محاور، أن تقبل إثيوبيا مسبقاً بآلية تشغيل ملزمة تُنظّم الملء والتصريف وتحفظ الحصة المصرية في سنوات الجفاف، وأن تتوقف إثيوبيا عن الإعلانات الأحادية للسدود الجديدة وتلتزم بالإخطار المسبق، وأن تكون نتيجة الوساطة اتفاقاً قانونياً ملزماً تُكرّسه معاهدة لا مجرد وثيقة نوايا كإعلان مبادئ 2015، وهذه الشروط تُجسّد تماماً ما تنص عليه المواد من الحادية عشرة إلى التاسعة عشرة من اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية وهي مطالب قانونية لا مطالب سياسية وهذا ما يمنح مصر أفضلية أخلاقية ودولية في هذا الملف – الكلام لـ"مهران".

 

الرئيس السيسي يقول إن مصر تمنح الحل الدبلوماسي فرصته لكن ليس على حساب وجودها، ما الخط الأحمر المقصود؟

 

هذه الجملة تحتاج قراءة دقيقة، مصر لا تُعلن الحرب ولا تريدها وهي دولة مسؤولة تحترم القانون الدولي، لكن الجملة تُرسّخ مبدأً جوهرياً وهو أن الأمن المائي خط أحمر وجودي لا تفاوضي، ومصر التي تعتمد على النيل بنسبة 97% وتعاني فجوة مائية حادة لا تستطيع القبول بأي تسوية تمسّ هذا الخط ولو كان ثمنها علاقات دبلوماسية مريحة، والمادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة تُجيز للدول الدفاع عن مصالحها الوجودية بكل الوسائل المشروعة وهذا ما يُشير إليه الرئيس بلغة سياسية دبلوماسية مدروسة. 

 

2019_10_7_1_48_11_511

 

كيف تصف الوضع الراهن بجملة واحدة؟

 

إثيوبيا تُصعّد على الجميع لأنها تتفكك من الداخل ومصر تتحرك بثقة لأنها تمتلك القانون والتاريخ والحق. طرد دبلوماسيين وإغلاق سفارات وتهديد بالنيل والبحر الأحمر.. أستاذ  قانون دولي يفند المشروع الإثيوبي كاملاً

 

في أقل من أربع وعشرين ساعة كتبت إثيوبيا أشد صفحاتها الدبلوماسية حدةً في تاريخها الحديث، طردت دبلوماسياً مصرياً وأغلقت سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين في يوم واحد دون أن تُبدي للدبلوماسي المصري سبباً واحداً، ردت مصر بالمثل فوراً وقطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا كلياً، وفي نفس الأسبوع وصف وزير الري المصري سد النهضة بأنه غير شرعي وسيبقى كذلك وأعلنت إثيوبيا أن تصريحاته تجسيد لعقلية استعمارية وتجدد القتال في تيغراي وتعثرت المفاوضات مجدداً، الصورة مكتملة الأطراف والمشهد لم يصل بعد إلى نقطة الحسم، للاستيضاح من الجانب القانوني التقينا بالدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي والأمين العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية فكان هذا الحوار.

 

ماذا يعني في القانون الدولي أن تطرد دولة دبلوماسياً دون أن تذكر سبباً واحداً؟

 

المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 تُجيز لأي دولة إعلان دبلوماسي أجنبي شخصاً غير مرغوب فيه دون إبداء الأسباب وهذا حق مشروع قانوناً، لكن حين تُمارسه إثيوبيا في نفس اليوم الذي تطرد فيه عشرة إريتريين وتغلق سفارتها في أسمرة يتحول هذا الحق من إجراء قانوني مشروع إلى رسالة عدوانية مقصودة، والصمت عن السبب هنا ليس احتراماً للقانون بل هو إدانة ذاتية لأن الدولة التي تمتلك مبرراً حقيقياً تُعلنه بكل ثقة. 

 

images (3)

 

مصر ردت بالمثل فوراً، هل هذا الموقف صحيح قانونياً وسياسياً؟

 

قانونياً هو حق مكفول ومشروع يُعرف بمبدأ المعاملة بالمثل أو ما يُسميه القانون الدولي التدابير المضادة المشروعة، وسياسياً هو الرد الوحيد الذي يحفظ الكرامة الدبلوماسية المصرية دون انجرار لتصعيد خارج السيطرة، ومصر أعلنت صراحةً أن قرارها جاء تطبيقاً لهذا المبدأ وهو موقف يجمع بين الحزم القانوني والحكمة السياسية في آنٍ واحد لأنه لا يُصعّد الأزمة لكنه لا يتركها دون رد.

 

قبل يومين من هذا الطرد وصف وزير الري المصري سد النهضة بأنه غير شرعي، هل هذا توصيف قانوني حقيقي أم ورقة ضغط سياسية؟

 

هو الاثنان معاً والفصل بينهما مُضلِّل، القانون الدولي يدعم هذا التوصيف بالكامل لأن إثيوبيا بدأت البناء دون إخطار مسبق ودون إجراء دراسات مشتركة ودون الحصول على موافقة دولتَي المصب ودون اتفاق ملزم على آليات التشغيل في خمسة ملءات متتالية، وإثيوبيا نفسها ردت بأن تصريحات الوزير المصري تجسيد لعقلية استعمارية فجة وطالبت القاهرة بالتخلي عن أحلام الهيمنة التي عفا عليها الزمن، وهذا رد يفتقر لأي حجة قانونية ويلجأ للانفعال حين تنفد الحجج.

 

ثلاث عقبات تمنع استئناف المفاوضات وفق تقارير اليوم، ما هي في رأيك؟

 

الأولى أن إثيوبيا ترفض أي اتفاق يُقيّد صلاحياتها في تشغيل السد مستقبلاً وهي تريد السيطرة الكاملة على أزرار التحكم دون أي رقابة دولية، والثانية أن الأزمة الداخلية الإثيوبية تمنع آبي أحمد من تقديم أي تنازل لأن المعارضة الداخلية ستُصوّر أي اتفاق مع مصر هزيمة في لحظة يعاني فيها من هشاشة سياسية حادة بعد تجدد مواجهات تيغراي في الرابع والعشرين من سبتمبر، والثالثة أن إثيوبيا أعلنت ثلاثة سدود جديدة دون إخطار أحد وهذا يعني أنها لا تنوي التفاوض من أساسه بل تسعى لفرض أمر واقع جديد قبل أن يُبنى الإطار القانوني الملزم.

 

إريتريا قطعت علاقاتها مع إثيوبيا اليوم وقالت إن أديس أبابا تريد غزو موانئها، هل هذا مرتبط بملف مصر؟

 

ارتباطاً عضوياً لأن كل خيوط السياسة الإثيوبية تلتقي في نقطة واحدة وهي الوصول للبحر الأحمر، إثيوبيا وقّعت مع صوماليلاند المنشقة عن الصومال في يناير 2024 اتفاقاً للحصول على عشرين كيلومتراً ساحلياً مقابل الاعتراف بها وهو انتهاك صريح لمبدأ سلامة الأراضي الصومالية، وهي تطمع في موانئ إريترية بحسب ما تقوله أسمرة، وهي تعتبر البحر الأحمر امتداداً طبيعياً لأراضيها كما صرح آبي أحمد علناً، وهذا المشروع البحري مرتبط مباشرة بملف النيل لأن الدولة التي تضغط على مصر مائياً من الجنوب وتتحرك نحو البحر الأحمر من الشرق تبني كماشة استراتيجية على القاهرة لا مجرد تنمية اقتصادية منفصلة.

 

مصر تضع شروطاً لقبول وساطة ترامب بشأن السد وفق ما نُشر اليوم، ما هذه الشروط وما موقف القانون منها؟

 

الشروط المصرية المعلومة تتمحور حول ثلاثة محاور، أن تقبل إثيوبيا مسبقاً بآلية تشغيل ملزمة تُنظّم الملء والتصريف وتحفظ الحصة المصرية في سنوات الجفاف، وأن تتوقف إثيوبيا عن الإعلانات الأحادية للسدود الجديدة وتلتزم بالإخطار المسبق، وأن تكون نتيجة الوساطة اتفاقاً قانونياً ملزماً تُكرّسه معاهدة لا مجرد وثيقة نوايا كإعلان مبادئ 2015، وهذه الشروط تُجسّد تماماً ما تنص عليه المواد من الحادية عشرة إلى التاسعة عشرة من اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية وهي مطالب قانونية لا مطالب سياسية وهذا ما يمنح مصر أفضلية أخلاقية ودولية في هذا الملف.

 

الرئيس السيسي يقول إن مصر تمنح الحل الدبلوماسي فرصته لكن ليس على حساب وجودها، ما الخط الأحمر المقصود؟

 

هذه الجملة تحتاج قراءة دقيقة، مصر لا تُعلن الحرب ولا تريدها وهي دولة مسؤولة تحترم القانون الدولي، لكن الجملة تُرسّخ مبدأً جوهرياً وهو أن الأمن المائي خط أحمر وجودي لا تفاوضي، ومصر التي تعتمد على النيل بنسبة 97% وتعاني فجوة مائية حادة لا تستطيع القبول بأي تسوية تمسّ هذا الخط ولو كان ثمنها علاقات دبلوماسية مريحة، والمادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة تُجيز للدول الدفاع عن مصالحها الوجودية بكل الوسائل المشروعة وهذا ما يُشير إليه الرئيس بلغة سياسية دبلوماسية مدروسة.

 

ختاماً كيف تصف الوضع الراهن بجملة واحدة؟

 

إثيوبيا تُصعّد على الجميع لأنها تتفكك من الداخل ومصر تتحرك بثقة لأنها تمتلك القانون والتاريخ والحق.   

 

 

 


print